التحليلات - التغيرات السياسية

صفقة "ميركل":

تحديات الحكومة الائتلافية الجديدة في ألمانيا

أ.د.علاء عبد الحفيظ

الأحد, 04 مارس, 2018

صفقة "ميركل":

على الرغم من توصل الأحزاب الرئيسية في ألمانيا إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية وتصويت ما يقدر بحوالي 66%من أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي لصالح الانضمام إلى الائتلاف في الاستفتاء الداخلي للحزب الذي أعلنت نتيجته في 4 مارس 2018؛ فإنه لازال هناك عدة عقبات قائمة أمام الحكومة الجديدة في ظل تزايد حدة الانتقادات للمستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، وتراجع شعبيتها داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي، والتباين الحاد بين السياسات التي تطرحها الأحزاب المشاركة في الائتلاف كبرنامج سياسي للحكومة الجديدة، وهو ما يهدد بهيمنة الاضطرابات على المشهد السياسي في ألمانيا.

ائتلاف الأحزاب الرئيسية:

تمكن الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون الديمقراطيون من التوصل إلى اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية تقودها المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" في ولاية رابعة بعد أزمة سياسية استمرت أكثر من أربعة أشهر؛ إذ اتفق الطرفان على أن يحصل الاتحاد المسيحي الديمقراطي برئاسة المستشارة "أنجيلا ميركل" على حقائب: الدفاع، والاقتصاد، والزراعة، والصحة، والتعليم. ويحصل الحزب المسيحي الاجتماعي (الحليف البافاري للاتحاد المسيحي الديمقراطي) على عدد من الحقائب من أبرزها: الداخلية، والمواصلات، فيما تعد وزارات: العدل، والخارجية، والمالية، من أبرز الحقائب التي يحصل عليها الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وقد تم اللجوء إلى هذا التشكيل كفرصة لتفادي تشكيل حكومة أقلية تكون عاجزة عن تمرير مشاريعها داخل البرلمان، والحد من خطورة حزب اليمين المتطرف المعادي للأجانب "البديل من أجل ألمانيا" الذي استطاع الحصول على ما يعادل 12.6٪ من الأصوات، ومن المحتمل أن يحصد مزيدًا من الأصوات في حال إجراء انتخابات مبكرة. كما يمثل هذا الاتفاق فرصة للحزب الاشتراكي الديمقراطي للظهور كحزب متماسك قادر على استعادة شعبيته من جديد.


تحديات تماسك الحكومة:

على الرغم من تمكن "ميركل" من التوصل إلى هذا الاتفاق بعد عدة أشهر من تعثر تشكيل الحكومة الجديدة؛ إلا أن هناك عدة تحديات لا تزال تواجه الحكومة، من أبرزها:

1- اعتراضات "الاشتراكي الديمقراطي": تمكنت "ميركل" من الحصول على موافقة حزبها للدخول في ائتلاف حكومي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وقد أتت هذه الموافقة بعد انتقادات عديدة من جانب الحزب لـ"ميركل" لقيامها بتقديم تنازلات للاشتراكيين الديمقراطيين. 

من جانب آخر، أجرى الحزب الاشتراكي الديمقراطي استفتاءً داخليًّا لمعرفة موقف أعضاء الحزب من هذا التحالف، وقد تم تصميم الاستفتاء على هيئة سؤال: هل تؤيد وثيقة التحالف الكبير مع الاتحاد المسيحي أم لا؟، وأعلنت نتيجة الاستفتاء في 4 مارس 2018 حيث صوت 66% لصالح الإنضمام للحكومة بقيادة ميركل، بيد أن هناك تيار قوي معارض لهذا الأمر مثل: منظمة الشبيبة الاشتراكية (يوزو) الرافض لهذا التحالف، كما يعترض كل من التيار اليساري داخل الحزب وتيار قوي داخل النقابات العمالية عليه.

2- انتقاد تنازلات "ميركل": أدى تنازل "ميركل" عن وزارتي الخارجية والمالية إلى عدة انتقادات، حيث صرح النائب من الاتحاد الاجتماعي المسيحي "كريستيان فون ستيتن" في فبراير 2018 "بأن الطريقة التي تشكلت فيها الحكومة خطأ سياسي"، وهو ما اتفق معه رئيس مجلس الأعمال في الاتحاد الاجتماعي المسيحي "فولفجانج ستايجر" الذي ذكر "أن ميركل جلبت على الحزب نتيجة بائسة من محادثات الائتلاف"، وقد بررت "ميركل" هذه التنازلات في مقابلة مع القناة الثانية بالتلفزيون الألماني في فبراير 2018: "كان ثمنًا مؤلمًا فيما يتعلق بوزارة المالية، لكني أعتقد أنه مقبول.. فشل مفاوضات الائتلاف الحاكم بسبب توزيع الحقائب الوزارية كان سيُعتبر تصرفًا غير مسئول".

كما انتقد بعض المحللين والصحفيين هذه التنازلات، فعلى سبيل المثال رأت "كريستين مونستر مان"، في تحليل نشرته صحيفة "برلينر مورجن بوست"، أن "ميركل دفعت ثمنًا باهظًا، وقدمت تنازلات كبيرة؛ فالحزب الاشتراكي الديمقراطي، يستطيع بعد سيطرته على وزارتي المالية والخارجية، صياغة السياسة الأوروبية، الأمر الذي كان بيد الاتحاد المسيحي في السابق".

فيما رأت صحيفة "بيلد" في افتتاحيتها المنشورة في 8 فبراير 2018 "أن ميركل تركت كل الوزارات المهمة للاشتراكيين الديمقراطيين، وشكلت أول حكومة اشتراكية ديمقراطية يقودها مستشار من الاتحاد المسيحي". ورأت المحللة السياسية "كاثرين كارل" في مقالها المنشور بموقع الإذاعة الألمانية في 8 فبراير 2018 أنه "نجح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الحصول على الوزارات الرئيسية؛ لأن من يتحكم في وزارة المالية بإمكانه صياغة السياسة الحكومية، ومن يهيمن على وزارة الخارجية، يصوغ سياسة وصورة ألمانيا في الخارج".

3- التباين في السياسات: تمكنت الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي الكبير من التوصل إلى اتفاق حول القضايا الخلافية، بيد أن هذا لا يعني عدم عودة الخلافات حول هذه القضايا مستقبلًا، خاصة وأن الخلاف حول مجموعة من القضايا الرئيسية. كما أن هذا الاتفاق ليس ملزمًا على المستوى القانوني، فعلى سبيل المثال كان هناك خلاف السياسات الاقتصادية، حيث طالب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بمزيد من الإنفاق العام وإعادة التوزيع، فيما ركز الاتحاد المسيحي على تطبيق "تخفيضات ضريببة"، يضاف إلى هذا تأييد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشديد للتكامل الأوروبي، حيث إن وثيقة الاتفاق جاءت تحت عنوان "انطلاقة جديدة لأوروبا.. زخم جديد لألمانيا"، وتم تخصيص الفصل الأول من الاتفاق للسياسات الأوروبية.

كما أعلن "مارتن شولتز" في ديسمبر 2017 "أن هناك رغبة من جانب حزبه لتعزيز التكامل الأوروبي بشكل غير مسبوق في السنوات المقبلة، وتوحيد السياسات المالية وسياسات الدفاع، تمهيدًا لتأسيس الولايات المتحدة الأوروبية"، وهو ما ترفضه "ميركل"، حيث ترى أنه يجب أن يتم الاكتفاء بتعزيز التعاون بين الطرفين، كما تعترض على زيادة المساهمة الألمانية في الاتحاد الأوروبي، وذلك على النقيض من الاشتراكيين الذين يطالبون برفع مساهمة ألمانيا في الاتحاد الأوروبي لتعويض الفجوة المالية التي سيؤدي إليها خروج بريطانيا. وفي هذا الإطار رأى "فولفجانج ستايجر" رئيس مجلس الأعمال أنه "مع ذهاب الوزارة إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي الأكثر مراعاة للاتحاد الأوروبي، فإن ألمانيا تنزلق أكثر نحو تحمل مسئولية الديون التي تتراكم في دول أخرى تستخدم اليورو". 

4- تراجع شعبية "ميركل": على الرغم من أن "ميركل" استطاعت الحصول على موافقة حزبها على الائتلاف الكبير، إلا أنه لا تزال هناك انتقادات متزايدة لها داخل الحزب، وقد تصاعدت التساؤلات حول خليفة "ميركل" القادم، وهو أمر نادر الحدوث، لأن المحافظين يتحدون تقليديًّا خلف زعمائهم. وفي محاولة منها لاحتواء غضب الحزب قامت "ميركل" بمنح وزارة الصحة "ليانس شبان" الذي يعد أحد أبرز معارضي "ميركل" داخل حزبها، حيث يرى أن الحزب تحت قيادة "ميركل" أصبح يتخذ منحى "اشتراكيًّا ديمقراطيًّا" أكثر من اللازم، كما تعهدت بأن تقوم بتشكيل حكومة شابة.

سياسات الائتلاف الجديد:

تتضح من خلال مراجعة اتفاق الائتلاف الكبير مجموعة من الخطوط الرئيسية لسياسات الحكومة القادمة، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:

1-خفض أعداد اللاجئين: من المتوقع أن تسعى هذه الحكومة إلى إعادة تنظيم سياسة الهجرة واللجوء التي أدت إلى تراجع شعبية حزب "ميركل" في الانتخابات الأخيرة في ظل عدم قدرتها على إيقاف تدفق اللاجئين، وخلال مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي تم الاتفاق على تقليل أعداد اللاجئين إلى ما يتراوح بين 180 ألفًا إلى 220 ألفًا.

كما ستشهد سياسات الهجرة مزيدًا من التشدد مع تولي "هورست زيهوفر" رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي منصب وزير الداخلية، خاصة وأنه قد سبق وأشار أنه سيتم زيادة مدة النظر في طلب اللجوء، وأنه يجب وضع حد لفقدان السيطرة على الحدود. يضاف إلى هذا دعوته لخفض المساعدات المقدمة للاجئين، وقد هدد "زيهوفر" في حواره مع صحيفة "أوجسبورج ألجماينه" الألمانية في فبراير 2018 بالانسحاب من الحكومة إذا لم يتم الالتزام باتفاقيات الهجرة التي تم الاتفاق عليها لتشكيل الائتلاف الكبير.

2- دعم الاتحاد الأوروبي: ستقوم الحكومة الجديدة بدعم السياسات الأوروبية، والتركيز على تقوية دورها داخل الاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا التوجه في ظل تولي الحزب الاشتراكي حقيبتي الخارجية والمالية، حيث من المتوقع أن يتم الاتجاه إلى تحمل الديون التي تتراكم في دول أخرى تستخدم اليورو، مع زيادة الإسهام في موازنة الاتحاد الأوروبي.

3- معارضة الاستيطان الإسرائيلي: أشار اتفاق الائتلاف الكبير إلى أن سياسة الاستيطان الإسرائيلي تتعارض مع القانون الدولي، ولن تحظى بدعم ألمانيا لأن ذلك يصعب حل الدولتين، بالإضافة إلى إعلانها دعم منظمة "الأونروا" بعد إدخال مجموعة من الإصلاحات عليها.

من ناحية أخرى أكد الاتفاق التزام ألمانيا بمسئوليتها تجاه إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، مشيرًا نصًّا إلى "أن حق إسرائيل في الوجود لا يخضع للجدل، وهو من محاور السياسة الألمانية، وأن هدف ألمانيا إتاحة إمكانية للعيش بكرامة وبلا خوف لكل شعوب الشرق الأوسط".

4- تسوية الصراعات الداخلية: فيما يتعلق بدول الصراعات في المنطقة، أكد الاتفاق ضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة السورية، مشددًا على رفضه الحل العسكري، وتفضيله التعاون مع بعض الدول مثل تركيا لحل هذه الأزمة ومكافحة الإرهاب، ومكافحة الهجرة غير الشرعية. أما العراق فقد تم الاتفاق على أن يتم سحب البعثة العسكرية منها، إذ تمت الإشارة نصًّا إلى: "بعثة القوات الألمانية إلى شمال العراق كانت ناجحة، وتم طرد تنظيم "داعش"، لذا يمكننا إنهاء البعثة العسكرية هناك".

5- الاتفاق النووي الإيراني: أيد الاتفاق التنفيذ الكامل للاتفاق النووي الإيراني، ورفع القيود عن النشاط الاقتصادي لطهران، مع انتقاده -في الوقت نفسه- القمع الحكومي الذي تمارسه الحكومة الإيرانية ضد معارضيها.

ختامًا.. يمكن القول إن تشكيل هذا الائتلاف الحكومي يُعد حلًّا للأزمة السياسية غير المسبوقة في ألمانيا، بيد أنه قد اضطر "ميركل" لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل الحفاظ على ولايتها الرابعة، وهو ما أدى إلى تزايد الانتقادات الموجهة لها، وتراجع شعبيتها داخل الحزب، بالإضافة إلى احتمالات مواجهة الائتلاف السياسي لعدة أزمات بسبب التناقضات بين الأحزاب الرئيسية المشاركة، والخلافات حول السياسات الاقتصادية، وقضايا الهجرة واللاجئين، والارتباط بالاتحاد الأوروبي.

 

الكلمات المفتاحية: ألمانياميركل