أخبار المركز
  • د. كريم القاضي يكتب عن (هل يعطل صعود الجمهوريين المتشددين سياسات "بايدن"؟)
  • د. أمل عبدالله الهدابي تكتب عن (الإمارات 2023.. "عام الاستدامة" ومواجهة تغير المناخ)
  • أستاذ محمد خلفان الصوافي يكتب عن (قمة أبوظبي التشاورية.. رسائل الازدهار والاستقرار بالمنطقة)

تصعيد جديد :

دلالات توقيع اتفاقيتين للتعاون العسكري بين تركيا والدبيبة

31 أكتوبر، 2022


وقع رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايته، عبد الحميد الدبيبة، في 25 أكتوبر 2022، اتفاقيتين عسكريتين مع وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، وذلك خلال زيارة الدبيبة إلى أنقرة، بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من مذكرات التفاهم التي وقعتها تركيا مع حكومة الوحدة، والتي بموجبها ستقوم الشركات التركية بالتنقيب عن النفط والغاز الليبيين.

تعاون عسكري:

جاءت زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايته، عبد الحميد الدبيبة، إلى أنقرة، في 25 أكتوبر الجاري، لحضور افتتاح "معرض الدفاع الجوي 2022" باسطنبول"، باعتباره وزيراً للدفاع في حكومته. ورافق الدبيبة خلال هذه الزيارة كل من رئيس أركان القوات التابعة لحكومته، محمد الحداد، بالإضافة إلى كل من رئيس أركان القوات الجوية، ورئيس جهاز الطيران الإلكتروني، حيث تم التوقيع على اتفاقيتين للتعاون العسكري بين أنقرة وحكومة الدبيبة، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- رفع كفاءة القوات الجوية للدبيبة: تضمنت الاتفاقية العسكرية الأولى التي تم توقيعها بين أنقرة وحكومة الدبيبة الاتفاق على تعزيز قدرات الطيران الحربي لقوات غرب ليبيا، من خلال الاستفادة من الخبرات التركية في هذا المجال، بما في ذلك تقديم أنقرة لتدريبات خاصة بالطيران الحديث لقوات حكومة الدبيبة.

2- تنفيذ اتفاقيات 2019: تمثلت الاتفاقية العسكرية الثانية التي تم توقيعها على بروتوكولات تنفيذية لاتفاقية التعاون الأمني والعسكري، التي كانت حكومة الوفاق الوطني السابقة برئاسة فائز السراج قد وقعتها في 2019 مع تركيا. 

وبموجبها يفترض أن يتم تشكيل لجنة للدفاع بين البلدين، بالإضافة إلى لجنة للتعاون العسكري، فضلاً عن بروتوكول خاص بتقديم التدريبات والاستشارات والمعلومات من قبل أنقرة لقوات غرب ليبيا، ناهيك عن تقديم الدعم العسكري لهذه القوات من معدات وأجهزة متطورة.

3- اجتماع في مقر الدفاع التركية: جاء التوقيع على الاتفاقيتين العسكريتين خلال الاجتماع الذي انعقد بمقر وزارة الدفاع التركية، وبحضور رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايته، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس أركان القوات التابعة لها، محمد الحداد، بالإضافة إلى وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، ورئيس الأركان التركي، ياشار غولر، وقائد القوات الجوية، أتيلا غولان.

وأشارت بعض التقارير إلى أن هذه المشاورات تضمنت التوصل إلى اتفاقيات غير معلنة بشأن تقديم الدعم التركي لوحدة الطيران المسير التي أنشأها الدبيبة مؤخراً، فضلاً عن طلبه من وزير الدفاع التركي الحصول على مزيد من المسيرات التركية من طراز بيرقدار.

4- وساطة تركية بين قوى غرب ليبيا: أشارت وسائل إعلام ليبية وتركية إلى أن الدبيبة، وصل إسطنبول، بالتزامن مع وجود رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وهو ما يعكس محاولة من جانب تركيا لتوحيد قوى غرب ليبيا خلف الدبيبة، ومن ثم استعادة الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، غير أن غياب أي بيان حول هذه اللقاءات، أو حتى أي تفاصيل عنها، يؤشر إلى أنها أخفقت في تحقيق أي من أهدافها.  

دوافع عديدة:

نص الاتفاق السياسي الذي انبثقت عنه حكومة الدبيبة صراحة على عدم صلاحيتها توقيع أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم دولية، ولذلك سعت للتلويح بأن الاتفاقيتين العسكريتين اللتين تم توقيعهما مؤخراً مع تركيا يمثلان فقط بروتوكولات تنفيذية للاتفاقيات، التي كانت أنقرة قد وقعتها مع حكومة الوفاق الوطني السابقة. وتعكس اتفاقيتي التعاون العسكري التي وقعتها أنقرة مع حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عن جملة من الدوافع التي دفعت الطرفين لتوقيعهما، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- قلق الدبيبة من النواب والدولة: تعكس تحركات الدبيبة مساعيه لترسيخ سلطته في المشهد الليبي، للحيلولة دون أي محاولة لإبعاده عن السلطة، وهو ما انعكس في انتقاد الدبيبة للتوافقات الأخيرة التي تمخضت عن اجتماعات رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، حيث أعلن الطرفان بعد هذه الاجتماعات عن الاتفاق على تقاسم المناصب السيادية وتوحيد السلطة التنفيذية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تشكيل حكومة توافقية جديدة بديلة عن حكومتي الدبيبة وباشاغا، فضلاً عن تسمية بعض شاغلي المناصب السيادية، لاسيما منصب محافظ المصرف المركزي، في إطار محاولة صالح والمشري إبعاد محافظ المصرف الحالي، الصديق الكبير، والذي يعد مقرباً للدبيبة.

وربطت بعض التقديرات بين هذه التوافقات وبين اتجاه الدبيبة للإشراف على تدريبات عسكرية للمجموعات المسلحة التابعة لحكومته، للمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة في مارس 2021، حيث اعتبرت هذه التقديرات أن الدبيبة يستهدف التلويح باستعداده للرد عسكرياً على أي تحركات داخلية من قبل خصومه، وبالتالي يأتي توقيع الدبيبة على اتفاقيتي التعاون العسكري مع انقرة في إطار مساعيه لتعزيز قدرات قواته وجاهزيتها لصد أي هجمات مقبلة.

2- تأمين المصالح التركية في غرب ليبيا: عكست التحركات التركية الراهنة مساعي أنقرة ترسيخ نفوذها طويل الأمد في غرب ليبيا، لاسيما بعد مذكرات التفاهم التي وقعتها أنقرة مع حكومة الدبيبة، مطلع أكتوبر الجاري، والتي بموجبها ستشرع أنقرة في التنقيب عن النفط والغاز الليبيين.

3- مواجهة التحركات اليونانية: لا يمكن الفصل بين التحركات التركية الراهنة في غرب ليبيا وبين التصعيد الراهن بين تركيا واليونان في بحر إيجه، حيث تعتبر أنقرة أن تحركات أثينا في قبرص اليونانية تشكل تهديداً لمصالحها في شرق المتوسط ومحاولة لتحجيم النفوذ التركي، وبالتالي تسعى الأخيرة لمواجهة التحركات اليونانية عبر تعزيز حضورها في غرب ليبيا، فضلاً عن التلويح بالتنقيب في المياه الإقليمية لليبيا، بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعتها أنقرة مع طرابلس، والتي قد تنتهك المياه الإقليمية لليونان. 

4- استعادة الانقسامات السابقة: تستهدف أنقرة استغلال مساعي الدبيبة للتمسك بالبقاء في السلطة، للحصول على مزيد من المكتسبات عبر تعزيز نفوذها في ليبيا، وصياغة واقع جديد في شرق المتوسط، بالإضافة إلى مواجهة التراجع المحتمل في نفوذها، خاصة بعد انفتاح قوى إقليمية على الفاعلين الرئيسيين في غرب ليبيا، مثل باشاغا والمشري، وهو الأمر الذي شكل إزعاجاً بالنسبة لأنقرة ومثّل تهديداً لمصالحها هناك، خاصة أنها أدت إلى انقسام المعسكر الغربي بين باشاغا والدبيبة، بل واتجاه باشاغا والمشري للتوصل إلى تفاهم مع قوى شرق ليبيا. ولذلك سعت أنقرة إلى إعادة توحيد المعسكر الغربي، من دون نجاح يذكر حتى الآن، وذلك من أجل استعادة الانقسامات السابقة بين شرق وغرب ليبيا. 

ارتدادات محتملة:

هناك جملة من الارتدادات المحتملة التي يمكن أن تتتمخض عن تحركات الدبيبة وأنقرة، ويمكن عرضها على النحو التالي:

1- عودة التصعيد العسكري: باتت التحركات الراهنة بين تركيا والدبيبة تثير حفيظة بعض القوى الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي، خاصة تلك القوى الداعمة للشرق الليبي، وهو ما قد يدفعها إلى وقف إنتاج وتصدير النفط والغاز مرة أخرى من أجل دفع القوى الدولية للضغط على أنقرة لوقف تغلغلها في غرب ليبيا. 

ويمكن الاستدلال على صحة ذلك من خلال التقارير التي تحدثت عن اضطرابات تشهدها المناطق المتاخمة لحقلي الشرارة والفيل، فضلاً عن تكرار دعوات قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، للشعب الليبي بالانتفاضة على النخبة السياسية الراهنة، لافتاً إلى أن الجيش سيدعم أي تحركات شعبية.

وفي هذا السياق، اعتبرت بعض التقديرات أن اتفاقيتي التعاون العسكري الأخيرة بين تركيا والدبيبة من شأنها تعميق الانقسامات الداخلية وتنذر باحتمالية تأجيج المشهد من جديد، لاسميا في ظل التصريحات العدائية التي باتت تهيمن على الأطراف المتنافسة في الداخل الليبي، فقد جاءت التدريبات العسكرية التي أشرف عليها الدبيبة للمجموعات العسكرية التابعة له بغرب ليبيا بعد أيام قليلة من الاستعراض العسكري الذي نظمه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبالإضافة لذلك، فإنه في أعقاب اتفاقيتي التعاون العسكري الأخيرة بين الدبيبة وأنقرة، نظمت إدارة المدفعية والصواريخ بالجيش الوطني الليبي استعراضاً لوحدات إطلاق الصواريخ الباليستية من طراز "آر- 17 إلبروس"، حيث أكدت قيادة الجيش أنها تمكنت من رفع كفاءة منظومة الصواريخ بعيدة المدى، في مؤشر مهم على تصاعد وتيرة الاحتقان الداخلي.

2- موقف أمريكي غامض: التزمت الولايات المتحدة الصمت، حتى الآن، حيال التحركات التركية الأخيرة، وهو ما قد يكون راجعاً إلى الانشغال الأمريكي بالأزمة الأوكرانية، غير أنه في المقابل، يستبعد أن تعطي واشنطن لأنقرة الضوء الأخضر للتنقيب عن النفط في شرق المتوسط، نظراً لأن هذه الاتفاقية سوف تسمح لأنقرة بالتنقيب عن الطاقة في المياه الإقليمية لليونان وقبرص، وهو أمر لن تقبل به واشنطن، نظراً لأنها باتت عملياً تدعم اليونان وقبرص في مواجهة التحركات التركية في شرق المتوسط. 

3- محاولة استيعاب الخلافات: أشارت تقارير إلى أن لندن استضافت اجتماعاً دولياً بشأن ليبياً، خلال الفترة من 26 وحتى 28 أكتوبر الجاري، لمحاولة صياغة توافقات دولية وإقليمية بشأن الأزمة الليبية، بحضور المبعوثين الخاصين لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى ألمانيا وإيطاليا، وكذا ممثلين عن مصر وتركيا.

وتستهدف هذه التحركات الدولية محاولة صياغة توافقات جديدة، تحول دون تأجيج المشهد الداخلي، وهو ما ينعكس في تعيين فرنسا سفيراً جديداً في ليبيا، وهو الدبلوماسي مصطفى مهراج، بالتزامن مع استعدادات باريس إعادة فتح سفارتها في طرابلس.

وفي الختام، تعكس المعطيات الراهنة اتجاه تركيا لتعزيز نفوذها وحضورها العسكري والاقتصادي في غرب ليبيا، وعلى الرغم من إشارة بعض التقديرات إلى أن التحركات التركية الراهنة تأتي بضوء أخضر من قبل واشنطن، فإن هذا الأمر لا يبدو واقعياً، خاصة في ظل التحركات الأمريكية والبريطانية لصياغة ترتيبات جديدة في ليبيا، تحول دون تفاقم الاستقطاب الاقليمي بين اللاعبين الرئيسيين المنخرطين في الملف الليبي، بالإضافة إلى محاولة تجنب تأجيج صراعات جديدة بين الأطراف الليبية الداخلية.