التحليلات - التغيرات السياسية

استعادة القوة:

كيف وظف ترامب "حالة الاتحاد" في حملته لانتخابات الرئاسة 2020؟

الأحد، 09 فبراير، 2020
استعادة القوة:

تحت شعار "عودة أمريكا العظيمة"، ألقى الرئيس "ترامب"، مساء يوم الثلاثاء 4 فبراير، الخطاب السنوي لحالة الاتحاد في القاعة الرئيسية بمجلس الشيوخ الأمريكي، وركز في خطابه على أربعة محاور رئيسية تتعلق بالنجاح الاقتصادي الذي حققته إدارته، والقضايا الداخلية، وإعادة بناء القوات المسلحة الأمريكية، والسياسة الخارجية.

وقد استغلّ "ترامب" توقيت الخطاب ليكون جزءًا من الجدل المثار حول الانتخابات الرئاسية لعام 2020، فقد عكست رسائل الخطاب، والطريقة التي تمت صياغته بها، أنه بداية الانطلاق لحملة إعادة ترشيح "ترامب" لولاية ثانية في البيت الأبيض. 

تقليد سنوي:

خطاب حالة الاتحاد The State of the Union Address هو حدث مهم في السياسة الداخلية الأمريكية، فهو خطاب سنوي يُدلي به الرئيس في مجتمع مشترك للكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب في بداية كل عام، ليقدم فيه كشف حساب بسياسة إدارته في القضايا الرئيسية التي تهم الأمة، سواء الخاصة بالسياسة الداخلية أو الخارجية. وأيضًا يطرح فيه الرئيس الأجندة التشريعية للقوانين التي يرغب في أن يعمل عليها الكونجرس خلال العام.

ويُعتبر الخطاب جزءًا من مهام الرئيس التي حددها الدستور، فقد نص الدستور الأمريكي في جزء من بنود المادة الثانية، على أن يقدم الرئيس بشكل دوري "معلومات إلى الكونجرس عن حالة الاتحاد، ويوصي بأن ينظر الكونجرس فيها ويتخذ ما يراه من تدابير بشأنها". وفي تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، كان الرئيس يقدم تلك المعلومات في شكل تقرير مكتوب، ولاحقًا أصبح متعارفًا عليه أن يُدلي الرئيس بهذا الخطاب السنوي الذي يُبَثّ مباشرة على الهواء، ويتابعه ملايين الأمريكيين. 

رسائل الخطاب:

ركز الرئيس "ترامب" في خطاب حالة الاتحاد لعام 2020 على أربعة محاور رئيسية، تتعلق بالاقتصاد، والسياسة الداخلية، والقوات المسلحة، والسياسة الخارجية، وذلك على النحو التالي:

1- النجاح الاقتصادي: حاول "ترامب" توظيف خطاب حالة الاتحاد للتأكيد على حجم الإنجازات والنجاح الاقتصادي الذي حققته إدارته. ففي ضوء أن الاقتصاد يعد أحد المحددات الرئيسية في مخاطبة الرأي العام الأمريكي قبل الانتخابات، أكد "ترامب" نجاح إدارته في خفض معدل البطالة، وتوفير 7 ملايين وظيفة بزيادة 5 ملايين عن الإدارة السابقة، وشمل الخفض كافة فئات المجتمع الأمريكي خاصة المواطنين من أصول إفريقية ولاتينية وآسيوية. وأشار "ترامب" إلى أن معدّل البطالة في عهده هو الأقل منذ أكثر من نصف قرن، فخلال الإدارة السابقة خرج أكثر من 100 ألف شخص من سوق العمل، بينما انضمّ إلى قوة العمل أكثر من 5 ملايين في عهده. 

وفي سياق آخر، أشار "ترامب" إلى انتعاش البورصة، وزيادة الاستثمارات، خاصة تدفق الاستثمارات والوظائف في 9000 من الأحياء الأمريكية المهملة، وذلك بفضل خطة "مناطق الفرص" Opportunity Zones، التي يتم تطبيقها كجزء من التخفيضات الضريبية الجمهورية الكبيرة.

وتطرق "ترامب" إلى النجاح الذي تحقّق في أداء قطاع الطاقة، مشيرًا إلى أنه بفضل حملة التخفيض التنظيمية الشجاعة Regulatory Reduction Campaign، أصبحت الولايات المتحدة المنتج الأول للنفط والغاز الطبيعي في أي مكان في العالم، مؤكدًا "مع التقدم الهائل الذي أحرزناه على مدار السنوات الثلاث الماضية، أصبحت أمريكا الآن مستقلة عن الطاقة، وأصبحت وظائف الطاقة مثلها مثل العديد من العناصر الأخرى مرتفعة للغاية".

2- التعليم والرعاية الصحية: يأتي التعليم والرعاية الصحية في المرتبة الثانية في قائمة اهتمام المواطنين الأمريكيين بعد الوظائف والعمل، ولذلك أعطى الرئيس "ترامب" في حالة الاتحاد اهتمامًا خاصًّا للجانبين. فعلى مستوى التعليم، أشار إلى تحديث البرامج التعليمية الجديدة التي يتم تطبيقها في المدارس، مشيرًا إلى أن 18 ولاية أمريكية تطبق نظام اختيار المدارس من خلال منح دراسية Opportunity Scholarships، ودعا "ترامب" الكونجرس إلى إقرار قانون حرية الفرص والمنح التعليمية the Education Freedom Scholarships and Opportunities Act. 

وفيما يتعلق بالرعاية الصحية، أشار "ترامب" إلى ارتفاع تكاليف أقساط التأمين الصحي، وأن إدارته وفرت بدائل بأسعار معقولة، وأن خطط الإدارة الجديدة أقل تكلفة بـ60%، وأشار إلى إصداره قرارًا تنفيذيًّا بشأن ضرورة الشفافية في أسعار الأدوية. وحذر "ترامب" بشكل غير مباشر من قانون الرعاية الصحية الذي يحاول الديمقراطيون تمريره في الكونجرس، كما أشار إلى ضرورة إصدار تشريع لخفض أسعار الأدوية. وأكد "ترامب" أن الجهود المبذولة لحماية صحة الأمريكيين تعني أيضًا مكافحة الأمراض المعدية، والتنسيق مع الصين لمواجهة تفشي فيروس كورنا، والمبادرات الجديدة لتحسين الرعاية بشكل كبير للأمريكيين المصابين بأمراض الكلى والزهايمر، وأولئك الذين يعانون من الصحة العقلية، وعلاجات جديدة لسرطان الطفولة.

3- القوات المسلحة الأمريكية: يَعتبر الرئيس "ترامب" الحديث عن الإنجازات التي حققها فيما يتعلق بإعادة بناء القوات المسلحة، والتخفيف من أعباء الحماية الخارجية للدول والحلفاء أصدقاء الولايات المتحدة، جزءًا من الإنجازات التي حققها، وفي هذا الإطار أشار في الخطاب إلى استثمار 2.2 تريليون دولار لتحديث الجيش الأمريكي، وتزويده بأحدث الطائرات والصواريخ والسفن وجميع أشكال المعدات العسكرية الأخرى، وكلها تم تصنيعها في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشار إلى نجاح جهوده في جعل الحلفاء يشاركون في دفع حصتهم في نفقات الدفاع الخاصة بهم، ونوه في هذا الصدد إلى زيادة مساهمة أعضاء الناتو بأكثر من 400 مليار دولار، وزيادة عدد الحلفاء الذين يوفون بالتزاماتهم الدنيا بأكثر من الضعف. وتحدث "ترامب" عن إنشاء قوة الفضاء الأمريكية، باعتبارها أحدث قيادة في القوات المسلحة الأمريكية.

4- السياسة الخارجية: تعتبر دوائر النخبة والرأي العام الأمريكي أن منطقة الشرق الأوسط هي أكثر مناطق العالم اضطرابًا، وأن الولايات المتحدة تستنفد الكثير من الجهود وتريليونات الدولارات الأمريكية في هذه المنطقة. ويتركز معظم الجدل بخصوص هذه المنطقة على ضرورة الانسحاب أو تقليل الانخراط الأمريكي في الإقليم، وهذا يفسر لماذا خصص "ترامب" الجزء المرتبط بالسياسة الخارجية في خطاب حالة الاتحاد للحديث عن الشرق الأوسط، فقد نوّه إلى طرح إدارته خطةَ السلام في الشرق الأوسط، والقضاء على داعش وزعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

وأكد "ترامب" ضرورة أن يتخلى النظام الإيراني عن سعيه لامتلاك أسلحة نووية، وأن العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على طهران جعلت الاقتصاد الإيراني في أسوأ حالاته. وأضاف "ترامب" أنه يمكننا أن نساعدهم على تحقيق انتعاش جيد وفي وقت قصير، ويمكن أن يسير كل شيء بسرعة كبيرة، ولكن عليهم أن يختاروا طريقهم، كما نوه إلى القضاء على "قاسم سليماني".

وقال الرئيس "ترامب": "بينما ندافع عن حياة الأمريكيين، نعمل على إنهاء حروب أمريكا في الشرق الأوسط". وبدا لافتًا أنه لم يوضح كيف ستعمل أمريكا على إنهاء الحروب في المنطقة، وبأي شكل. كما تطرق "ترامب" إلى محادثات السلام الجارية في أفغانستان، وأنه يعمل على إنهاء أطول حرب أمريكية، وإعادة قواتنا إلى الوطن. 

التوقيت والدلالات :

عمل "ترامب" على توظيف توقيت الخطاب، وطريقة صياغته، كجزء أيضًا من إطلاق حملة إعادة ترشيحه. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى عددٍ من الجوانب: 

1- توقيت الخطاب: أدلى الرئيس "ترامب" بخطاب حالة الاتحاد في توقيت مهم في السياسة الداخلية الأمريكية، فالخطاب الذي جاء يوم الثلاثاء 4 فبراير، سبقه يوم الاثنين 3 فبراير انطلاق الانتخابات التمهيدية لانتخابات الرئاسة الأمريكية 2020، ولحقه يوم الأربعاء 5 فبراير إجراءات التصويت النهائية في محاكمة عزل الرئيس "ترامب".

وعمل "ترامب" على الاستفادة من الملابسات التي ارتبطت بتأخر إعلان نتائج الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الحزب الديمقراطي، وذلك لأسباب تقنية، في أن يوجه انتقادات إلى الديمقراطيين، وأن يسعى إلى الظهور بمظهر القوي خلال إلقاء الخطاب. ففي هذا الإطار، وقبل إلقاء خطاب حالة الاتحاد، قال "ترامب": "إذا كان الديمقراطيون عاجزين عن إدارة انتخابات أيوا، فكيف يمكن أن يديروا هذا البلد". 

ويوم الأربعاء، اليوم التالي لخطاب الرئيس "ترامب" الذي صاغه ليؤكد على رسائل لجذب تأييد أكبر قطاع من المواطنين الأمريكيين، صوّت مجلس الشيوخ على لائحتي الاتهام الموجهتين للرئيس "ترامب"، وهما: الإخلال بسلطاته، وإعاقة العدالة. وجاءت نتيجة التصويت بتبرئة الرئيس من التهمتين، حيث صوّت المجلس بـ52 صوتًا بغير مذنب و48 صوتوا بأنه مذنب في الاتهام الأول. وانتهى التصويت بـ53 صوتوا بغير مذنب و47 صوتوا بأنه مذنب في الاتهام الثاني.

وفي ضوء إدراك الرئيس "ترامب" أن النتائج في التصويت ستكون لصالح تبرئته، فقد تجاهل الإشارة إلى مسألة محاكمة عزله في خطاب حالة الاتحاد، وصاغ الخطاب ليكون رسالة قوة في مواجهة الديمقراطيين الذين حاولوا عزله.

2- عودة أمريكا العظيمة: في حملة الانتخابات الرئاسية السابقة كان شعار حملة ترامب "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" Make America Great Again، ووضع "ترامب" شعارًا لحملة انتخابات 2020 يقول "عودة أمريكا العظيمة" The great American comeback، وهذا الشعار كان هو العنوان الرئيسي لخطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس "ترامب"، وطوال الخطاب سعى الرئيس "ترامب" للتأكيد على هذا المعنى، ففي معظم فقرات الخطاب يؤكد نجاح إدارته في القضايا المختلفة، ثم يؤكد أن هذا النجاح يُدلل على أن أمريكا العظيمة عادت مجددًا.

3- ردود الفعل الداخلية: يتبنى الديمقراطيون موقفًا معارضًا للرئيس "ترامب" على طول الخط، ولذا فإن ردود فعلهم وتعبيراتهم خلال الخطاب كانت تعبيرًا عن رفض مضمون الخطاب وما جاء فيه، وقد حدث على هامش إلقاء الخطاب موقف يعبر عن مدى مستوى الاختلاف الحادث بين الطرفين الرئيسيين في السياسة الأمريكية (الجمهوريين والديمقراطيين)، فرئيسة مجلس الشيوخ "نانسي بيلوسي" الديمقراطية قدمت يدها لمصافحة الرئيس "ترامب" قبل بدء الخطاب، لكنه تجاهلها ورفض السلام عليها، فردّت "بيلوسي" بتمزيق أوراق خطاب الرئيس بعد انتهائه منه.

ورغم توجهات الرافضين للخطاب، إلا أن الخطاب لاقى استحسانًا من قطاعات عريضة من الأمريكيين، خاصة لأنه يركز على القضايا الرئيسية التي تعنيهم مثل الاقتصاد. 

الخلاصة: رغم أن خطاب حالة الاتحاد 2020 جاء قبل يوم من التصويت على عزل الرئيس "ترامب"، فقد عمل الأخير على أن يكون خطاب حالة الاتحاد هو خطاب إعلان إعادة ترشحه في انتخابات الرئاسة 2020، ومن هذا المنطلق جاء الخطاب محملًا بالعديد من الرسائل التي تخاطب الرأي العام الأمريكي، حول قضايا الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية، وهي الرسائل التي أراد أن تقول إن "ترامب" حقق نجاحًا في جعل أمريكا عظيمة، وإن أمريكا العظيمة عادت مجددًا، وفقًا لتصورات "ترامب"!


الكلمات المفتاحية: الولايات المتحدةترامب

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات