أخبار المركز
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (تأملات حول فشل جهود السلام الفلسطينية الإسرائيلية)
  • محمد محمود السيد يكتب: (آليات التصعيد: خيارات إسرائيل إزاء معادلات الردع الجديدة مع إيران)
  • شريف هريدي يكتب: (الرد المنضبط: حسابات الهجمات الإيرانية "المباشرة" على إسرائيل)
  • أ. د. حمدي عبدالرحمن يكتب: (عام على حرب السودان.. ترابط المسارين الإنساني والسياسي)
  • د. أحمد أمل يكتب: (إرث فاغنر: هل قاد "التضليل المعلوماتي" النيجر للقطيعة مع واشنطن؟)

أزمة أمنية:

لماذا أعلنت الإكوادور حالة الطوارئ؟

23 يناير، 2024


أعلنت وكالة السجون الوطنية في الإكوادور، في 14 يناير 2024، أنه تم تحرير جميع حراس وموظفي السجون الذين احتجزهم نزلاءُ في سبعة سجون بالبلاد.

جاء ذلك في أعقاب إعلان الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا، في 8 من الشهر ذاته، حالة الطوارئ لمدة ستين يوماً، في سائر أنحاء البلاد، وذلك على إثر هروب زعيم أخطر عصابة إجرامية في البلاد، والتي تسمى "لوس تشونيروس"، وهو أدولفو ماسياس، الملقب بـ"فيتو"، من سجن غواياكيل. 

وقد كلّف نوبوا القوات المسلحة بالحفاظ على النظام في الشوارع مع فرض حظر تجول ليلي حتى في السجون، كما أمر بـتحييد كل المجموعات الإجرامية التي قدّم قائمة شاملة بأسمائها، مع التشديد على ضرورة تصرف القوات المسلحة بما يتوافق مع احترام حقوق الإنسان.

مُؤشرات كاشفة: 

شهدت الإكوادور منذ يوم 7 يناير 2024، أزمة أمنية غير مسبوقة، انعكست في عدد من المظاهر على النحو التالي:

1. اقتحام محطة تلفزيونية عامة: اقتحم رجال مسلحون أستوديو تلفزيون (تي سي)، وهي محطة تلفزيونية عامة، في مدينة غواياكيل الساحلية في الإكوادور، وهي أكبر مدينة في الإكوادور، واحتجزوا الصحفيين وغيرهم من موظفي القناة كرهائن لفترة وجيزة، كما قاموا بضرب الأشخاص وإجبارهم على السقوط على الأرض تحت تهديد السلاح، وذلك أثناء البث المباشر للقناة. واستمر ذلك حتى تدخلت الشرطة، وتم اعتقال عشرة على الأقل من المهاجمين، الذين قد يواجهون عقوبة سجن لمدة تصل إلى 13 عاماً إذا أُدينوا بالإرهاب.

2. احتجاز نُزلاء حراس وموظفي السجون: أعقب هروب "فيتو" عدد من حركات التمرد، إذ تم احتجاز حراس وموظفي سبعة سجون في أنحاء البلاد، من جانب النزلاء في هذه السجون، وقد بلغ عددهم، 158 حارساً و20 موظفاً إدارياً، وقد أسفرت تلك الاشتباكات عن مقتل حارس واحد على الأقل، فيما أُصيب آخرون، فيما تم اختطاف ضباط شرطة، كما هرب عدد من نزلاء السجون، وذلك قبل أن يتم تحريرهم في 14 يناير. 

3. تنامي أعمال العنف والشغب: أسفرت أعمال العنف منذ بداية الأزمة عن مقتل نحو 10 أشخاص على الأقل، كما أغلقت العديد من المؤسسات الفندقية والمطاعم أبوابها أمام الجمهور في ميناء غواياكيل، أما في العاصمة كيتو، فقد أغلقت المتاجر ومراكز التسوق أبوابها أيضاً، وكانت الاختناقات المرورية أثقل بكثير من المعتاد، كما أمرت وزارة التربية والتعليم بإغلاق جميع المدارس في البلاد.

على الجانب الآخر، شهدت المنطقة بالقرب من قصر كاروندوليت مقر الحكومة ومقر إقامة الرئيس عمليات إطلاق نار، بينما أظهرت صور ومقاطع فيديو على الإنترنت عمليات نهب في مراكز التسوق وهجمات على الطرق العامة، كما شهدت المراكز الجامعية اشتباكات مع مسلحين.

وقدّر الرئيس الإكوادوري عدد أعضاء العصابات الإجرامية التي تقف وراء أعمال العنف بأكثر من 20 ألفاً وصفهم "بالإرهابيين". وجدير بالذكر أن معدل جرائم القتل في الإكوادور ارتفع بأكثر من ستة أضعاف، ولاسيما خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدت الأعوام من 2018 حتى 2022 ارتفاع معدلها من 6 إلى 46 لكل 100 ألف نسمة. وبلغ معدل جرائم القتل 5.‏46 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2023، وهو المعدل الأعلى في تاريخ هذا البلد، وأحد أعلى المعدلات في أمريكا اللاتينية. وذلك بعد أن كانت الإكوادور ضمن الأقل في القارة.

عوامل دافعة: 

ثمّة عوامل رئيسية يمكن من خلالها تفسير حالة الانفلات الأمني الراهنة بالإكوادور وذلك على النحو التالي: 

1. هروب زعماء العصابات: اندلعت الأزمة بعد هروب أدولفو ماسياس، بعد أن كان مُحتجزاً في سجن شديد الحراسة في غواياكيل، وهو ما أدى لزعزعة استقرار البلاد. فبينما لا يزال مكان هروبه غير معروف، فتح المدعون تحقيقاً واتهموا اثنين من الحراس فيما يتعلق بهروبه، لكن لم تؤكد الشرطة أو نظام الإصلاحيات أو الحكومة الفدرالية ما إذا كان السجين قد فر من المنشأة أو ربما ما زال مُختبئاً فيها.

وفي يوم 9 يناير 2024، هرب أيضاً فابريسيو كولون بيكو، أحد زعماء عصابة "لوس لوبوس"، من سجن في بلدة ريوبامبا، بعدما كان قد قُبض عليه كجزء من تحقيق في عملية اختطاف، واتُهم أيضاً بمحاولة قتل أحد المدعين العامين الرئيسيين في البلاد.

ويُعد "فيتو" أشبه بإمبراطور المخدرات "إسكوبار" في كولومبيا و"إل تشابو" في المكسيك، وقد نُقل في أغسطس 2023، وسط حراسة مُشدّدة إلى سجن يخضع لحراسة أمنية قصوى، بتهمة تهريب المخدرات والقتل والجريمة المنظمة، كما اتُهم باغتيال المرشح الوسطي للرئاسة فرناندو فيافيسينسيو، في نفس الشهر، والذي كان قد أجرى تحقيقات بشأن الاتجار بالمخدرات في البلاد.

2. تنامي عمليات تهريب المُخدرات: اتصالاً بالنقطة السابقة، أسهمت العصابات الإجرامية تحت رئاسة كلٍ من "فيتو" و"بيكو" وغيرهم، في زيادة عمليات الاتجار بالمخدرات في الإكوادور التي أصبحت نقطة تصدير رئيسية للكوكايين المنتج في البيرو وكولومبيا، مما عزز وجود أكثر من 20 عصابة إجرامية تعمل فيها. 

وفي الواقع، كانت هذه العصابات الإجرامية في غالبيتها قبل سنوات قليلة عصابات شوارع، لكنها تحولت إلى جهات عنيفة فاعلة على صعيد الاتجار بالمخدرات مع فروع حول العالم، بالتنسيق مع كارتل سينالوا المكسيكي (وهي منظمة دولية لتهريب المخدرات، وغسل الأموال، والجريمة المنظمة)، وجبهة أوليفر سينيستيرا في كولومبيا (وهي منظمة إجرامية مُنشقة عن جماعة فارك الكولومبية)، كما تمكنت من زراعة وصناعة الكوكايين في منطقة بوتومايو على الحدود الإكوادورية الكولومبية إذ الكثير من الغابات والأدغال التي تسهل عمليات التصنيع والتهريب. 

وبناءً عليه، شهدت الإكوادور تصاعداً في أعمال العنف، مع سعي تلك العصابات المتنافسة لبسط سيطرتها، بجانب فشل الحكومة في السيطرة على الموانئ وطرق التهريب.

3. فساد أجهزة الدولة: فسرت بعض التحليلات أحداث العنف الراهنة في الإكوادور بالعلاقة بين عصابات المخدرات وأجهزة الدولة، مؤكدة أن المجازر التي تحدث داخل السجون أكبر مثال على ذلك، فوحدها هذه المافيات لديها سلطة داخل السجون، في حين لا تستطيع الشرطة فعل شيء. وأبرز مثال على هذا، هروب "فيتو" الذي كان قبل وقت قصير من نقله إلى وحدة أكثر أماناً في مجمع السجن، في مؤشر واضح على تلقيه بلاغاً بذلك من مسؤولين فاسدين.

علاوة على ذلك، أصبحت هذه العصابات، بفضل أموال المخدرات، منتشرة في كل مكان وتمتد مخالبها ليس فقط إلى الزاوية الأخيرة من المجتمع الإكوادوري، بل أيضاً إلى المؤسسات نفسها من خلال الفساد المُستفحل في أجهزة الدولة. ففي عام 2023، بدأت الشرطة التحقيق مع العديد من المسؤولين الحكوميين لصلاتهم بالمافيا الألبانية. وفي عام 2022، عوقب 25 مسؤولاً في القوات الجوية بتهمة تهريب مُعدات الرادار التي كانت تراقب نشاط عصابات المخدرات في المجال الجوي الإكوادوري. 

لهذا السبب، نددت السفارة الأمريكية وإدارة مكافحة المخدرات في كيتو مراراً بما وصفته "تخاذل" أجهزة الدولة و"تراخيها" في مواجهة عصابات تهريب المخدرات.

4. تعطيل التعاون مع واشنطن: جادل بعض الخبراء بأن إيقاف التعاون بين الإكوادور والولايات المتحدة في مكافحة المخدرات، أسهم في تفاقم قوة العصابات والجريمة المنظمة بالبلاد، بسبب قيام رافائيل كوريا، الرئيس اليساري الشعبوي الذي حكم من عام 2007 إلى عام 2017، بإغلاق قاعدة عسكرية أمريكية على الساحل، وخفض التعاون مع إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، وفكك نخبة من شرطة مكافحة المخدرات، كان قد تم تدريبها من قِبل عملاء الولايات المتحدة.

تداعيات مُهمة: 

أسفرت الأزمة الأمنية الراهنة في الإكوادور، عن عدد من التداعيات، التي يمكن استعراض أبرزها على النحو التالي:

1. إجراءات أمنية صارمة: شكل هروب "فيتو" ضربة مُوجهة لحكومة الرئيس الإكوادوري نوبوا، والذي كان مثّل الأمن أحد أهم محاور حملته الرئاسية، إذ وعد بإضعاف العصابات الإجرامية، بجانب تعزيز الإصلاحات العميقة في السجون، مع نظام تقسيم يسمح بعزل السجناء الأكثر عنفاً وخطورة.

وهذا ما يُفسر الإجراءات الأمنية المُتشددة التي اتخذها نوبوا بدايةً من نشر أكثر من 22 ألفاً و400 عسكري في دوريات برية وجوية وبحرية وعمليات تفتيش وعمليات شاملة في السجون، مروراً بتقديم مشروع قانون للبرلمان، يتعلق برفع ضريبة القيمة المضافة من 12% إلى 15% من أجل تمويل النزاع المُسلح الداخلي، وصولاً لاستدعاء الحكومة السفراء المُعتمدين لدى الإكوادور لإطلاعهم على الوضع الأمني في البلاد والاستراتيجيات المزمع تنفيذها.

2. قلق المجتمع الدولي: اجتذبت الأزمة اهتماماً كبيراً على الصعيد الدولي، إذ أصدرت بيرو مرسوماً بحالة الطوارئ في المناطق المتاخمة للإكوادور، وأمرت "بالإرسال الفوري لوحدة من القوات الخاصة لتعزيز الأمن على الحدود"، كما نصحت فرنسا وروسيا رعاياهما بعدم السفر إلى الإكوادور، أما بكين فقد أعلنت أنها علّقت النشاطات القنصلية لسفارتها في كيتو وكذلك نشاطات قنصليتها.

وفي السياق، فقد أعربت البرازيل وتشيلي وكولومبيا وبيرو عن دعمها الإكوادور، قائلةً إنها ترفض العنف، بالتزامن مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، أن الجنرال لورا ريتشاردسون، رئيسة القيادة الجنوبية الأمريكية وعدداً من كبار المسؤولين المدنيين سيزورون البلاد في الأسابيع المقبلة ليدرسوا مع نظرائهم الإكوادوريين طريقة العمل معاً بفاعلية لمواجهة التهديد الذي تشكله المنظمات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية.

وفي التقدير، يمكن القول إنه مع استمرار تردي الوضع الأمني بالبلاد، فإن التساؤل الرئيسي يبقى حول مدى نجاح الدولة في مواجهة العصابات الإجرامية واستعادة الاستقرار والأمن، كما يظل الأمر مُعقّداً بحسب العديد من المحللين الذين أكدوا أنه لا توجد حلول واضحة لهيمنة عصابات المافيا، لأن السلطات تكافح من أجل تعزيز الحلول الأمنية لتلك الأزمة، في حين أن هناك أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية تتعلق بها، وهي الأبعاد التي دفعت جزءاً من المجتمع إلى الهجرة، وجزءاً آخر للتورط بالعمل مع هذه المافيات.

كما سيكون من المهم وجود تعاون إقليمي ودولي لقطع السبل على العصابات الإجرامية للتمويل والتجارة، ولاسيما مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، والتي تُعد سوقاً لتهريب الكوكايين المهرب، لتكون الحرب على العصابات أكثر نجاعة.