أخبار المركز
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (تأملات حول فشل جهود السلام الفلسطينية الإسرائيلية)
  • محمد محمود السيد يكتب: (آليات التصعيد: خيارات إسرائيل إزاء معادلات الردع الجديدة مع إيران)
  • شريف هريدي يكتب: (الرد المنضبط: حسابات الهجمات الإيرانية "المباشرة" على إسرائيل)
  • أ. د. حمدي عبدالرحمن يكتب: (عام على حرب السودان.. ترابط المسارين الإنساني والسياسي)
  • د. أحمد أمل يكتب: (إرث فاغنر: هل قاد "التضليل المعلوماتي" النيجر للقطيعة مع واشنطن؟)

نموذج ذوي الاحتياجات:

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي المهمشين في سوق العمل؟

01 فبراير، 2024


عرض: سالي العطفي

باتت الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم الفئات الاجتماعية المهمشة في سوق العمل مثل، ذوي الاحتياجات الخاصة ذات أهمية كبيرة خاصة وأن الطريق إلى العمل بالنسبة لهم ما يزال محفوفاً بالصعوبات. وتؤكد منظمة الأمم المتحدة أن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على إنشاء بيئات أكثر شمولاً واستيعاباً وهو ما قد يساعد على إزالة العوائق أمام بعض الشرائح الاجتماعية في أسواق العمل.

وتشير اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بحقوق ذوي الاحتياجات إلى أن "الوسائل التكنولوجية والدعم والخدمات المقدمة لهم لها التأثير الكافي في رسم واقع ومستقبل ذوي الاحتياجات خاصة أنها تعتمد بالأساس على التفاعل القائم بينهم وبين العوامل البيئية التي قد تحول دون مشاركتهم الكاملة والفعَّالة في المجتمع وبنفس القدر مقارنة بالآخرين".

في هذا الإطار، سعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقرير لها في نوفمبر 2023، إلى رصد الصعوبات المستمرة التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة في سوق العمل، وتحليل إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز فرص عمل لهم والعوائق التي قد تحول دون ذلك، فضلاً عما يمكن للحكومات أن تفعله في هذا المجال. 

أكثر عرضة للبطالة:

أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن ذوي الاحتياجات الخاصة لطالما واجهوا صعوبات مستمرة في سوق العمل، ففي عام 2019 كانوا أكثر عرضة للبطالة، إذ جاء معدل توظيفهم أقل بنسبة 27% مقارنة بغيرهم ممن لا يعانون من الإعاقة. وأبرزت المنظمة المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي، إذا تمت إدارته بشكلٍ سيئ، إلى تفاقم تلك الفوارق وإهدار المواهب غير المستغلة من ذوي الإعاقة.

وترى المنظمة أن الحلول المبتكرة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تمثل تحولاً كبيراً في المجتمع الدولي مثلما حدث مع ظهور الإنترنت والتكنولوجيا، بسبب السرعة والجودة التي تتمتع بها هذه الحلول ولارتباط تقنيات الذكاء الاصطناعي بكمية هائلة من البيانات المدخلة وقدرتها على طرح سيناريوهات مستقبلية. مع ذلك تؤكد المنظمة المخاوف من تعميم تلك التقنيات وعدم توفير وسائل وأدوات تسهل عمل ذوي الإعاقة - كوجود قارئات الشاشة المستخدمة من قبل الأشخاص الأكِفَّاء، أو وجود ترجمة شفهية للمستخدمين الصم- وهو الذي سيؤدي بالتالي لغياب العدالة في استخدام الذكاء الاصطناعي بين الأفراد القادرين والمعاقين، وزيادة استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة من سوق العمل. في هذا السياق، ثمة تحديات تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم ذوي الاحتياجات، منها:

- تواجه جهود البحث والتطوير (R&D) صعوبات في الوصول للتمويل اللازم، إذ يكون التمويل الأولي غير كافٍ. ويُعزى ذلك إلى تصور المستثمرين بأن تعزيز تقنيات الذكاء الاصطناعي قد لا يؤدي إلى عوائد مالية مجزية أو مؤكدة. أضف لذلك، ارتفاع تكاليف جمع البيانات مما يجعل من الصعب الوصول للبيانات الضرورية لتطوير الحلول المبتكرة.

- نقص التدريب الأساسي للمطورين وافتقارهم للمعرفة اللازمة في مجال البرمجة وعلوم الكمبيوتر، وعدم فهمهم للتصميم المرتبط بالمستخدم النهائي، يمكن أن يؤثر سلباً في فهم احتياجات ذوي الإعاقة وعلى تصميم منتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات صعبة الاستخدام بالنسبة لهم.

- يواجه أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة في جذب المواهب بسبب متطلباتهم العالية للانضمام للعمل، وهذا يختلف عن الوضع في الشركات الكبرى. أضف لذلك، من الصعب تأمين تمويل مستدام طويل الأمد بسبب ارتفاع تكاليف حلول الذكاء الاضطناعي المقدمة للمستخدمين النهائيين، وعدم قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على شرائها بمفردهم في ظل غياب آلية سداد عادلة لهم.

- غياب الوعي لدى أصحاب العمل بأهمية اعتماد الاستخدامات المبتكرة والقائمة على الذكاء الاصطناعي، وكذلك غياب المشاركة الفعلية من قبل المستخدم النهائي خلال عملية تطوير حلول الذكاء الاصطناعي، بما يؤدي إلى بناء حلول في فراغ لا تلبي الاحتياجات الفعلية، كما تأتي منفصلة عن النظام البيئي الذي من المفترض أن تندمج فيه، والذي يتألف من الحلول القائمة، والسياسات، والجهات المعنية، وأنظمة الدعم.

- عدم إلمام المستخدمين في مجتمع ذوي الإعاقة خاصة كبار السن بتكنولوجيا المعلومات واضطرارهم لتعلم استخدام التقنيات الجديدة بشكل متكرر مما يولد لديهم شعوراً بالإحباط. يضاف لذلك، نقص المعايير التي تفرض التوافق بين الأنظمة والبرمجيات والأجهزة الحاسوبية وحلول الذكاء الاصطناعي وأجهزة التكنولوجيا المساعدة الأخرى. فقد تتطلب مثلاً الحلول الجديدة تحديث الأجهزة أو البرمجيات لتصبح قابلة للاستخدام، ونتيجة لذلك تصبح التكلفة المرتبطة بذلك عائقاً أمام قبول المستخدمين لها.

سد فجوة التوظيف:

أفاد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن سد فجوة توظيف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة يتطلب الاهتمام بحلول الذكاء الاصطناعي ودراسة العوائق، مشيراً إلى أن تشجيع تطوير هذه الحلول قد يقطع شوطاً طويلاً في خفض التكاليف وضمان قابلية التشغيل البيني، ويوفر تمويلاً أكثر استدامة، ويعزز المزيد من الابتكار. وأكدت المنظمة أنه في حين يتم الاعتراف بمخاطر التمييز ضد الأقليات الجنسية والعرقية، فإن التمييز بناءً على القدرات ما يزال غائباً إلى حد كبير من "الرؤية العالمية لأولئك الذين يؤثرون في النقاش المسؤول والأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي".

كما تناولت المنظمة التحدي الذي يواجهه المبتكرون لضمان استشارة كافة فئات ذوي الاحتياجات في المشروع الذي يبدؤونه، خاصة مع تخوفهم من أن يثير هذا الأمر تراجع بعض الأشخاص عن جعل مشروعاتهم متاحة للجميع. وفي ظل رغبة ذوي الاحتياجات في حماية بياناتهم الشخصية من خوارزميات التوظيف المتحيزة والتي تنتهك حقهم في العمل والتوظيف بشكل منهجي، أكدت المنظمة حقهم في إجراء مقابلات العمل مستخدمين وسائل ميسرة ومبتكرة لتساعدهم على إظهار قدراتهم دون تعريضهم للخطر.

وبالإشارة للوائح التنظيمية التي تعمل بمعزل عن مصالح ذوي الاحتياجات ولا تغطي كافة المخاطر التي قد يتعرضون لها من استبعاد وتمييز حتى خلال تسيير شؤون حياتهم الخاصة، سلطت المنظمة الضوء على ما اعتبرته انفصالاً بين صانعي السياسات في مجال حقوق ذوي الإعاقة وبين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي. وأوضحت أنها لا ترى "أي جهد حتى الآن في أروقة الحكومات لتحسين إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى السوق باستخدام الذكاء الاصطناعي"، وأن "فكرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة لم تتجذر بعد داخل الحكومات".

الحكومات ومعالجة المخاطر:

تدعو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تدخل حكومي أقوى، وأن تتضمن اللوائح الوطنية للذكاء الاصطناعي مبادئ ومعايير لحقوق الإنسان وحظراً صريحاً للتمييز والانتهاكات، كما ترى أن منع المخاطر بكفاءة يعني تعميم المسؤولية التي يقع فيها الضرر الناتج عن منتجات الذكاء الاصطناعي (بما في ذلك التمييز) على عاتق الشركات التي تنشر الذكاء الاصطناعي وتستخدمه. وهذا من شأنه أن يدفع القائمين على نشر الذكاء الاصطناعي إلى "أن يصبحوا أكثر حذراً" وعلى وعي كامل بأنه "آمن للفئات المهمشة" بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة قبل استخدامه.

وأكدت المنظمة ضرورة تحفيز المطورين على معالجة المخاطر في وقت مبكر قبل طرح الخوارزميات المتحيزة في السوق. إذ سيكون لدى المبتكرين حافز تجاري للتأكد من أن منتجات الذكاء الاصطناعي يمكن الوصول إليها وقابلة للتشغيل البيني افتراضياً، وللتأكد من وجود الدعم اللازم حال حدوث مشكلات. وأشارت إلى أن مشاركة المستخدمين من ذوي الاحتياجات مع المطورين في مجال الذكاء الاصطناعي قد تساعد على فهم المخاطر، وأيضاً قد تساعدهم مستقبلاً على اتخاذ قرارات مستنيرة وتحسين النتائج.

وسلطت المنظمة الضوء على غياب المبادرات الرامية إلى تعزيز محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي والتي ما تزال غير موجودة، لذلك شددت على أهمية وجود سياسات تحفيزية لتطوير الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بحيث لا تقتصر فحسب على وضع المعايير للحماية من المخاطر، بل لا بد وأن تسهم في تعزيز الابتكار الشامل. وفي إطار التوجيه السليم للتمويل المالي لحلول الذكاء الاصطناعي، ترى المنظمة ضرورة توجيه الأموال للمجموعات المناصرة لحقوق ذوي الاحتياجات والتي ستقوم بالتبعية بتوجيهها للمطورين الذين سيسهمون معهم في تسهيل وصول ذوي الإعاقة لسوق العمل.

استجابات مقترحة:

طرحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعض الاقتراحات لتفعيل حلول الذكاء الاصطناعي وتسهيل وصول ذوي الاحتياجات لسوق العمل، من أبرزها: سن سياسات جديدة تحظر صراحة استخدامات الذكاء الاصطناعي التي تؤدي إلى التمييز ضد ذوي الاحتياجات. وضرورة مراجعة قوانين المسؤولية وإرشادات شراء حلول الذكاء الاصطناعي لمنح المطورين والمشترين حوافز تضمن سلامة المنتجات وتحافظ بذات الوقت على حقوق الفئات المهمشة.

أضف لذلك، إتاحة حلول الذكاء الاصطناعي الرئيسية لتصبح قابلة للتشغيل بشكل افتراضي، وتطوير تقنيات التشغيل عن بعد والمدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسهيل عمل ذوي الإعاقة في مختلف المجالات، مثل: المجالات اللوجستية والنقل، ووضع المعايير التي تسهل وصول ذوي الاحتياجات لسوق العمل بشكل منتظم، على أن تكون مواكبة للتطورات التكنولوجية والتغيرات الاجتماعية، بما في ذلك ظهور تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي.

تقترح المنظمة أيضاً توجيه رأس المال المدعم من الحكومات نحو الحلول المتاحة من الذكاء الاصطناعي مع زيادة التمويل العام المخصص لذلك، وتعزيز مشاركة ذوي الإعاقة في عملية الابتكار من خلال إجراءات تقوم بتحسين نسب تمثيلهم ومشاركتهم في تحديد الأولويات والاحتياجات اللازمة في المنتج النهائي. كما يجب إنشاء بنية تحتية مناسبة تتضمن سهولة الوصول لخدمات الإنترنت لتعزيز استخدامات بالذكاء الاصطناعي، على أن يستطيع أيضاً المستخدم النهائي تحمل تكاليفها، والتعاون مع الجامعات لتوفير التدريب اللازم في مجال علوم الحاسوب والتصميم المبتكر بما يساعد ذوي الإعاقة في سوق العمل ومساعدة الشركات على تطوير حلول متخصصة لاستقطاب المواهب من ذوي الاحتياجات في مجال الذكاء الاصطناعي.

ختاماً، أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن السياسات الحالية للحكومات في العالم منعزلة للغاية وتتعامل مع حلول الذكاء الاصطناعي وتفعيلها بسوق العمل كموضوعين منفصلين دون النظر لإمكانية ربطهم لخدمة ذوي الاحتياجات، مؤكدة في النهاية ضرورة دراسة الحكومات الخطط السياسية والمستقبلية لمعالجة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي واغتنام الفرص المتاحة، والأخذ في الاعتبار أهمية الوعي بقدرات الذكاء الاصطناعي وإمكاناته لدعم ذوي الاحتياجات في سوق العمل.

المصدر:

OECD Artificial Intelligence Papers, “Using AI to support people with disability in the labour market - opportunities and challenges”, OECD publishing, November 2023.