تقديرات المستقبل

مناورات تكتيكية:

هل تجري تركيا تغييرات في سياستها الخارجية في 2021؟
الأربعاء، 13 يناير، 2021
مناورات تكتيكية:

حرصت تركيا، بداية من مطلع العام الحالي، على توجيه رسائل عديدة تشير إلى اتجاهها نحو إجراء تغييرات في سياستها الخارجية، على نحو لا يمكن فصله عن تصاعد حدة الضغوط التي تتعرض لها بسبب تلك السياسة التي تسببت في اتساع نطاق خلافاتها مع العديد من القوى الإقليمية والدولية. فقد أكد الرئيس رجب طيب أردوغان، في 9 يناير الجاري، على أن بلاده "تريد فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي خلال العام الجديد"، لافتاً إلى أن أول خطوة يجب البدء منها في العلاقات هى تحديث الاتفاق التركي- الأوروبي "اتفاقية إعادة القبول" الموقع في 18 مارس 2016، إضافة إلى إجراءه مكالمة عبر تقنية الفيديو كونفرانس مع رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي أورسولا فون دير لاين، للبحث في تطوير العلاقات بين أنقرة وبروكسل، بينما أشارت تقارير مختلفة إلى أنه سيلتقي مع جوزيب بوريل الممثل الأعلى للعلاقات الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 21 يناير الجاري.

وبالتوازي مع ذلك، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، في 7 يناير الجاري، أثناء زيارته للبرتغال (التي تسلمت رئاسة الاتحاد الأوروبي لعام 2021 من ألمانيا)، أن بلاده وفرنسا تعملان على خريطة طريق لتطبيع العلاقات، وأن المحادثات تسير بشكل طيب، مشيراً إلى أن أنقرة مستعدة لتحسين الروابط مع فرنسا شريكتها في حلف الناتو.

وأشار مستشار الرئيس التركي مسعود كاسين إلى أن أنقرة تعتزم إعادة علاقاتها مع تل أبيب إلى ما كانت عليه في السابق، مؤكداً أن العلاقة بين الطرفين على وشك انفراجة، ويمكن أن تستأنف الاتصالات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين في مارس المقبل.

مسارات محتملة:

بناءً على ما سبق، يمكن استشراف أهم مسارات التحركات المحتملة التي يمكن أن تقوم بها تركيا في عام 2021، والتي تتركز حول إعادة صياغة سياستها الخارجية بما يمكن من خلاله تقليص حدة الضغوط التي تتعرض لها، وذلك على النحو التالي:

1- رفع مستوى التعاون مع بعض التكتلات الإقليمية: وهو ما يتمثل في محاولة تقليص التوتر مع الاتحاد الأوروبي، حيث تسعى أنقرة للترويج لأن عام 2021 سيمثل نقلة نوعية في العلاقات مع الاتحاد، وذلك بعد طى صفحة 2020 التي تصاعد فيها التوتر بين الطرفين. وفي هذا السياق، تتبنى أنقرة تحركاً موازياً لتحقيق ذلك الهدف عبر محاولة إنهاء الخلاف مع فرنسا، والتي قد تمثل حجر عثرة في طريق السياسة الخارجية التركية الجديدة تجاه أوروبا، كما أن أنقرة ستعتمد بشكل كبير على حلف الناتو لإعادة تصويب العلاقات بين الطرفين، وذلك عبر محاولة تقليص حدة الخلافات مع قبرص واليونان حول ملف شرق المتوسط، وفي هذا السياق يُشار إلى أن وزير الخارجية التركي أعلن أن بلاده جددت دعوتها لليونان وقبرص لبدء محادثات اعتباراً من يوم 11 يناير الجاري، بناءً على موعد حددته أثينا من قبل.

2- تأسيس شراكات في مجال الطاقة: لا يُستبعد أن تتقدم أنقرة بمقترحات لإعادة رسم خريطة استغلال موارد الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط، تتضمن مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل، على أن ترهن ذلك بأن تكون ممراً رئيسياً لعبور غاز المنطقة إلى السوق الأوروبية، فضلاً عن الحصول على حصة وازنة فيها، وأن تكون مشاركة في تلك الموارد وفق الحدود التي رسمتها لنفسها، وفي هذا السياق ستحاول أنقرة تأسيس آلية جديدة مستحدثة لهذا الأمر، وهو ما يمكن أن يصطدم بمصالح العديد من الدول، على نحو سيدفعها لاستقطاب دعم بعض القوى الوازنة في المنطقة، وأيضاً القوى الكبرى لتمرير ذلك الطرح. 

3- المشاركة في الترتيبات السياسية والأمنية: وذلك عبر دعم حضورها في العديد من الملفات المتأزمة في الشرق الأوسط أو منطقة القوقاز ووسط آسيا، والسعى لتوسيع نطاق علاقاتها الثنائية مع دول تلك المناطق بشكل ثنائي، فضلاً عن تثبيت علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي غير الممانعة لتلك العلاقات، وفتح صفحة جديدة مع الدول التي تشهد العلاقات معها توتراً مستمراً، مثل فرنسا، ويستهدف ذلك التحرك بشكل أساسي استعادة نفوذ تركيا الاقتصادي في العديد من الدول، والذي تراجع بسبب جائحة كورونا، إضافة إلى مواجهة العقوبات الأمريكية التي تم فرضها على أنقرة مؤخراً، وإيجاد مجالات أرحب للحركة لتحييد الضغوط التي فرضتها تلك العقوبات على الاقتصاد التركي، وهو ما ظهرت دلالاته مؤخراً في اتجاه محكمة جزئية أمريكية في نيويورك لفتح ملف بنك "خلق" (المملوك للدولة) على خلفية تورط كبار المسئولين الحكوميين الأتراك في مساعدة إيران على تجنب العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

حدود قائمة:

على ضوء ذلك، يمكن القول إن تركيا ربما تسعى إلى تحسين علاقاتها مع بعض دول المنطقة والعالم، وهو الأمر الذي برزت مؤشراته في اتجاهها إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية بشكل يوحي برغبتها في تقليص حدة الصغوط الخارجية، وذلك في ظل تعرضها لما يمكن تسميته بـ"الصدمة المزدوجة" التي فرضها التراجع الاقتصادي وتداعيات جائحة كورونا.

ومع ذلك، فإن تلك السياسة الجديدة قد لا تلقى ترحيباً من جانب بعض القوى إلا إذا قدمت تركيا ضمانات لإثبات حسن نيتها بشأن جدية عودة العلاقات معها، الأمر الذي قد يعرقل التحرك التركي الهادف لشغل دور محوري في المناطق التي تكتسب اهتماماً خاصاً من جانبها، ويدفع أنقرة لاتباع سياسة مزدوجة تجاه بعض الدول، تشمل تصعيداً ممنهجاً، وفي الوقت نفسه توجيه رسائل إيجابية.

كما لا يتوقع في النهاية أن تتخلى أنقرة عن بعض الآليات التي تستخدمها في إدارة تلك السياسة، وفي مقدمتها الدعم المتواصل للتنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة الموجودة في بعض الدول مثل سوريا وليبيا، وهو ما سوف يضع حدوداً لأى تغييرات محتملة في السياسة التي تتبناها أنقرة في التعامل مع التطورات الطارئة على الساحة الإقليمية.

الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات