التقديرات

تأثيرات متعددة:

كيف يعكس النفط تفاعلات الشرق الأوسط في منتصف 2021؟
الخميس، 24 يونيو، 2021
تأثيرات متعددة:

صار العامل النفطي مُحرِّكاً رئيسياً ومؤشراً دالاً على التفاعلات الداخلية أو البينية في الإقليم، في منتصف عام 2021، وهو ما تعكسه جملة من الشواهد العديدة مثل محورية رفع أسعار المحروقات في اندلاع الاحتجاجات الشعبية بالسودان، واستمرار الإضرابات الفئوية في ليبيا، وانتعاش اقتصاد تهريب النفط على الحدود الليبية الجنوبية، والتزام الحكومة الشرعية اليمنية بالاستفادة القصوى من المنحة السعودية للمشتقات النفطية، وتجديد مصر تعاقدها مع العراق لاستيراد مليون برميل نفط خام شهرياً، وتصاعد القضايا العالقة في اتفاقية استيراد النفط بين لبنان والعراق، وتطلع الشركات الروسية للاستثمار في قطاعى النفط والطاقة اللبنانيين، وإثارة دعوة حزب الله بشراء الوقود من إيران جدلاً متصاعداً بشأن السيادة اللبنانية.

وقد تعددت مظاهر تأثير النفط في تفاعلات الشرق الأوسط، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021، وذلك على النحو التالي: 

رفع الدعم

1- محورية رفع أسعار المحروقات في اندلاع الاحتجاجات الشعبية بالسودان: أصدرت وزارة الطاقة والنفط السودانية، في 9 يونيو الجاري، قراراً بتحرير كامل لأسعار الوقود، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سعره ليصل إلى الضعف، وهو ما تسبب في ارتفاع متزايد للسلع الأساسية والنقل، على نحو قاد إلى اندلاع احتجاجات مجتمعية للاعتراض على هذه السياسة، التي اضطرت الحكومة إلى الأخذ بها للوفاء بشروط مؤسسات التمويل الدولية قبل حلول 30 يونيو الجاري، إذ يسود توقع مفاده اتخاذ الدول الدائنة قراراً بشأن إعفاء أو تخفيف الديون الخارجية، وفقاً لما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس لدعم الانتقال السياسي في السودان.

وقد أشار أحد التقديرات إلى أن سعر الوقود ارتفع 4500 في المئة خلال عامين فقط، الأمر الذي يلقي بأعباء باهظة على المواطنين، مما يؤثر على استقرار الحكومة الانتقالية، في حين أن الأخيرة ترى أن تحرير أسعار الوقود يحقق الوفرة ويحد من التهريب، كما يعمل على خفض التضخم، ويفتح المجال للدولة لتوجيه الدعم المجتمعي إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية. وفي ظل هذا الخلاف في الرؤى، نظمت احتجاجات تخللتها أعمال عنف وخاصة مع قيام بعض العصابات بقطع الطرق والاعتداء على المواطنين مما أدى إلى حدوث انفلات أمني في بعض المناطق.

ومن المتوقع أن يتوقف الدعم الحكومي في لبنان للمحروقات، حيث قال وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر، في تصريحات بتاريخ 17 يونيو الحالي: "إن الدعم الذي استفاد منه اللبنانيون سيتوقف"، مضيفاً أن "المقتدرين يجب أن يدفعوا سعر المواد بقيمتها الحقيقية، أما الناس غير المقتدرة، التي هي بحاجة إلى دعم القطاعات الحيوية، فإن البطاقة التمويلية ستحل المشكلة". ويأتي ذلك في ظل التأزم المالي الذي تعاني منه الحكومة اللبنانية لتراجع العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المواد الأساسية، وهو ما يسري على البنزين والمازوت.

وقفات احتجاجية

2- استمرار الإضرابات الفئوية في ليبيا: تعمل الحكومة الليبية الجديدة على الحد من الإضرابات التي تتكرر بين الحين والآخر في أوساط العاملين بالقطاع النفطي. وفي هذا السياق، بحث مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مع رئيس اتحاد عمال النفط والغاز سعد دينار الفاخري، في 8 يونيو الجاري، مجموعة من القضايا التي تتعلق بتحسين أوضاع العاملين بالقطاع، ويأتي في مقدمتها زيادة مرتباتهم وتقديم خدمات التأمين الصحي لهم، فضلاً عن زيادة التدريب الداخلي والخارجي لهم.

شبكات التهريب

3- انتعاش اقتصاد تهريب النفط على الحدود الليبية الجنوبية: تعاني مناطق الجنوب الليبي من شح الوقود بسبب أعمال التهريب سواء لدول الجوار الليبي مثل النيجر وتشاد، أو لمناطق ليبية أخرى لبيعها للمواطن بأسعار السوق السوداء، مما يمثل خسارة فادحة للموازنة العامة للدولة من ناحية ويساهم في تشكل جماعات مصالح ضخمة من العصابات الإجرامية التي تمثل عائقاً أمام جهود دعم الاستقرار بالبلاد من ناحية أخرى. ولعل الكتابات التي تصف رحلات الشاحنات من مستودع مصراتة إلى مستودع سبها النفطي بـ"وكر الفساد" تعبر عن هذا المعنى بشكل واضح.

حوكمة الكهرباء

4- التزام الحكومة الشرعية اليمنية بالاستفادة القصوى من المنحة السعودية للمشتقات النفطية: وذلك بهدف تخفيف الأوضاع الإنسانية، من خلال توفير الكهرباء في المناطق المحررة بالبلاد. وفي هذا السياق، ترأس رئيس الحكومة معين عبدالملك اجتماعاً –عن بُعد- لمحافظي العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، في منتصف يونيو الجاري، لمناقشة الأوضاع الخدمية، خاصة في الجوانب التي تمس معيشة المواطنين اليومية من الكهرباء والمياه وغيرهما، مع التأكيد على "الالتزام الكامل بتنفيذ الالتزامات الخاصة بإصلاح قطاع الكهرباء، خاصة في تحصيل الإيرادات وإيجاد معالجات مستدامة بالاستفادة من هذه المنحة باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لاستمرارها".

المشرق الجديد

5- تجديد مصر تعاقدها مع العراق لاستيراد مليون برميل نفط خام شهرياً: جددت الهيئة العامة للبترول المصرية تعاقدها مع الحكومة العراقية، في 13 يونيو الجاري، لاستيراد نحو مليون برميل نفط بصورة شهرية، وهو ما يمثل انعكاساً للتعاون المصري- العراقي- الأردني، حيث تتعاون الدول الثلاث في مجالات مختلفة تتعلق بمحاربة الإرهاب العابر للحدود، والتعاون في المجال النفطي وتوليد الكهرباء، فضلاً عن الإسهام في مشروعات إعادة الإعمار، الأمر الذي دفع بعض التحليلات إلى إطلاق مسمى "المشرق الجديد" على هذا المحور الثلاثي.

تفاصيل رمادية 

6- تصاعد القضايا العالقة في اتفاقية استيراد النفط بين لبنان والعراق: أثار استمرار أزمة الكهرباء في لبنان الجدل حول الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع العراق لاستيراد النفط مقابل الخدمات الطبية، والذي لم يدخل حيز التنفيذ بسبب غموض بنوده، حيث صوّت مجلس الوزراء العراقي في الأسبوع قبل الماضي على زيادة دعم لبنان بالنفط الخام من 500 ألف طن إلى مليون طن. واتضح فيما بعد أن المواصفات الفنية للنفط الخام العراقي لا تتناسب مع معامل لبنان لتوليد الكهرباء.

كما أعلن مدير الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم أن النفط سيكون مدفوع الثمن مع تقديم تسهيلات من الجانب العراقي، وستكون آلية الدفع عبر البنك المركزي العراقي والمصرف المركزي اللبناني، وهو ما يتفق مع تسريبات تشير إلى أن ثمن الكمية من النفط سوف تسدده الحكومة اللبنانية للحكومة العراقية على شكل ودائع بالليرة اللبنانية توضع في حساب باسم الحكومة العراقية في مصرف لبنان.  

انخراط موسكو

7- تطلع الشركات الروسية للاستثمار في قطاعى النفط والطاقة اللبنانيين: أبدت الشركات الروسية اهتمامها بالاستثمار في تكرير النفط في لبنان، وتوليد الكهرباء، فضلاً عن الاستثمار في مرفأ بيروت وغيره من القطاعات، وإن كان ذلك مرهوناً بمرحلة ما بعد تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة. وثمة مؤشر دال على ذلك هو تعدد الوفود السياسية التي زارت موسكو خلال الأشهر الأخيرة مثل وفد حزب الله والرئيس المُكلَّف لتشكيل الحكومة سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لتسهيل دخول الاستثمارات الروسية في لبنان. 

وهنا تجدر الإشارة إلى بدء الانخراط الاقتصادي الروسي في لبنان في المجال النفطي في عام 2018 مع تشكيل تحالف "كونسورتيوم" الذي يتألف من شركة "توال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية و"نوفاتك" الروسية، وفاز بعقد التنقيب عن الطاقة في المياه الاقتصادية اللبنانية واستخراجها، وبلغت حصة الشركة الروسية 20 في المئة من التحالف. وفي عام 2019، وقعت شركة "روسنفت" الروسية مع وزارة الطاقة اللبنانية على عقد استثمار خزانات تخزين النفط في شمال لبنان بهدف الاستثمار فيها. 

غير أن هذا التطلع الروسي للاستثمار المتزايد في قطاع النفط يعوقه التأزم السياسي والتدهور المالي الذي تعاني منه لبنان، بخلاف قلة الرحلات الجوية -بعد استئنافها- المتجهة من روسيا إلى لبنان على خلفية تداعيات كورونا. كما أن بعض الشركات الروسية التي تمتلك إمكانات كبيرة على الصعيد التمويلي مقيدة بعقوبات دولية، وهو ما يمثل عائقاً أمام استثماراتها في الخارج. في مقابل ذلك، هناك فرص لروسيا في هذا المجال أبرزها أن لموسكو دوراً في عودة النازحين السوريين وحل مشكلات ترسيم الحدود البحرية مع سوريا شمالاً، حيث تستثمر إحدى الشركات الروسية في قطاع التنقيب عن الطاقة بالمنطقة الاقتصادية البحرية السورية المحاذية للحدود اللبنانية.

وقود حزب الله

8- إثارة دعوة حزب الله بشراء الوقود من إيران جدلاً متصاعداً بشأن السيادة اللبنانية: دعا الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، في 8 يونيو الجاري، الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرار بشأن شراء الوقود من إيران، على خلفية الأزمة التي تواجهها البلاد بسبب نقص المحروقات ورفع الدعم عنه، الأمر الذي أثار ردود فعل متزايدة ترتبط بالمساس بالسيادة اللبنانية التي تلاشت بدرجة كبيرة نتيجة موازين القوى الداخلية المختلة لصالح الحزب مما أوقع البلاد أسيرة للخلاف بين القوى الإقليمية.

الأكثر من ذلك، أن لبنان قد تتعرض لعقوبات أمريكية، حيث تفرض الولايات المتحدة منذ عام 2018 عقوبات على كل من يقدم على الدخول في صفقات مع شركات النفط الإيرانية في سبيل شراء أو حيازة أو بيع أو نقل أو تسويق البترول وإن كان تأثير ذلك قد يتراجع في حالة الوصول إلى صفقة جديدة في مفاوضات فيينا بين إيران والقوى الدولية. يضاف إلى ذلك عامل يتعلق بالتحدي الإسرائيلي، إذ أن وصول شاحنات تحمل نفطاً إيرانياً يشكل تحدياً أمنياً لا يمكن تجاهله على الرغم من الحاجة الحيوية لاستيراد لبنان النفط.

أبعاد مختلفة:

خلاصة القول، إن أثر العامل النفطي في الإقليم متعدد الأبعاد على نحو يبدو جلياً في تضخم شبكات العناصر الإجرامية التي توصف بمافيا التهريب عبر الحدود الرخوة، وتنامي مصادر تمويل الفاعلين المسلحين من غير الدول مثل حزب الله الذي يجني أرباحاً طائلة من تهريب المحروقات من لبنان إلى سوريا، فضلاً عن محورية عامل النفط في تدعيم العلاقات على نحو ما هو قائم بين مصر والعراق، وإن كان ذلك غير واضح في علاقات لبنان والعراق، ولبنان وروسيا، ولبنان وإيران، بل قد يكون هذا العامل في الحالة الأخيرة سبباً في تعرض لبنان لعقوبات أمريكية نتيجة التعامل مع قطاع النفط الإيراني.

الكلمات المفتاحية: النفط

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات