التحليلات - التغيرات السياسية

احتقان قيد التفجر:

إلى أين تتجه تونس بعد تصاعد أزمتها الاقتصادية؟
الأحد، 30 مايو، 2021
احتقان قيد التفجر:

كشف توجه تونس، في 15 مايو الجاري، نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، عن عمق الأزمة المالية التي يمر بها الاقتصاد التونسي على الإطلاق، لا سيما وأنها تزامنت مع أزمة سياسية طاحنة تمر بها، إضافة إلى تفشي جائحة كورونا، التي مثلت متغيرًا صعبًا وثقيلًا على كاهل الحكومة التونسية.

وتصاعدت حدة الأداء الاقتصادي المتعثر مع فشل الإجراءات التقليدية في التحايل على الأزمة المالية. كما دخلت الأوضاع في البلاد مرحلة مناخ الشحن وسط أزمة اقتصادية عمّقتها الأزمة السياسية، والجائحة، الأمر الذي دفع الحكومة لاستنزاف احتياطاتها النقدية للجم الغضب الشعبي، والحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد.

مؤشرات كاشفة:

وصلت الأزمة المالية بالاقتصاد التونسي إلى أقصاها، وازدادت تعقيدًا في تونس مع سوء مؤشرات اقتصادية معينة، مثل معاناة القطاع السياحي في تونس الذي يشهد أزمة هي الأكثر إيلامًا على الإطلاق، وصعود التضخم، فضلًا عن الارتدادات السلبية لأزمة كورونا التي دفعت الحكومة لإغلاق شامل خلال الفترة من 9 إلى 19 مايو الجاري، وتزامنت مع عطلة عيد الفطر. وشملت الإجراءات إغلاق الأسواق ودور العبادة ومنع التنقل بين المحافظات. وفاقمت جائحة كورونا الأزمة في تونس، بعد أن وصلت أرصدة ديونها الخارجية إلى أكثر من 100 مليار دينار (ما يعادل نحو 30 مليار يورو). 

وفي خضمّ هذه التطورات السلبية، بدأت تونس في 15 مايو الجاري التوجه مجددًا نحو مخاطبة المؤسسات الدولية المانحة للحصول على مساعدات وقروض، حيث بدأت المفاوضات التقنية مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض بقيمة 4,5 مليارات دولار، وهو أعلى مبلغ تقترضه منذ الاستقلال.

وكانت تونس قد حصلت في عام 2013 على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 1,7 مليار دولار على سنتين، وفي 2016 حازت قرضًا بقيمة 2,8 مليار دولار على أربع سنوات.  وفي حالة فشل المفاوضات الراهنة مع صندوق النقد فقد تواجه تونس صعوبات سياسية واقتصادية شديدة خلال الفترة القادمة، حيث استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، وهو الأمر الذي يزيد من سخونة المشهد السياسي، ويكرس حدة الاستقطابات السياسية التي تعيشها البلاد.

أسباب متنوعة:

ثمة العديد من الأسباب التي تقف وراء تصاعد الأزمة الاقتصادية في تونس، ويمكن بيانها على النحو التالي:

1- تفشي جائحة كورونا: :على الرغم من نجاحات تونس في احتواء تفشي وباء كورونا وقت انتشاره في البلاد في مارس 2020 من خلال فرض إجرءات احترازية صارمة؛ إلا أن ضعف المنظومة الصحية، وتعقيدات الأزمات السياسية، أدى إلى الفشل في مواجهة الموجات المتلاحقة لانتشار الفيروس. وبحسب الإحصاءات الرسمية التونسية، في 18 مايو الجاري، بلغ إجمالي الإصابات المعلنة أكثر من 329 ألف إصابة بسبب الجائحة، مقابل نحو 12 ألفًا و32 حالة وفاة.  في هذا السياق، فإن مواجهة الأزمة الاقتصادية تظل مرهونة في الجانب الأكبر منها بجهود الحد من تفشي (كوفيد-19)، وهو الأمر الذي يتطلب في جوهره قدرًا كبيرًا من توحيد الجهود، وكسر حدة التشظي السياسي لضبط عقارب الساعة.

2- تناحر النخب السياسية: ألقى تصاعد حدة الأزمة السياسية، واستمرار التجاذبات السياسية بين الرئاسيات الثلاث (الرئيس، والبرلمان، والحكومة)، بظلاله على استمرار الأوضاع المعيشية المتردية، فقد مثلت الاشتباكات السياسية بين نخب الحكم في تونس، والتنافس المؤسسي بين هياكل السلطة، أحد أسباب تمدد الأزمة الاقتصادية. وهنا، يمكن فهم تصريحات قيس سعيد -الرئيس التونسي- التي أطلقها في 19 مايو الجاري في مقابلته مع "فرانس 24"، التي انتقد فيها من "يتبجحون بالإصلاح" في تونس دون تحقيقه، في إشارة بحسب المراقبين إلى حزب حركة النهضة المهيمن على البرلمان. كما جدد سعيد في 10 مايو الجاري تأكيده على أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، معلنًا رفضه توظيف بعض الأطراف -التي لم يُسمِّها- لأجهزة الدولة خدمةً لمصالحها، في إشارة إلى رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي يتولى أيضًا حقيبة وزارة الداخلية منذ أن أقال وزير الداخلية في يناير الماضي.

في المقابل، فإن الأزمة الاقتصادية الراهنة لا تنفصل عن توجه نخب السلطة التونسية نحو كثافة الاعتماد على السياسات الشعبوية، وظهر ذلك في رفض مؤسسة الرئاسة تمرير مشاريع قوانين حكومية مدعومة من الخصوم البرلمانيين، كما تحول البرلمان إلى مسرح لتصفية الحسابات بين الإسلاميين والعلمانيين في معادلة شرذمت المجتمع التونسي وتجاوزت أولوياته.

3- فشل الإجراءات التقليدية: فشلت الإجرءات التقليدية التي تبنتها الحكومة التونسية في الالتفاف على تداعيات الأزمة الاقتصادية، ومنها تبني سياسة تخفيض الأجور، وتقليص الدعم، غير أن هذه الإجرءات لم تُحرك ساكنًا، خاصة وأنها تزامنت مع اتجاه الحكومة إلى سياسة الإغلاق لمكافحة (كوفيد-19)، وتقليص حجم الأنشطة، وهو ما ترتب عليه ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب، والتي وصلت إلى نحو 15 في المائة، وتنامي معدلات التضخم إلى 4,9 في المائة ، ناهيك عن ارتفاع معدل البطالة إلى 17.8 في المائة خلال الثلث الأول من العام الحالي بعد أن كانت في حدود 17.4 في المائة خلال العام الماضي. كما أن البلاد مطالبة خلال العام الحالي 2021 بسداد ديون قيمتها 4,5 مليارات يورو. كما أنها بحاجة الى نحو 5.7 مليارات يورو للوفاء ببنود ميزانيتها للعام المالي الحالي.

4- احتمال إخفاق المفاوضات مع المانحين: تُجري تونس في الفترة الحالية محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن الحصول على حزمة تمويلية جديدة تتجاوز 4 مليارات دولار، لكن تلك المحادثات قد تكون معقدة، وغير مضمونة، لاعتبارات متعددة، منها صعود المخاوف لدى الأوساط المالية الدولية بسبب حدة الأزمة السياسية في تونس، وغياب أفق لتسوية الاحتقانات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، وحدود فعالية جهود الحكومة التونسية في مكافحة تفشي وباء كورونا، إضافة إلى أن المفاوضات الرسمية هذه المرة لا يمكن أن تبدأ إلا بعد دراسة صندوق النقد برنامج الإصلاح الاقتصادي التونسي، والذي يفتقر -بحسب مراقبين- إلى جدول زمني للإنجاز.

ولا يقتصر احتمال الفشل هذه المرة على ما سبق، فالمفاوضات الراهنة تضع الحكومة التونسية في معضلة كبيرة، بالنظر إلى الاشتراطات المحتملة التي سيفرضها صندوق النقد، ومنها تشديد التدابير المالية وسياسات التقشف، وهو الأمر الذي يواجه معارضة شعبية مستمرة في الشارع التونسي.

4- انتكاسة قطاع السياحة: يعاني قطاع السياحة الذي يُعتبر المصدر الأهم لتمويل الاقتصاد التونسي بالعملات الصعبة من انتكاسة غير مسبوقة، جراء انتشار الوباء الذي تسبب في التوقف الكلي للنشاط السياحي طوال العامين الماضيين، حيث انخفض عدد السياح الوافدين، وتراجعت العائدات السياحية.

تداعيات محتملة:

تعيش تونس تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة، فاقمتها جائحة كورونا، والتجاذبات السياسية بين أجنحة السلطة، وهو ما قد يفرز تداعيات سلبية على المشهد العام. فقد تسببت تلك الأزمة في فرض ضغوط متزايدة على الدينار التونسي، الذي فقد نحو 43 في المائة من قيمته خلال الأعوام الماضية. كما يتوقع أن يسهم استمرار الفشل في التعاطي مع إفرازات الأزمة الاقتصادية في مزيد من تراجع التصنيف الائتماني لتونس في المرحلة المقبلة، خاصة أن وكالة التصنيف الائتماني "موديز"، في تقرير لها في فبراير الماضي، خفضت تصنيف البلاد إلى "B-3"، مشيرةً إلى أن الآفاق المستقبلية سلبية، مما يساهم في اهتزاز ثقة الدول المتعاملة معها. 

في المقابل، فإن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية يُنذر بتفاقم الاحتقانات الاجتماعية، وتراجع الرصيد التقليدي لأجنحة الحكم في البلاد، خاصة مع تعاظم مخاوف التونسيين من فشل الدولة في تأمين رواتب الموظفين في الفترة الحالية والمقبلة في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية المتتالية. وهنا، يمكن فهم تجدد الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد منذ عدة شهور، وتطالب بالتشغيل والتنمية. ووفق تقرير صادر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (غير حكومي) في مارس الماضي، بلغ عدد التحركات الاجتماعية والاحتجاجات في عام 2020 نحو 8759 تحركًا احتجاجيًا، بينما وصل عدد الاحتجاجات الشعبية إلى 2675 احتجاجًا خلال الثلث الأول من عام 2021.

على صعيد ذي شأن، فإن سوء إدارة الأزمة المالية الراهنة قد يسهم في تآكل الصورة النمطية لتونس في الوعي الجمعي الدولي، ناهيك عن مردودات سلبية محتملة على استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، وتقليص جاذبية تونس كنموذج للانتقال الديمقراطي.

ختامًا، يمكن القول إنه بات من المؤكد أن الأزمة الاقتصادية في تونس قد تشهد مزيدًا من التعقيد في المرحلة المقبلة، خاصة مع اتساع نطاق تفشي وباء (كوفيد-19)، واستمرار الاحتقانات السياسية جنبًا إلى جنب مع تشعب الخلافات القائمة، ليس فقط بين التيار العلماني ونقيضه الإسلامي، بل امتدت الخلافات داخل دواليب الدولة الرسمية حول آليات وقانونية ممارسة السلطة والصلاحيات. 


الكلمات المفتاحية: تونسالاقتصاد

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات