العروض - التقارير

تحدي الردع:

مبادرات مقترحة للحدّ من سباق التسلح النووي

الأربعاء، 19 فبراير، 2020
تحدي الردع:

 عرض: د. إسراء إسماعيل - خبيرة في الشئون السياسية والأمنية

يُعتبر تطوير الأسلحة النووية من أبرز المتغيرات المؤثرة في استقرار النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية. وتكمن أهمية السلاح النووي في قدرته على الردع، وبالتالي جاء سعي العديد من الدول لامتلاكه ليس رغبةً منها في استخدامه، ولكن لتوظيفه سياسيًّا كاستراتيجية فعالة للردع، الأمر الذي ساهم في تنامي الصعوبات أمام المحاولات المستمرة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم.

وفي هذا الإطار، نشرت مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تقريرًا بعنوان "نحو الردع النووي المسئول: كم هو أكثر من اللازم؟" حول آفاق نزع السلاح النووي، أعده "جورج بيركوفيتش"، حاول خلاله عرض مخاطر الحروب النووية والتسلح النووي، وعرض مبادرات لتفعيل الحد من انتشار الأسلحة النووية، وتوضيح العوامل السياسية التي من المحتمل أن تحدد فاعليتها.

حدود التسلح النووي

تدور التساؤلات الأكثر إلحاحًا اليوم حول حجم التسلح النووي الذي من الممكن أن تمتلكه إحدى الدول، والذي يمثل تخطيه تجاوزًا، وحجم الترسانة النووية التي تحوزها الدولة ونوعها، ونوع العقيدة التي تتبعها الدولة التي من المرجّح أن تقود إلى كارثة إنسانية وبيئية.

يوضح التقرير أن معظم الحكومات ومنظمات المجتمع المدني في العالم تشدد على أهمية تنفيذ معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في أسرع وقت. وفي المقابل، ترغب الجهات الفاعلة في دول مثل روسيا والولايات المتحدة في زيادة قدراتها النووية، بهدف السيطرة على سباق التسلح المتصاعد، أو على الأقل حرمان الخصوم من هذه القدرات. وتظهر ديناميات مماثلة لهذه السياسات أيضًا في الصين والهند وباكستان.

ويشير التقرير إلى أن الضرورة الأكثر إلحاحًا تتمثل في تقليل خطر الحرب النووية، كما دعا مؤتمر مراجعة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية لعام 2010. وتتطلب هذه الضرورة أن تقوم الحكومات بما يلي: 

أولًا- التقليل من احتمالات أن يؤدي استخدام الأسلحة النووية إلى كارثة إنسانية وبيئية، ليس فقط في الدول المتحاربة ولكن أيضًا في الدول غير المنخرطة في مثل هذه الصراعات.

ثانيًا- محاولة السيطرة على أي صراع ينشب بهدف تحجيم مخاطر العدوان حتى لا تضطر الدول لاستخدام الأسلحة النووية لهزيمة الطرف الآخر.

مبادرات للحد من التسلح النووي

يقترح التقرير مبادرتين للمساعدة في تعبئة السعي لتحقيق هذين الهدفين، تضم المبادرة الأولى الدول المسلحة نوويًّا إضافة إلى دول أخرى، وتتمثل في تكليف خبراء بإجراء دراسات ومناقشات دولية جديدة حول العواقب المناخية والبيئية المحتملة للحروب النووية، على أن توظِّف مثل هذه الدراسات التطورات الحديثة في النمذجة والبيانات والحوسبة الفائقة. كذلك يجب الأخذ في الاعتبار التغييرات في أعداد الأسلحة النووية، وقدراتها، والآليات التي من شأنها أن تقلل من احتمال حدوث ما يُعرف بـ"الشتاء النووي" المقصود به الأثر البيئي الافتراضي الذي يمكن أن يعقب حربًا نووية، حيث من المتوقع أن يسود طقس بارد لمدة من الزمن نتيجة الغمام الناتج عن الانفجارات النووية.

أما المبادرة الثانية فتتضمن التزام جميع الدول التي تمتلك أسلحة نووية بقواعد القانون الدولي السارية في النزاعات المسلحة. وفي هذا الإطار، التزمت المملكة المتحدة والولايات المتحدة بوثيقة "مراجعة الوضع النووي" لعام 2018، والتي تتضمن الالتزام بالقوانين الدولية في حال استخدام أسلحة نووية في أي نزاع، لكن الدول النووية الأخرى كانت أكثر تحفظًا، الأمر الذي يتطلب مزيدًا من النقاش الدولي.

ووفقًا للتقرير، تهدف المبادرات المقترحة إلى جذب دول أكثر نفوذًا، بهدف قيامها فيما بعد باستقطاب أو الضغط على دولة أو أكثر من الدول النووية للانضمام إليها. والدول المرشحة الأكثر احتمالًا في هذا الشأن هي: المملكة المتحدة، والصين، حيث تسعى كل منهما إلى تعزيز مبدأ الحد من الانتشار النووي على الصعيد العالمي.

 وقد تكون بكين أكثر أهمية، نظرًا لتنامي قوتها، فيمكنها -في هذا السياق- أن تكتسب مزيدًا من القوة الدولية الناعمة، عبر أخذ زمام المبادرة والسعي لتقليل خطر نشوب حرب نووية. ولكن من غير المرجّح أن يتغلب الزعماء الصينيون على تحفظهم التقليدي بشأن هذه القضية دون تشجيع دولي، والذي يمكن توفيره من قِبل القوى المتوسطة في أوروبا وآسيا التي تدعم هذه الأهداف.

كما تُمثل الخبرة تحديًا آخر، ففي المؤتمر الافتتاحي لوزارة الخارجية الأمريكية لتأسيس مجموعة عمل دولية لتهيئة بيئة مناسبة لنزع السلاح النووي، في يوليو 2019 (CEWG)، أشار عدد من المسئولين من مختلف الحكومات إلى أنه على الرغم من تلك المناقشات، فإن حكوماتهم لا تملك الموارد البشرية والمالية اللازمة لحضور مزيدٍ من هذه الاجتماعات أو المؤتمرات.

وبالنظر إلى الأعباء السنوية المتمثلة في التوظيف في اجتماعات اللجنة التحضيرية لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقمم مؤتمر نزع السلاح النووي، ودورات اللجنة الأولى للأمم المتحدة وغيرها من الفعاليات؛ فإن مجموعات العمل التي تخصصها معظم الحكومات لمثل هذا الغرض صغيرة للغاية، وتفتقر إلى التمويل اللازم.

ويتمثل أحد التحديات ذات الصلة في أن القائمين على المحادثات والمناقشات الدولية حول السياسات النووية عادةً من ممثلي وزارات الخارجية؛ إلا أن وضع السياسة النووية يتم فعليًّا على يد الخبراء من العسكريين والفنيين، لأسباب سياسية وبيروقراطية. 

ويُضاف إلى ما سبق عدم قيام أي حكومة بتعبئة الموارد البشرية والمالية اللازمة لوضع نموذج محدد لنزع السلاح النووي العالمي، والتحقق من تطبيق هذا النموذج، مما يوضح الحاجة إلى مشروعات ومنتديات تحفز التفكير الدولي في هذه التحديات.

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW) قد أحاطت بهذه التحديات، لكنها تركت حلها للدول النووية إذا ما أرادت، ومن ثمَّ يمكن للمبادرات المقترحة هنا حشد بعض الدول على الأقل للبدء في بناء القدرات التي تتطلبها مشروعات عملية لنزع السلاح النووي، مثل المعاهدات متعددة الأطراف لخفض التسلح النووي.

جدوى المبادرات المقترحة

تناول التقرير عددًا من الأسباب التي عرضها كمبررات وحجج لتسويق المبادرات التي قدمها، وبيان مدى جدواها، موضحًا أنها تجمع بين الرغبة أو الإرادة والجدوى بشكل أفضل من الجهود السابقة، وذلك في ضوء ما يلي:

1- تعهُّد الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية بالتخلص من ترساناتها من الأسلحة النووية خلال المؤتمر الأول لمراجعة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في عام 2000. ومع ذلك، فإنها لم تظهر نوايا جادة للوفاء بهذا الالتزام. علاوة على ذلك، فإن كلًّا من إسرائيل والهند وباكستان تمتلك أسلحة نووية، ولم توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، ولم تتعهد بالتزامات نزع السلاح النووي.

2- لا يمكن إجبار الدول التي تمتلك أسلحة نووية على نزع سلاحها دون التعرض لمخاطر الحرب النووية، لذا يجب إقناع هذه الدول بالقضاء على ترساناتها النووية من خلال طرح مبادرات جديدة.

3- تعتقد معظم الدول المسلحة نوويًّا إن لم يكن جميعها بأهمية ونجاح الردع النووي، وهذا ما أكده حديث الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في مقابلة أجرتها معه صحيفة "فاينانشيال تايمز" في يونيو 2019، موضحًا أن تاريخ البشرية كان دائمًا مليئًا بالنزاعات العسكرية، لكن منذ ظهور الأسلحة النووية، تراجع خطر نشوب صراعات عالمية بسبب التداعيات المأساوية المحتملة في حال حدوث صراع بين دولتين نوويتين.

4- تدفع التهديدات الكبرى حتى وإن كانت غير نووية، بعض الدول للاحتفاظ بالأسلحة النووية، حيث تخشى العديد من الدول من عدم تمكنها من ردع أو مواجهة تهديدات غير نووية بدون أسلحة نووية، وقد عبر القادة في روسيا، وبعض دول منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وباكستان، ودول الجوار الصيني، عن هذا الرأي.

5- تتمثل المشكلة النووية الرئيسية في "التصعيد"، فلا أحد يعرف ما إذا كان تصعيد الحرب النووية بعد "الضربة الأولى" أو الاستخدام الأول للأسلحة النووية سيظل محدودًا أم لا. 

وفي هذا الإطار قال "لينتون بروكس" كبير المفاوضين في معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت) والمدير السابق للإدارة الوطنية للأمن النووي بالولايات المتحدة: "إن التصعيد لا يمكن السيطرة عليه"، حيث لا توجد بيانات؛ ففي المرة الوحيدة التي استُخدمت فيها الأسلحة النووية من قِبل الولايات المتحدة في عام 1945، لم يكن لدى الخصم قدرة نووية تعويضية.

6- حتى لو كان التصعيد يُعزز من سياسة الردع، إلا أنه يقود إلى سباق تسلح مكلف ومزعزع للاستقرار، ولذلك يسعى المؤيدون للتصعيد إلى تطوير ونشر مجموعات من الأسلحة الهجومية والدفاعية التي يمكن أن تُمكّنهم على الأقل من إقناع الأعداء بعجزهم عن الفوز في حالة وقوع مواجهة، ومن ثمَّ ردعهم عن بدء صراع، أو تصعيد صراع قائم.

7- تختلف احتمالات التصعيد ونتائجه باختلاف أحجام وخصائص الترسانات النووية للدول، ومنهجيات الاستخدام الأول "توجيه الضربة الأولى" للسلاح النووي.

وفي هذا الإطار، تستلزم القدرات النووية الضخمة والخطط التشغيلية والأهداف الطموحة لكل من الولايات المتحدة وروسيا مزيدًا من الاهتمام؛ حيث يبلغ الاحتياطي الروسي من الأسلحة النووية حاليًّا ما يقرب من 4490 سلاحًا نوويًّا، والولايات المتحدة 3800، ويمتلك الاثنان 92% من الأسلحة النووية في العالم، والترسانة التالية الأكبر من الأسلحة النووية من نصيب فرنسا، التي تمتلك 300 سلاح نووي، تليها الصين.

ويُشار -في هذا الصدد- إلى أن الولايات المتحدة وروسيا وباكستان هي الدول الوحيدة التي تتخذ إمكانية الحد من الحرب النووية "التصعيد" عنصرًا أساسيًّا في عقائدها النووية.

تحديات سياسية 

تُحبط الديناميات السياسية اليوم الجهود الرامية إلى إعادة ترتيب النظام النووي العالمي، حيث يعمل صانعو السياسة وخبراء الدفاع وغيرهم من الأطراف المؤثرة في دوائر القرار الحكومية في بعض الدول على التخفيف من القيود الحاكمة لامتلاك أسلحة نووية. 

ويؤكد التقرير أن الوضع الراهن لا يُطاق لكلتا المجموعتين، سواءً الذين يؤمنون بجدوى "التصعيد" كآلية فعالة للردع، أو بالنسبة للفريق المقابل الذي ينادي بنزع السلاح النووي. وبالتالي قد يتطلب الخروج من هذا الطريق المسدود تقديم مبادرات من الجهات الفاعلة الأخرى.

في عام 2009، خَلُص ممارسون ومحللون إلى أن الأجندة الأكثر فاعلية للتوفيق بين الردع النووي ونزع السلاح النووي تمثلت في "التقليل إلى الحد الأدنى" من امتلاك الأسلحة النووية، على حد تعبير اﻟﻠﺠﻨﺔ الدولية المعنية بالحد من ﺍﻧﺘﺸﺎﺭ الأسلحة ﺍﻟﻨﻮﻭﻳﺔ ﻭﻧﺰﻉ السلاح ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ (ICNND). وقد ضمَّت هذه اللجنة ممثلين من خمس عشرة دولة، بما في ذلك الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية والهند وباكستان، وافترضت أن "التقليل" يجب أن يستلزم بحلول عام 2025 التخلص من الأسلحة النووية، عبر إجراء تخفيضات يصل مجموعها إلى ما لا يزيد عن 2000 رأس حربي في جميع أنحاء العالم، واعتماد عقيدة عدم توجيه "الضربة الأولى" أو الاستخدام الأول للسلاح النووي من قِبل جميع الدول المسلحة نوويًّا.

النقطة المهمة هنا كما يُشير التقرير تخص الاعتبارات المتعلقة بالآثار المناخية للحرب النووية المتصاعدة، وكذلك ما يتعلق بالقانون الإنساني الدولي، حيث تبرز الحاجة إلى تخفيض القدرات النووية الروسية والأمريكية، ومنع الصعود الصيني النووي.

وفي هذا الإطار، فإن إجراء مفاوضات ثلاثية حول الأسلحة التقليدية والنووية، من شأنها أن توفر فرصة لاتخاذ خطوات ملموسة في هذا الشأن. ومن ناحيتها، توفر دعوات موسكو الأخيرة لتوسيع معاهدة ستارت الجديدة، وتنشيط مراقبة الأسلحة النووية، مساحة لبكين للمُضيّ قدمًا في هذا الاتجاه.

وفي الوقت الذي تُعرب فيه العديد من الدول الآسيوية والأوروبية عن قلقها بشأن القوة العسكرية المتزايدة للصين، يمكن للعديد منها أن يرحب بمساهمة بكين في جهد دولي أوسع نطاقًا للحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو ما قد يعطي مزيدًا من الزخم للدول الأخرى لمنافسة الصين في هذا التوجه.

وختامًا، أكد التقرير أن نزع السلاح النووي بشكل كامل غير ممكن في الوقت الحاضر، وأنه لن تتأكد رغبة الولايات المتحدة في المشاركة في المبادرات المقترحة إلا بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإذا تبلور الزخم وراء واحدة أو أكثر من هذه المبادرات في عام 2021 فسوف تزداد إمكانية التعاون الأمريكي، وهو ما يمكن أن يشجع روسيا على التجاوب أيضًا.

وعلى الرغم من استمرار عدم اليقين، إلا أن الشيء المؤكد هو الحاجة إلى مبادرات عملية جديدة لتعبئة الدول المعنية ومنظمات المجتمع المدني لتقليل الأخطار التي ستشكلها الأسلحة النووية في السنوات أو العقود القادمة.

المصدر: 

George Perkovich, “Toward Accountable Nuclear Deterrents: How Much is Too Much?”, Carnegie Endowment for International Peace, February 2019, pp.1-39.

الكلمات المفتاحية: روسياالصينأمريكاالتسلح النوويالردع النووي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات