التحليلات - التغيرات السياسية

احتواء المخاطر:

33 كتابًا تستشرف مستقبل العلاقات الدولية في عام 2020

الخميس، 26 ديسمبر، 2019
احتواء المخاطر:

عادةً ما يقترن النقاش حول عام 2020 بحالة من الترقب الشديد، وكمٍّ ضخم من التطلعات لعام فاصل ولحظة فارقة في مسار العلاقات الدولية، نتيجةً لزخم الأحداث المرتقبة خلال العام والتي يتصدرها الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، ومصير الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، واحتمالات الانتقال السياسي في عدد من الدول، والمخاوف من تفجر أزمات اقتصادية عالمية، وتأثيرات الإرباك التكنولوجي، والتحسب لتصاعد اضطرابات في بعض أقاليم العالم وفي صدارتها الشرق الأوسط.

وقد انعكس ذلك الارتباك على توقعات كتب ومؤلفات العلاقات الدولية الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في عام 2019. إذ كشفت الكتب الغربية الأكثر مبيعًا والتي حظيت بترشيحات النقاد والخبراء في وسائل الإعلام عالمية الانتشار والمجلات المتخصصة ومراكز التفكير الدولية، عن التركيز على عدة قضايا، مثل: اضطراب القيادة الأمريكية، وتعقيدات انتقال القوة نحو القارة الآسيوية بسبب إشكاليات الداخل بالتوازي مع تشكل ملامح مقلقة لمرحلة "ما بعد العولمة" والتحسب للمخاطر غير المتوقعة، والتحول في أدوار الدول والقيادات نتيجة لاضطراب العلاقة بين الدولة والمجتمع والأسواق، وأخيرًا تزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن هيمنة الأثرياء وعدم المساواة والتأثيرات المعقدة للتقدم التكنولوجي السريع على الاقتصاد والمجتمع والأمن.

اضطراب السياسة الأمريكية:

لا يزال الاضطراب في السياسة الأمريكية في ظل حكم الرئيس "دونالد ترامب" موضع اهتمام العديد من المؤلفين، وفي صدارتهم "مايكل ولف" الذي سعى للبناء على الانتشار واسع النطاق لكتاب "نار وغضب" حول فوضى إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، وقام بطرح كتاب آخر في عام 2019 بعنوان "الحصار: ترامب تحت النار" متحدثًا عن التوترات المصاحبة لتحقيقات لجنة "روبرت مولر" في ارتباط مسئولي حملة "ترامب" الرئاسية بروسيا، وتواصلهم مع بعض المسئولين التابعين لموسكو، وهو ما يوضح سياقات الجدل الدائر حاليًّا حول محاولات "عزل الرئيس الأمريكي" بسبب اتهامات بسوء استخدام السلطة(1). 

وعلى الرغم من تعدد الكتب التي تم نشرها هذا العام حول الرئيس "ترامب" ما بين مؤيدين ومعارضين ضمن الاستقطاب السياسي المحتدم في واشنطن، فإن كتاب المحرر الأمريكي المتخصص في الشئون الأمنية "بيتر بيرجن" الصادر قبيل نهاية العام بعنوان "ترامب وجنرالاته: تكلفة الفوضى" يُعد نموذجًا للارتباك المحتدم في أروقة البيت الأبيض، والصدام بين الرئيس وكبار القيادات العسكرية الذين اصطدموا بـ"ترامب" تباعًا مما تسبب في استبعادهم، مثل "هربرت ماكماستر" مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، ووزير الدفاع الأمريكي السابق "جيمس ماتيس"، والجنرال "جون كيلي" رئيس موظفي البيت الأبيض سابقًا. ويحذر الكاتب من عواقب استبعاد "ترامب" للقيادات العسكرية التي مثلت كوابح لسياساته الجامحة في مجالات الأمن القومي والسياسة الخارجية، وإحاطة الرئيس لذاته بعدد كبير من الأتباع المؤيدين (Yes-men) الذين يستسلمون لسياسات "ترامب"(2). 

ويُجادل كلٌّ من "راسل مويرهيد" و"نانسي روزنبلوم" حول أن صعود "ترامب" كان مرتبطًا بهيمنة الفكر التآمري ونظريات المؤامرة على المجتمع الأمريكي. وفي كتابهما المعنون "الكثير من الناس يقولون: التآمرية الجديدة والاعتداء على الديمقراطية" يؤكدان أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكل العقيدة التآمرية الجديدة (The New Conspiracism) التي تقوم على التشكيك في كافة الثوابت، وتكرار بث المعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة للتأثير في توجهات المواطنين، وتحويل المؤامرة إلى حقيقة في أذهانهم(3). 

إعادة هيكلية الديمقراطية:

مقارنةً بتركيز كتب عام 2018 على انهيار وتصدع الديمقراطية الليبرالية وانحسارها، فإن عام 2019 شهد تركيز حركة النشر على تكيف الديمقراطية مع المد القومي الشعبوي واستيعابها للاتجاهات المادية للديمقراطية، حيث اعتبر "إيف كراستيف" و"ستيف هولمز"، في كتابهما المعنون "الضوء الذي أخفق: الحساب"، أن الدروس المستفادة من مرحلة ما بعد انهيار حائط برلين عام 1989 وتمدد الديمقراطية الليبرالية خلالها قد تسهم في التعامل مع الارتداد السلطوي القومي في العديد من دول العالم، وخاصةً ما يرتبط بالثقة المفرطة للنظم الديمقراطية في قدرتها على مواجهة الاتجاهات المناوئة لها، والاعتقاد بامتلاك الأفضلية القيمية والأخلاقية(4).


لم تقتصر رؤى إصلاح الديمقراطية على الكتاب السابق، وإنما شملت كتاب "سيمون ريد هنري" الصادر بعنوان "إمبراطورية الديمقراطية: إعادة بناء الغرب خلال الحرب الباردة 1971-2017"، الذي سعى من خلال مراجعة تاريخ الحرب الباردة لاكتشاف جذور الأزمة الراهنة للديمقراطية الليبرالية، والعوامل التي أدت لتآكل نموذج الديمقراطية التوافقية الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية(5). وهو ما كرره "جيمس تروب" في كتاب "ما هي الليبرالية: الماضي والحاضر والوعد بفكرة نبيلة" بتتبع تاريخ الليبرالية وتطورها والقيم والدعائم الرئيسية لها، حيث يرى أن التراجع الديمقراطي الحالي مرتبط بالثقة المفرطة من جانب التيارات الديمقراطية واعتقادها في أفضليتها القيمية والأخلاقية مقارنة بالتيارات القومية، وهو ما أدى لإغفال ضرورة التركيز على تلبية احتياجات المواطنين الاقتصادية، وهو ما دفع لتبلور موجة الارتداد المضادة للديمقراطية الليبرالية والتي دعمت التيارات اليمينية والقومية(6).

عصر "ما بعد العولمة":

تواجه العولمة في عام 2020 تحديات وجودية قد ترسم مسارها لعقد قادم وفقًا للعديد من المؤلفين، حيث يتوقع "مايكل سوليفان" في كتاب "التسوية: ما بعد العولمة" تواصل اتجاهات انحسار في ظل تراجع نمو الاقتصادات الوطنية، وتزايد الاقتراض وأزمات الديون، وانتشار عدم المساواة، وهيمنة الشركات دولية النشاط، والتضخم في أدوار البنوك المركزية التي أصبحت أقوى من الحكومات، وتتابع الأزمات العالمية، وهو ما أدى لتحفيز توجهات يمينية متطرفة وشعبوية تدعم اتجاهات مناهضة للعولمة، مثل: الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ومعاداة الهجرة والتجارة الحرة، وتقويض الديمقراطية. ويرسم "سوليفان" صورة لعالم يحكمه التدافع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية الصاعدة، بالتوازي مع تزايد الاضطرابات والتوترات التي تواجهها الدول الصغرى، وصعود نظم الحكم المركزية، وعسكرة السياسات الخارجية، وإعادة هيكلة المنظمات الدولية(7).

ويتفق ذلك مع ما يطرحه "باتيرك دياموند" في الكتاب المحرر الصادر بعنوان "أزمة العولمة: الديمقراطية والرأسمالية وعدم المساواة في القرن الحادي والعشرين"، حيث أشار إلى أن "الخاسرين من العولمة" أصبحوا ضمن القوى المحركة التي ستسهم في تحديد قدرتها على البقاء في النظام العالمي في ظل تزايد الاتجاهات الرافضة للتدفقات العابرة للحدود والدعامة لتشييد الجدران العازلة والارتداد للداخل(8).


ويطرح الخبير الاقتصادي الشهير الحاصل على جائزة نوبل "جوزيف ستيجلز" في كتابه الصادر بعنوان "الناس والسلطة والأرباح: رأسمالية تقدمية لعصر عدم الرضا"، رؤية مفادها الارتباط الوثيق بين التفاوتات الاقتصادية وعدم المساواة والتوجهات السياسية للمواطنين ومناهضة العولمة. حيث يحذر من سياسات الرئيس "ترامب"، وخاصةً تكريس الاحتكارات الاقتصادية وعلاقات الاستغلال الرأسمالي بالتوازي مع شن حرب على العولمة ممثلةً في حرية التجارة والهجرة، مؤكدا أن "الرأسمالية التقدمية" (Progressive Capitalism) قد تكون هي الحل، بحيث يصبح الاقتصاد موجهًا لخدمة المواطنين عبر التركيز على أهمية العمل وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم والإسكان والأمن المالي للمواطنين والعدالة وتكافؤ الفرص وتعزيز دور المؤسسات الديمقراطية، والتركيز على رفاهية المجتمع وليس دعم الأثرياء، بالإضافة للاهتمام باقتصاديات حماية البيئة والتعليم والبحث العلمي(9).

تعقيدات "العصر الآسيوي":

شهدت الأطروحات حول ديناميات الصعود الآسيوي زخمًا كبيرًا على مدار عام 2019، ففي مطلع العام طرح "باراج خانا" كتابه "المستقبل آسيوي: النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين" الذي أشار إلى أن القرن الأمريكي قد بدأ الانحسار فعليًّا تاركًا المجال لقرن آسيوي جديد يقوم على مركزية الدول الآسيوية، وتنبأ "خانا" بانتقال قيادة العالم من الغرب إلى القارة الآسيوية في ظل تمكن القوى الآسيوية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من تعزيز انخراطها في النظام العالمي(10).

ويركز "كريستوفر كوكر" على نموذج "الدولة الحضارية" (Civilizational State) الذي يعتبره سائدًا في كلٍّ من الصين وروسيا، حيث يرى أنه في مقابل نموذج الدولة القومية تدعي بعض الدول أنها تمثل حضارات منفصلة، مما يدعم سياساتها التوسعية على المستوى الخارجي، ويزيد دافعية عسكرة السياسات الإقليمية، والانخراط النشط في العلاقات الدولية. ويعني ذلك أن العصر الآسيوي قد يحكمه الصراع على قيادة النظام الدولي بين الدول غير الراضية عن الوضع الراهن والراغبة في استعادة الأمجاد الإمبراطورية لإرثها الحضاري(11).

وعلى المستوى الداخلي، يجادل "نيكولاس لاردي" في كتابه "الدولة تضرب من جديد: نهاية الإصلاح الاقتصادي في الصين" بأن الدولة في الصين قد عادت بقوة للمجال الاقتصادي مما كتب نهاية للإصلاح الاقتصادي القائم على التحول الكامل لاقتصاد السوق من وجهة نظره بحيث أصبحت أقرب لنماذج الاقتصادات التي تسيطر عليها الدول (state-controlled economy) على المستوى الداخلي على الرغم من دفاعها الدائم عن اقتصاد حر ومفتوح على المستوى العالمي لتحقيق مصالحها الاقتصادية(12). 

ولا تقتصر التحديات الاقتصادية على الصين، حيث يرسم "أندرس أسلوند" في كتابه "رأسمالية الزبائنية: الطريق من اقتصاد السوق إلى حكم اللصوص" صورة قاتمة للاقتصاد الروسي تحت قيادة الرئيس "فلاديمير بوتين"، مشيرًا إلى أن الأخير قد شيد "رباعية حديدية" (Iron Quadrangle) لدوائر القوة ضمن الاقتصاد الروسي، تتمثل في: قوة الدولة المركزية، والشركات الكبرى المملوكة للدولة، وعلاقات المحسوبية والزبائنية، وأخيرًا الملاذات الضريبية الآمنة الأنجلو أمريكية التي يمكن إخفاء الثروات بها، وهي معادلة تساوي استنزافًا طويل الأمد للاقتصاد الروسي نتيجة لرأسمالية المحسوبية (Crony Capitalism) والمحاباة في توزيع الفرص الاقتصادية(13).

تمدد "القارة العظمى":

يتوقع أن يتواصل الاهتمام خلال عام 2020 بإقليم أوراسيا وجغرافيا الاتصال بين الأقاليم المختلفة، حيث أشار "كنت كالدر" في كتابه "القارة العظمى: منطق التكامل الأوروآسيوي" إلى أن العالم يشهد حاليًّا تشكل قارة عظمى (Supercontinent) تمتد من جنوب الصين حتى المحيط الأطلنطي. ويرجح الكاتب أن يتحول التكتل الجغرافي الجديد لوحدة تكنولوجية واقتصادية وربما سياسية تشكل "جزيرة العالم" التي توقعها "هالفورد ماكيندر" سابقًا(14). 

ويأتي ذلك امتدادًا لتوقعات "برونو ماسياس" في كتابه "فجر أوراسيا: الطريق نحو نظام عالمي جديد" بتصاعد اتجاهات السيطرة على هذا الإقليم خاصةً من جانب روسيا والصين والهند بسبب الموقع الجيواستراتيجي، ومرور خطوط حيوية لنقل الطاقة عبر القارتين، بالإضافة إلى الكثافة السكانية الضخمة، والامتداد الجغرافي، واحتياطات الطاقة الضخمة، والتّماسّ مع بؤر الصراعات الرئيسية في آسيا وأوروبا(15)، كما تتفق هذه التوقعات مع ما ذكره "روبرت كابلان" في كتابه "عودة عالم ماركو بولو: الحرب والاستراتيجية والمصالح الأمريكية في القرن الحادي والعشرين"، حول الصراع للهيمنة على أوراسيا نتيجةً للمشروعات العالمية الكبرى، مثل مشروع "الحزام والطريق" الذي يعد تجسيدًا للرؤية الجيواستراتيجية للصين(16). 

مركزية القيادات السياسية:

أدى تصدر القيادات الشعبوية والقومية للتفاعلات العالمية، مثل الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، إلى تزايد الاهتمام بأدوار وتأثير القيادات في حركة النشر العالمية. ففي كتابه المعنون "كيف تكون ديكتاتورًا؟ عبادة الشخصيات في القرن العشرين"، يُشير "فرانك ديكوتر" إلى أن العالم يشهد حاليًّا عودة "رجال السياسة الأقوياء" للمعترك السياسي، مؤكدًا أن خبرات الماضي تكشف عن دروس متعددة من هيمنة القيادات القوية على العالم، وتأثيرهم على العلاقات الدولية، مثل "أدولف هتلر" و"ماوتسي تونج"(17).