العروض - الدراسات

أربعة سيناريوهات:

كيف يرى الآسيويون مستقبل القارة؟

السبت، 23 مايو، 2015
أربعة سيناريوهات:

إعداد: أحمد عبدالعليم

لا ينفصل الحديث عن مستقبل القارة الآسيوية بأي حال عن الصعود الصيني، فهذا الصعود سوف يكون له تأثير كبير على بنية النظام الدولي، وسوف يتصاعد هذا التأثير إذا استمر تنامي الاقتصاد الصيني بشكل أكبر، وتعاظمت قوة الصين العسكرية، وهو ما يجعل الصين دولة منافسة للولايات المتحدة كقوة عظمى.

ولهذا يرتبط مستقبل القارة الآسيوية بالقوى الصاعدة في القارة، ومدى تفاعلاتها دولياً، إذ إن بعض دول آسيا تحاول الارتباط أكثر بالولايات المتحدة من أجل مواجهة الهيمنة الصينية القائمة والمحتملة. ومن ناحيتها، تحاول بكين تحييد الخلافات جانباً قدر الإمكان من أجل تعظيم مكاسبها من علاقاتها مع جيرانها، وتحاول مواجهة نفوذ واشنطن في آسيا بأن تُعظَّم من تواجدها في الأمريكيتين، بحيث تصبح مصدر تهديد للولايات المتحدة في فنائها الخلفي.

ما سبق يعني أن الحديث عن مستقبل القارة الآسيوية هو حديث عن مستقبل بنية النظام الدولي بأكمله، في ظل الصعود الصيني، وكثرة الفاعلين الدولين بالقارة الآسيوية واختلاف مصالحهم. وفي هذا الإطار، تأتي هذه الدراسة المُعنونة: "كيف يرى الآسيويون مستقبلهم؟"، والصادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، بمشاركة عدد من الباحثين والكُتَّاب والدبلوماسيين الآسيويين، وهي من تحرير الكاتب "فرانسوا جودمينت" Francois Godement مدير برنامج آسيا والصين وزميل بارز بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

تتطرق هذه الدراسة إلى مستقبل القارة الآسيوية، اعتماداً على مناقشة عدة أفكار يمكن من خلالها بلورة رؤية واضحة حول هذا المستقبل، ومن أهم تلك الأفكار؛ قدرة الإرث التاريخي على تشكيل مستقبل القارة بوصفه جزءًا لا يتجزأ من التقدم الآسيوي لأنه يشكل الثقافة الآسيوية الحاكمة للأفكار ومنظومة القيم الآسيوية. ويتعلق الأمر الآخر بمعضلة الصراع بين الديمقراطية والديكتاتورية، ومدى تأثير ذلك على العلاقات بين الدول الآسيوية وتوازن القوى بالقارة، وأخيراً مدى قدرة الصعود الصيني على تشكيل مستقبل القارة الآسيوية.

تأثير الإرث التاريخي على مستقبل العلاقات الآسيوية

يبدأ محرر هذه الدراسة "فرانسويز جودمينت" Francois Godement بالحديث عن مستقبل القارة الآسيوية والقيادة القادمة فيها، مشيراً إلى أنه نظراً للزخم الاقتصادي الموجود في جميع أنحاء القارة، فإنها تعد قوة واعدة في العالم. وبما أن الصين هي مركز هذا المستقبل، فهي تحاول منذ نهاية عام 2013 تصحيح مسار سياستها الخارجية تجاه جيرانها، سواء بتعاون أكبر أو بالتخلي عن مطالباتها الإقليمية في المنطقة، وهذا الاتجاه التعاوني الصيني مع الجيران هو ما حدا ببكين إلى إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية (AIIB) في عام 2014، والذي ينافس صندوق النقد الدولي ومؤسسات بريتون وودز.

وفي سياق متصل، يذكر "هاهم تشايبونج" Hahm Chaibong، رئيس معهد آسان للدراسات السياسية بكوريا الجنوبية، أن دول القارة الآسيوية عليها أن تتناسى خلافاتها التاريخية. ويعرض في هذا الصدد تجربة الصين وكوريا الجنوبية، فكلتا الدولتين تعاملتا بدبلوماسية شديدة وتجاوزتا الإرث التاريخي المليء بالنزاعات والحروب.

من جانبِ آخر، فإن اليابان وكوريا الجنوبية - مثلاً - لم يستطيعا تجاوز مشكلات الماضي العالقة بشكل كبير، بالرغم من التقارب الأيدولوجي بينهما وتشابه النظام الاقتصادي والقيم، بالإضافة إلى المصالح الاستراتيجية بينهما، وبالتحديد العداء ضد كوريا الشمالية. وتحاول الصين استثمار ذلك من أجل تعظيم نفوذها في القارة، مستغلةً بذكاء المشاعر الكورية الجنوبية المعادية لليابانيين، وتقوم ببناء نُصب تذكارية كورية في الصين مُخصصة لاستعراض نضال الكوريين ضد اليابانيين.

من نفس المنطلق، يتناول "تسونيو واتنابي" Tsuneo Watanabe، مدير أبحاث السياسات في مؤسسة طوكيو وباحث في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، فكرة الإرث التاريخي وتأثيرها على مسقبل القارة الآسيوية، مؤكداً أنه رغم تطبيع العلاقات بين كل من الصين واليابان عام 1972، فإن علاقات البلدين ما يزال يشوبها بعض التوترات، وكان آخرها الانتقاد الصيني للكتب المدرسية اليابانية التي تُسيء لبكين. ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تسير بخطى جيدة، خاصة في مجالي التجارة والاستثمار.

الديمقراطية وتوازن القوى في القارة الآسيوية

يرى "أكيو تاكاهارا" Akio Takahara، الباحث في مؤسسة طوكيو وأستاذ السياسات الصينية في جامعة طوكيو، أن ثمة استياءاً بين الصينيين في ظل وجود قمع لأي احتجاج أو معارضة، خاصة أن الصين هي دولة الحزب الواحد. ويطرح الكاتب تساؤلاً متعلق بمدى قدرة الديمقراطية على أن تكون شرطاً ضرورياً لتحقيق علاقات ودية بين دول القارة الآسيوية، مؤكداً أنها ليست بالضرورة كافية، حيث إن كوريا الجنوبية - مثلا - دولة ديمقراطية، ولكن هذه الديمقراطية تسمح للمواطنين بالتعبير عن مشاعرهم المعادية لليابانيين، وهو ما يمكن أن يضر بعلاقة البلدين. كذلك يرى الكاتب أن انعدام الديمقراطية من الممكن أن يُعمَّق مشكلات بكين مع العالم الخارجي، لأن الصين غير الديمقراطية، وفي ظل زيادة نفوذها وقوتها، قد تكون مصدر قلق للقارة الآسيوية ولبقية العالم أيضاً.

وفي ذات السياق، يعتقد "راجا موهان" C.Raja Mohan، رئيس الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة بحوث المراقبين ومشارك بارز غير مقيم في برنامج جنوب آسيا بمعهد كارنيجي، أن الديمقراطية لم تشكل عاملاً حاسماً للعلاقات الدولية في آسيا منذ الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك فقد حاولت اليابان بناء شراكة مع الديمقراطيات الآسيوية، حيث يسعى رئيس الوزراء الياباني الحالي "شينزو آبي" لبناء رباعية ديمقراطية بين كل من اليابان والهند واستراليا مع الولايات المتحدة، في ظل سعي واشنطن إلى أن تكون محوراً للتعاون مع الديمقراطيات في آسيا مثل (استراليا، االيابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وإندونسيا)، ولكن ليس من الممكن أن تكون الديمقراطية هي العامل الأساسي في ظل وجود دول غير ديمقراطية (مثل فيتنام) تتمتع بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة.

وبالتالي، يرى الكاتب أنه من الصعب أن تكون الديمقراطية هي المحدد الرئيسي لتشكيل توازنات القوى في القارة الآسيوية في ظل اختلاف المصالح، حيث تسعى الهند إلى مواجهة تصاعد النفوذ الصيني ببناء تحالفات أمنية واقتصادية قوية مع الغرب من أجل خلق توازن جديد للقوى في القارة الآسيوية.

وعلى نفس الصعيد، يتوقع الكاتبان "تشانج إن مون" Chung-in Moon، أستاذ علوم سياسية بجامعة يونسي في سول، و"تشان يانج بارك" Chun Young Park، مساعد باحث بجامعة يونسي، أربعة سيناريوهات لمستقبل القارة الآسيوية، وهي:ـ

1- السيناريو الأول: استمرار الوضع الإقليمي الراهن في القارة الآسيوية، في ظل تجمعات شبه إقليمية، وبالتالي فإن ثمة واقع يعكس التعاون والتكامل الفرعي الإقليمي، والتعاون الإقليمي الثنائي.

2- السيناريو الثاني: زيادة التنافس على الهيمنة على قارة آسيا بين كل من الصين والولايات المتحدة، وبالتالي قد تنقسم القارة إلى منطقة نفوذ صيني وأخرى منطقة نفوذ أمريكي، وفقاً لقالب مختلف من الحرب الباردة الجديدة. ومن مؤشرات ذلك الشراكة التي تقودها الولايات المتحدة عبر المحيط الهادي (TPP)، وهي مضادة للشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) التي تقودها الصين.

3- السيناريو الثالث: استراتيجية التعاون بين كل من واشنطن وبكين من أجل "مأسسة" التعاون الإقليمي في ظل قيادة أمريكية - صينية مشركة بالتعاون مع القوى المتوسطة مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

4- السيناريو الرابع: سيادة الإقليمية الآسيوية التي مركزها الصين، أي أن الدول الآسيوية تنجذب بشكل كبير نحو الصين، وينحسر النفوذ الأمريكي تدريجياً من القارة الآسيوية، في ظل قدرات عسكرية وثقافية واقتصادية صينية كبيرة.

الصعود الصيني ومستقبل القارة الآسيوية

يتناول "راجيف سيكري" Rajiv Sikri، وهو دبلوماسي هندي سابق وزميل بمعهد الدراسات والتحليلات الدفاعية في نيودلهي، فكرة التقدم الاقتصادي والعسكري للصين، معتبراً أنه يعكس تطوراً مهماً في السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين، وأن هذا الصعود يخلق توجسات إقليمية وتحديداً من الهند واليابان، ويعزز ذلك أن الولايات المتحدة وإن كانت حليفاً قوياً، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل في وقت الأزمات. كما أن روسيا لم تعد تعتبر الصين تهديداً أمنياً لها، حيث إن كلتا الدولتين قد تجاوزتا مشكلاتهما التاريخية، واتجهتا نحو إقامة علاقات اقتصادية كبيرة، بالإضافة إلى قدرة بكين على تحييد الأوروبيين، نظراً للعلاقات الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة المشتركة بينهما، حيث يُفضِّل الأوروبيون عدم الانجراف في مواجهة ضد الصين في أي قضايا أمنية طالما أنها لا تؤثر بشكل مباشر وواضح على أوروبا.

ويشير الكاتب إلى أنه على الرغم من التوجس الهندي من الصعود الصيني، فإن ثمة علاقات متبادلة بين البلدين قائمة على أساس الثقة المتبادلة واحترام مخاوف الجانب الآخر، وإحداث شراكة من أجل تنمية حقيقية للبلدين. وبالتالي، فإن صعود الصين من جانب، وقدرتها على تشكيل علاقاتها مع دول القارة الآسيوية والغرب من جانب آخر، يحسمان بشكل كبير مستقبل القارة الآسيوية.

ختاماً، يشير "كازوهيكو توجو" Kazuhiko Togo، وهو دبلوماسي ياباني سابق ومدير معهد الشؤون الدولية في جامعة كيوتو سانجيو، إلى أن صعود الصين يمكن أن يترتب عليه ثلاث عواقب، وهي:

1- سوف يزيد صعود الصين من رغبتها في فرض سيطرتها وهيمنتها على شرق آسيا، وهو ما يُفسر زيادة قوة الصين البحرية من أجل تحقيق تلك الرغبة.

2- صعود الصين يعني أنها سوف تُوسِّع من أنشطتها على المستوى العالمي، من أجل الحصول على مصادر الطاقة والمعادن، سواء كان ذلك من أفريقيا أو أمريكا الجنوبية.

3- صعود الصين سوف يجعلها تزيد من إنفاقها العسكري من أجل ضمان قدرتها على الانخراط في الأنشطة الإقليمية والعالمية، حيث إن الإنفاق العسكري الحقيقي للصين أكبر بكثير مما هو معلن عنه.

* عرض مُوجز لدراسة تحت عنوان: "كيف يرى الآسيويون مستقبلهم؟"، والصادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، في أبريل 2015.

المصدر:

Francois Godement (Ed.), How Do Asians see their future? (London, The European Council on Foreign Relations, April 2015).

الكلمات المفتاحية: الصينمستقبل القارة الآسيوية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات