التحليلات - التحولات الاقتصادية

الاتجاه شرقاً:

دوافع توسع البنوك الخليجية في الصين
الأربعاء، 12 يوليو، 2017
الاتجاه شرقاً:

شهد الاقتصاد الصيني تحولات كبيرة على مدار العقود الماضية، إذ تغيرت طبيعته من اقتصاد يقوم على المركزية والدور المتعاظم للدولة في النشاط الاقتصادي، إلى اقتصاد يتجه شيئاً فشيئاً نحو تقليص دور الدولة وتعزيز دور القطاع الخاص، كما تجاوز مراحل الانغلاق على الذات إلى الانفتاح على العالم الخارجي، والسعي لاجتذاب الاستثمارات والشركات الأجنبية، بالإضافة إلى الانتقال من استهداف بناء القدرات الإنتاجية الذاتية والتركيز على الأسواق المحلية إلى تشجيع الاستثمارات والشركات الوطنية "الحكومية والخاصة" على الخروج والمنافسة في الأسواق العالمية، مما زاد الاحتياجات لقطاع مالي ومصرفي قوى يقوم على الشراكات العالمية. 

 إصلاح القطاع المصرفي:

عملت الحكومة الصينية طيلة العقود الماضية على تطوير البنية التحتية والتكنولوجية، والبنية التشريعية والقانونية للقطاع المصرفي الوطني، من أجل تمكينه من توفير الخدمات المصرفية اللازمة للاقتصاد الآخذ في التحول، سواءً كانت هذه الاحتياجات متمثلة في الخدمات التمويلية للأنشطة الاستثمارية في الداخل، أو في خدمات تسوية التعاملات التي تجري بين الاقتصاد الصيني وغيره من الاقتصادات حول العالم. ومن أهم الإصلاحات التي قامت بها الحكومة الصينية ما يلي:

1- مرونة أسعار الفائدة: اتخذ بنك الشعب (البنك المركزي) الصيني، في عام 2012، خطوات تضفي نوعاً من المرونة على معدلات الفائدة في المصارف، حيث سمح للمصارف بمنح قروض بأسعار فائدة أدنى بما يصل إلى 20% من تلك المعمول بها لدى بنك الشعب، مقابل 10% في السابق، كما أصبح من الممكن أن تستفيد حسابات الإيداع من عائد يفوق المعدل المرجعي بنسبة 10%، وهو ما شكل سابقة في الصين في حينه. وسمح هذا الإجراء بمزيد من المنافسة في القطاع المصرفي الذي كان حينذاك واقعاً تحت هيمنة الدولة بشكل كبير.

2- الالتزام بقواعد "بازل": طالبت "لجنة تنظيم المصارف" في الصين المصارف الكبرى في البلاد، في عام 2014، بنشر المعلومات المتعلقة بمؤشرات الأداء الرئيسية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي الصيني، بما يتوافق مع قواعد لجنة بازل للرقابة المصرفية بشأن تنظيم المعاملات البنكية الدولية. 

3- إصلاح البنوك المملوكة للدولة: أعلن بنك الشعب الصيني، في أغسطس 2014، إجراء عدة إصلاحات في "بنك الاستيراد والتصدير الصيني" و"بنك تنمية الزراعة الصيني" و"بنك التنمية الصيني"، وهي بنوك مملوكة للدولة، كما أعلن أنه بصدد بناء نموذج عمل مناسب يمكن البنوك التجارية من تحسين خدماتها المالية؛ بجانب قيامه بتطوير المعايير واللوائح ذات الصلة بالأمور المالية عبر الإنترنت، في محاولة لتطوير المنافسة العادلة وتقوية السيطرة على المخاطر. 

4- تخفيض نسبة الاحتياطي: قام بنك الشعب الصيني، في سبتمبر من عام 2014، بضخ سيولة نقدية تبلغ نحو 81 مليار دولار في النظام المصرفي، فأدى ذلك إلى خفض نحو خمسين نقطة أساس في نسبة متطلبات احتياطي المصارف لدى بنك الشعب (البنك المركزي) الصيني.

5- زيادة الاستثمارات الأجنبية: كشفت الحكومة الصينية، في سبتمبر 2016، عن خطط للسماح بالمزيد من الاستثمارات الأجنبية في القطاع المصرفي وشركات التأمين والأوراق المالية والتصنيف الائتماني، الأمر الذي وصفته الأوساط الدولية – آنذاك - بأنه يخفف شعور الإحباط السائد بين الشركات الأجنبية، نتيجة عدم مقدرتها على دخول السوق الصينية.

6- معالجة المخاطرالمالية: أعلنت لجنة تنظيم المصارف في الصين، في أبريل 2017، اتخاذ إجراءات عدة لمعالجة المخاطر المالية في القطاع المصرفي للحيلولة دون وقوع أزمات مالية، فحددت عدة مجالات يتم تعزيز السيطرة على المخاطر فيها، منها مجالات الائتمان والسيولة والعقارات والديون الحكومية المحلية، فضلاً عن السندات والمنتجات المالية وتمويل الإنترنت. وطلبت اللجنة من المؤسسات المصرفية تطبيق رقابة أكثر صرامة لمنع المخالفات في هذه المجالات.

7-تدويل العملة الصينية: اتخذت الصين العديد من الخطوات من أجل تدويل عملتها المحلية "اليوان"، وهو ما يعد أحد أهم الخطوات الإصلاحية للنظام النقدي الصيني، وأحد أهم الخطوات التي قطعتها الحكومة من أجل دمج نظامها المالي والنقدي والمصرفي في النظام العالمي. 

وتشير الإحصاءات الصادرة عن جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت) إلى أن "اليوان" يمول الآن 8% من التجارة العالمية، ووفقاً لـ"بنك التسويات الدولية"، فقد تضاعف نصيب "اليوان" في التعاملات الجارية في أسواق الصرف العالمية على مدى السنوات الثلاث الماضية من 2% إلى 4%. 

أنماط الاستثمارات الخليجية:

مع استمرار الحكومة الصينية في إصلاح النظام المصرفي والنقدي في البلاد، فقد تصاعدت معدلات وجود الاستثمارات والمؤسسات المصرفية والنقدية الأجنبية به، وكانت مصارف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من بين أكثر المؤسسات المصرفية والنقدية حرصاً على الوجود في الأسواق الصينية منذ بداية عملية الإصلاح تلك، ويبدو ذلك جلياً في الخطوات التي اتخذتها تلك المؤسسات من أجل الوجود في الأسواق الصينية خلال السنوات الماضية، التي منها:

1. بطاقات "الاتحاد الصيني": اتجه بنك المشرق، في عام 2009، لتقديم خدمات مصرفية ترتبط بأسواق الخدمات المصرفية الصينية، حيث أطلق بالتعاون مع "الاتحاد الصيني لبطاقات الدفع الآلي"، خدمة جديدة تسمح لحاملي بطاقات الاتحاد باستخدام أجهزة الدفع والصراف الآلي التابعة لبنك المشرق.

وبمقتضى هذا الإجراء أصبح بنك المشرق أول مؤسسة مالية إماراتية، ومن أول المؤسسات المصرفية العالمية، التي تعترف ببطاقات "الاتحاد الصيني"، التي قٌدر عددها في حينه بأكثر من 8.1 مليار بطاقة، صدرت عن 196 مصرفاً صينياً.

2. افتتاح مكاتب تمثيلية: افتتح بنك أبوظبي الوطني (بنك أبوظبي الأول حالياً)، في يونيو 2012، مكتباً تمثيلياً له في مدينة شنغهاي الصينية، ضمن خطة قال عنها البنك في حينه إنها "توسعية في الشرق الأقصى، وتأتي تماشياً ودعماً للدور الذي تلعبه الإمارات كجسر للتجارة بين الشرق والغرب، وكوسيلة لتسهيل عملية جذب الاستثمارات وإبرام الصفقات التجارية بين الإمارات والصين.

كما أعلن بنك الإمارات دبي الوطني، في سبتمبر 2012، افتتاح مكتب تمثيلي له في العاصمة الصينية بكين، وذكر أن ذلك يأتي في إطار التزامه تجاه الشركات العاملة في الصين ودول مجلس التعاون، والتي تطمح إلى توسيع نطاق أعمالها على امتداد الأسواق التي ينشط فيها البنك.

3. تأسيس فروع جديدة: أعلن بنك الاتحاد الوطني الإماراتي، في مارس 2017، أنه بصدد افتتاح أول فرع له في الصين، وذكر أنه حصل على موافقة بنك الشعب الصيني لتحويل مكتبه التمثيلي إلى فرع في شنغهاي، كما ذكر أنه يدرس التوسع في الصين وفقاً للقواعد التنظيمية المعمول بها هناك.

وافتتح بنك الكويت الوطني، في مارس 2017، أيضاً فرعاً في مدينة شنغهاي الصينية. وتم التأكيد على أن هذه الخطوة تعكس استجابة للدور الرئيسي الذي تلعبه الصين في الاقتصاد العالمي.

دوافع التوسع الخليجي: 

إن إقدام المصارف الخليجية على التوسع في الاستثمار في الصين، من خلال افتتاح أفرع ومكاتب تمثيل جديدة لها هناك له العديد من المبررات، فهو في المقام الأول يتماشى مع التطور الذي يشهده القطاع المصرفي الصيني ذاته، وبالتالي فإن هذه المصارف تسعى إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي يطرحها هذا التحول. 

وتأتي تحركات المصارف الخليجية متوافقة مع التطور الحادث في العلاقات بين الاقتصادات الخليجية من ناحية والاقتصاد الصيني من ناحية أخرى، الأمر الذي يزيد الطلب على الخدمات المصرفية والائتمانية لتمويل الأنشطة التجارية والاستثمارية بين الجانبين. حيث تشير بعض التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية، بلغ 270 مليار دولار في عام 2016، منها 171 مليار دولار لصالح دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منفردة.

ليس هذا وحسب، بل هناك العديد من المبررات التي تدعو إلى المزيد من التحرك وضخ الاستثمارات في القطاع المصرفي الصيني خلال السنوات المقبلة، حيث يحتل القطاع المصرفي الصيني الآن قمة الترتيب الدولي من حيث القيمة الإجمالية للأصول.

ووفقاً لتقديرات صحيفة "الفايننشال تايمز"، فقد تفوقت الصين على منطقة اليورو في هذا المؤشر، ففي نهاية عام 2016، بلغت قيمة أصول القطاع المصرفي الصيني نحو 33 تريليون دولار، بينما بلغت أصول هذا القطاع في منطقة اليورو نحو 31 تريليون دولار. كما تجاوزت قيمة أصول القطاع المصرفي الصيني القيمة الإجمالية للأصول المصرفية في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان معاً، والتي بلغت 23 تريليون دولار، بواقع 16 تريليون للولايات المتحدة، و7 تريليونات لليابان. 

وعلى مدار الفترة من عام 2008 إلى عام 2016 كان القطاع المصرفي الصيني هو الوحيد الذي يشهد نمواً متواصلاً في قيمة أصوله، على عكس ما كان يحدث في القطاعات المصرفية المنافسة له في منطقة اليورو والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، فبينما تراجعت القيمة الإجمالية لأصول القطاع المصرفي بمنطقة اليورو، فإنه شهد ثباتاً نسبياً في كل من الولايات المتحدة واليابان، ليبقى القطاع المصرفي الصيني هو الوحيد صاحب القدرة على النمو والتوسع، كما هو موضح في الشكل التالي.

معدلات نمو القطاع المصرفي الصيني في الفترة من عام 2008 إلى عام 2016 (الأصول بالتريليون دولار) 


تحديات وفرص الاستثمارات: 

أفسح النمو الكبير في حجم القطاع المصرفي الصيني المجال لتوليد فرص استثمارية كبيرة في هذا القطاع على مدار سنوات طويلة، وفي حال إذا احتفظ بالقدرة على النمو فإن ذلك يفتح الباب أمام المزيد من التوسع للقطاع المصرفي. 

فعلى الرغم من تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني خلال السنوات الأخيرة، ليصل إلى 6.5% سنوياً بعدما كان يقدر بما يزيد على 10% سنوياً، فإن الاقتصاد الصيني لايزال يٌصنف كأحد أعلى الاقتصادات نمواً في العالم، كما يمكن القول إنه مازال في طور الاقتصادات الصاعدة وهو يعني أنه مازالت أمامه فرص كبيرة لتحقيق المزيد من النمو.

وتشير توقعات وكالة بلومبيرج إلى أن الاقتصاد الصيني سيتجاوز الاقتصاد الأمريكي من حيث الحجم في عام 2018، وفي حال عودة الاقتصاد العالمي إلى النمو بمعدلات مثل تلك التي دأب عليها قبيل الأزمة المالية العالمية، فإن نمو الاقتصاد الصيني قد يقفز إلى ما يزيد على 8% سنوياً.

وهذا النمو المنتظر بالنسبة للاقتصاد الصيني من شأنه أن يزيد من احتياجاته إلى الخدمات المصرفية والائتمانية، ويفتح الباب أمام المزيد من الفرص الاستثمارية الكبيرة في هذا القطاع. ولذلك تظل الفرص الاستثمارية المتاحة بالقطاع المصرفي الصيني، هي من الأفضل والأكثر جاذبية بين نظيراتها في العالم في الوقت الراهن.

وإذا أضيف إلى المعطيات السابقة عزم الصين المضي قدماً في تنفيذ مبادرة "الحزام والطريق"، التي تعد من أكبر المبادرات التجارية والاقتصادية والتنموية العالمية، حيث بلغ عدد الدول التي انضمت إليها رسمياً حتى الآن 77 دولة، وهو رقم مرشح للزيادة.

ونظراً لطبيعة المبادرة وكثافتها وتشابكها وكذلك ضخامتها فإنها تتيح خلق فرص استثمارية غير مسبوقة على مستوى العالم في الخدمات المالية والمصرفية، التي سيزداد الطلب عليها من أجل تلبية الاحتياجات التمويلية للاستثمارات الضخمة التي تتضمنها المبادرة، ومن أجل تسوية التعاملات التجارية والمالية بين البلدان المشاركة في المبادرة.


الكلمات المفتاحية: الصينالبنوك الخليجيةأسعار الفائدةالاستثمارات الأجنبيةالمخاطر الماليةالديون الحكوميةبنك المشرقبنك أبو ظبي الأولبنك الإمارات دبي الوطنيبنك الكويت الوطني

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات