التقديرات

أزمة مستمرة:

لماذا تجدد الصراع في منطقة الهلال النفطي الليبية؟

الإثنين، 25 يونيو، 2018
أزمة مستمرة:

شنت قوات إبراهيم الجضران القائد السابق في قوات حرس المنشآت النفطية الليبية، المتحالفة مع بعض الجماعات المسلحة في شرق البلاد، هجومًا مفاجئًا على مينائى السدرة ورأس لانوف الليبيين، وبما أدى إلى تدمير ثلاثة خزانات للنفط في المينائين وتعطيل الإنتاج من الحقول المرتبطة بهما وانخفاض الطاقة الإنتاجية الكلية لليبيا بأكثر من ربع مستوياتها السابقة. ولم يكن هذا الحادث هو الأول من نوعه في ليبيا خلال السنوات الماضية، حيث شهدت حوادث مماثلة تأتي في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد وعدم قدرة حكومة الوفاق الوطني على فرض سيطرتها، وهو ما جعل الموانئ النفطية هدفًا سهلاً للجماعات المتنافسة في شرق وغرب البلاد، على نحو يشير إلى أن استمرار حالة الانقسام السياسي سوف تؤدي إلى تزايد الخسائر في قطاع النفط في ليبيا وبما يعمق في الوقت نفسه من الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

مواجهات عديدة:

تواجه ليبيا صراعًا متكررًا في السنوات الماضية للسيطرة على منطقة الهلال النفطي من قبل الجماعات المسلحة المتنافسة في شرق وغرب البلاد، وهو ما انعكس في الهجوم الذي شنته قوات إبراهيم الجضران على مينائى رئيسيين لتصدير النفط، هما السدرة ورأس لانوف، وبما اضطر مؤسسة النفط إلى إعلان حالة الطوارئ وتعليق صادرات النفط من كلا المحطتين بجانب إجلاء موظفي الشركات بالمناطق المحيطة بهما. وكرد على الهجوم السابق، نفذ الجيش الوطني عملية عسكرية مكثفة ضد قوات الجضران ليتمكن من استعادة المينائين بعد أيام قليلة من بداية الهجوم، فيما تكبدت قوات الجضران خسائر عسكرية كبيرة بحسب أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني.

وعلى مدار الأشهر الماضية، شهدت ليبيا حوادث متكررة تتعلق بإغلاق الحقول النفطية نتيجة استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد. ومثالاً على ذلك، تم إغلاق حقل الفيل النفطي في فبراير 2018 نتيجة احتجاج حراس الحقل بشأن الأجور. وفي مارس من العام نفسه، جرى وقف العمل بحقل الشرارة أيضًا بعدما أغلق أحد المواطنين صمامًا احتجاجًا على تلوث لحق بقطعة أرض يملكها بالقرب من خط أنابيب يمر بأرضه.

وسبق أن وقع انفجار في ديسمبر 2017 في خط أنابيب نفط بالقرب من ميناء السدرة تابع لشركة الواحة، ويصل بين الحقول وموانئ التصدير، لينخفض الإنتاج وقتها بنحو 100 ألف برميل يوميًا.

تحركات متقاطعة:

تكشف الحوادث المتكررة للصراع على موانئ النفط عن حالة عدم الاستقرار الأمني التي تواجهها ليبيا منذ أكثر من ست سنوات. ورغم تشكيل حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، إلا أنها لا تحظى بإجماع بين الجماعات المسلحة المتنافسة في شرق وغرب البلاد وليس لديها، وفقًا لاتجاهات عديدة، أية سلطات فعلية لفرض الأمن في كافة أنحاء البلاد.

وفي هذا السياق، بدا من الصعب أيضًا تشكيل قوة مركزية موالية لحكومة ليبية موحدة لحماية المنشآت النفطية، وهو ما عزز من قدرة قوات حرس المنشآت- التي تتألف في العادة من مليشيات مسلحة محلية- على التحرك وفقًا لمصالحها الذاتية دون الخضوع لأى سلطة مركزية، على نحو أدى إلى استمرار احتجاج الحراس المسئولين عن حماية المنشآت النفطية لأسباب عديدة منها المطالبة بزيادة الأجور.

في الوقت نفسه، لا تدعم بعض الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها كتائب سرايا بنغازي، سيطرة مؤسسة النفط في طرابلس المدعومة من حكومة الوفاق الوطني، بحجة أن الأخيرة لم توفر الأموال اللازمة لحكومة المنطقة الغربية بطرابلس، بما دفعها إلى عرقلة عملية إنتاج وتصدير النفط. وقد كانت كتائب سرايا بنغازي من أبرز المليشيات التي لم ترحب باستعادة قوات الجيش الوطني سيطرتها على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي في سبتمبر 2016، في الوقت الذي شنت فيه الأخيرة هجومًا عسكريًا للسيطرة على مدينة بنغازي وطرد سرايا بنغازي منها منذ نهاية العام الماضي.

في ظل هذا المناخ، وجدت قوات إبراهيم الجضران الفرصة مواتية لتشكيل تحالف مع كتائب سرايا بنغازي بجانب بعض الجماعات المسلحة الأخرى في شرق وغرب ليبيا لتنفيذ هجوم على موانئ الهلال في الوقت الراهن، مستغلة انشغال قوات الجيش الوطني في تطهير مدينة درنة من مقاتلي تنظيمى "القاعدة" و"داعش"، في إطار العملية التي بدأت في مايو الماضي.

تراجع الإنتاج:

من دون شك، فإن الهجمات المتكررة والخاطفة التي تقودها الجماعات المسلحة على منطقة الهلال النفطي سوف تسبب خسائر واسعة لقطاع النفط. وكنتيجة للعملية الأخيرة، تعرضت البنية التحتية لمينائى رأس لانوف والسدرة إلى تدمير جزئي، حيث فقدت ثلاث خزانات نفط بما خفض السعات التخزينية من 975 ألف برميل إلى 513 ألف برميل من النفط الخام.

وبالتوازي مع ذلك، انخفض إنتاج النفط إلى أقل من 700 ألف برميل يوميًا مقابل أكثر قليلاً من مليون برميل يوميًا قبل الهجوم، ولتفقد ليبيا، بحسب المؤسسة الليبية للنفط، نحو 450 ألف برميل يوميًا بجانب 70 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي، أى بما يعادل مبيعات تقدر بـ33 مليون دولار وفقًا لأسعار السوق.

يضاف إلى ذلك خسائر مادية مقدرة حتى الآن بنحو 80 مليون دولار بحسب شركة رأس لانوف،  ومن المرجح أيضًا أن تستغرق إعادة بناء وترميم ثلاث خزانات النفط في مينائى رأس لانوف والسدرة فترة طويلة لتأهيهلها، فضلاً عن حدوث تلوث هوائي واسع شهدته المناطق المحيطة بالمينائين بسبب تسرب النفط وحرقه، وهو ما سيزيد من الخسائر المالية التي تكبدها قطاع النفط في السنوات الست الماضية وبلغت، بحسب مؤسسة النفط، 130 مليار دولار، نتيجة الإغلاق المتكرر لحقول النفط في شرق البلاد.

وعلى المدى الطويل، يبدو أن تلك الهجمات ستقوض استقرار قطاع النفط وتقلص جاذبيته الاستثمارية عالميًا، وتخصم في الوقت نفسه من جهود مؤسسة النفط التي تهدف إلى زيادة الإنتاج لمليونى برميل يوميًا في عام 2020، وبما يزيد من حدة الأزمة المالية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وفي النهاية، يمكن القول إن تأخر التوصل لحلول تدعم إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا سوف يكون سببًا لتوسيع نطاق الصراع على الموارد النفطية في البلاد، على نحو سيُعرِّض القطاع النفطي لضغوط شديدة مستمرة وبما ينعكس سلبًا على أداء الاقتصاد الليبي.  

الكلمات المفتاحية: حفترالهلال النفطي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات