أخبار المركز
  • د. حمود ناصر القدمي يكتب عن (فجوات الثقة: لماذا لا يزال السلام بعيد المنال في اليمن؟)
  • متاح حالياً تحليل بعنوان (خفض "الدولرة": دوافع ضم روسيا عملات جديدة لسلة "الروبل")

سيناريوهات التدخل:

تقييم الطلب المستقبلي على الجيش الأمريكي في النزاعات

21 أكتوبر، 2022


عرض: عدنان موسى

يمثل الاستعداد للصراعات المستقبلية أحد مجالات الاهتمام الرئيسية للجيوش حول العالم، والتي على أساسها يتم بناء خطط التطوير الاستراتيجية والتشغيلية للقدرات العسكرية، سواء للأفراد أو المعدات أو تحديد الأماكن التي يتم التمركز فيها. هنا، تكمن أهمية الخبرة الأمريكية لكونها قوة عسكرية عالمية مهيمنة تضع السيناريوهات المختلفة للصراعات في المستقبل من أجل تقييم القدرة العسكرية للتعامل معها، واكتشاف نقاط القوة والضعف.

وتسلط تجربة الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان الضوء على قيود أدوات تخطيط القوة العسكرية غير المتوافقة مع المشهد الاستراتيجي المتغير، ولتجنب هذه الفجوة، يحتاج المخططون العسكريون إلى أدوات أفضل تستفيد من الاتجاهات الناشئة في البيئة الجيواستراتيجية العالمية للتنبؤ بحالات الطوارئ المستقبلية لبناء وتشكيل وإعداد القوات الأمريكية بشكل استباقي لأنواع المهام التي من المرجح أن يقوموا بها في المستقبل، وللحالات الطارئة التي تشكل أكبر خطر استراتيجي على الولايات المتحدة.

في هذا السياق، نشر مركز "راند" RAND الأمريكي دراسة حول "التنبؤ بالطلب على القوات البرية الأمريكية: تقييم الاتجاهات المستقبلية في الصراع المسلح والتدخلات العسكرية الأمريكية"؛ تستهدف الدراسة تقديم تقييمات تستند إلى أسس تجريبية للطلبات المستقبلية للقوات البرية الأمريكية، من خلال طرح نموذج ديناميكي للتنبؤ يعرض التدخلات الأمريكية المستقبلية في مجموعة من السيناريوهات حتى عام 2040، وتتضمن التوقعات المستقبلية لتدخل الولايات المتحدة في النزاعات المسلحة ثلاثة أنواع رئيسية: الحروب والصراعات المحتملة بين الدول وداخلها، والتدخلات البرية الأمريكية المستقبلية، وأخيراً، تقدير القوات التي تتطلبها تلك التدخلات.

السيناريوهات الخمسة:

اعتماداً على نماذج التنبؤ الخاصة بدراسة "راند"، تم اشتقاق خمسة سيناريوهات للصراع والتدخل المستقبلي، لكلٍ منها توقعات مرتبطة بالطلب المستقبلي على القوات البرية الأمريكية على المستويين العالمي والإقليمي، هذه السيناريوهات هي: (1) سيناريو أساسي، والذي يمثل البيئة المستقبلية الأكثر احتمالاً، والتي تفترض تغييرات تدريجية في العوامل العالمية الرئيسية، (2) سيناريو الكساد العالمي، الذي يمثل آثار الانهيار الاقتصادي العالمي الدراماتيكي، (3) سيناريو المرجعية الصينية، والذي يأخذ في الاعتبار آثار التوسع الكبير في الجهود الصينية لمراجعة النظام الدولي الراهن، (4) سيناريو الجائحة العالمية، الذي يأخذ في الاعتبار آثار جائحة لمدة عامين وما ينجم عن ذلك من خسائر في عدد سكان العالم، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية، (5) سيناريو الانعزالية الأمريكية، والذي يفترض أن الولايات المتحدة تقلل بشكل كبير من مشاركتها الدولية، بما في ذلك الانسحاب من جميع التحالفات الرئيسية، والاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف والمؤسسات الدولية.

تختلف التوقعات الخاصة بالنزاع والتدخل عبر السيناريوهات الخمسة السابقة، فبالنسبة لاتجاهات النزاع المسلح، من المتوقع أن يزداد خطر الحرب بين الدول في كل من السيناريو الأساسي وغالبية السيناريوهات البديلة، ففي السيناريو الأساسي، تتركز زيادة المخاطر في أوراسيا والشرق الأوسط وتتوافق تقريباً مع زيادة حرب إضافية واحدة بين الدول كل عام؛ وهو ما يعني إعادة وتيرة الحرب بين الدول إلى ما كانت عليه في المتوسط خلال فترة الحرب الباردة، بينما لا يزال هذا العدد أقل بكثير من المستويات في حقبة ما قبل عام 1945.

في السيناريوهات البديلة، يكون خطر الحرب بين الدول أكبر في سيناريو الكساد العالمي، حيث تظهر صراعات جديدة عند نقاط الاحتكاك بين التكتلات الجيوسياسية والتجارية المنفصلة، وكذا في سيناريو المرجعية الصينية، حيث ينشأ الصراع بين مجموعة الدول التي أصبحت مرتبطة بشكلٍ وثيق مع الصين وغيرها من الدول التي لا تزال خارج مدارها.

كذا، تشير التوقعات إلى انخفاض في الصراع داخل الدول من المستويات الحالية في السيناريو الأساسي وكذلك البدائل، وينتشر هذا الانخفاض بشكلٍ عام عبر المناطق لكنه أكثر وضوحاً في شرق وجنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهي المناطق التي بها أعلى المستويات الحالية لهذا الصراع، وحتى مع الانخفاضات المتوقعة، فإن الصراع سيكون فقط عند المستوى الذي ساد في فترة نهاية التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين. الجدير بالذكر أن هذا الاتجاه يبدو قوياً عبر مختلف السيناريوهات، حتى سيناريوهات الكساد الكبير والوباء العالمي، والتي يتوقع المرء أن ترهق الدول الأقل نمواً.

التدخلات المستقبلية:

تاريخياً، تركزت التدخلات العسكرية الأمريكية في مناطق رئيسية، كأمريكا الوسطى والكاريبي، خاصة في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وأيضاً أوروبا والشرق الأوسط وشرق وجنوب شرق آسيا، حيث كانت تلك التدخلات أكثر شيوعاً، بينما كانت التدخلات البرية الأمريكية في أفريقيا نادرة، رغم حدوث زيادة طفيفة في تواترها في السنوات الأخيرة. ومنذ الحرب العالمية الثانية، تراجعت غالبية العمليات العسكرية الأمريكية في ثلاثة أنواع أساسية:

- التدخلات في الصراعات المسلحة: تشمل هذه الفئة العمليات القتالية الرئيسية، مثل حرب فيتنام والحربين العالميتين، والحروب في العراق وأفغانستان، وكذلك عمليات أصغر كما هي الحال في بنما.

- تدخلات عمليات الاستقرار: التي تشمل الجهود المبذولة للحفاظ على السلام والاستقرار وإضفاء الطابع المؤسسي عليه، سواء أثناء النزاع أو بعده مباشرة، مثل أنشطة حفظ السلام وبناء المؤسسات، على غرار العمليات العسكرية في الأجزاء اللاحقة من نزاع العراق وأفغانستان، وإعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا وآسيا، وعمليات ما بعد الصراع في البوسنة.

- تدخلات الردع: التي تهدف إلى تشكيل سلوك الحلفاء والخصوم، وحماية الحلفاء والمصالح الأمريكية الرئيسية، ومنع الحلفاء من اتخاذ خطوات قد تعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر.

وفيما يتعلق بعدد التدخلات البرية المستقبلية للولايات المتحدة والقوات المتوقع استخدامها في تلك التدخلات، فإنها تختلف أيضاً عبر السيناريوهات الخمسة المشار لها سلفاً، ففي السيناريو الأساسي، من المتوقع أن ينخفض العدد الإجمالي للتدخلات البرية للولايات المتحدة قليلاً أو أن يظل كما هو حالياً، ولا يختلف الأمر كثيراً في السيناريوهات البديلة، فلا يتوقع زيادة كبيرة في عدد التدخلات في أي سيناريو، حتى في سيناريو الكساد العالمي، فمن المتوقع أن يظل متوسط عدد التدخلات البرية للولايات المتحدة ثابتاً نسبياً مع عدد التدخلات الحالي.

ولا تزال بعض المناطق الرئيسية لديها أعلى مخاطر التدخلات البرية الأكبر للولايات المتحدة، وتتمثل في الشرق الأوسط، وأوراسيا، وشرق وجنوب شرق آسيا. ففي حالات الشرق الأوسط وشرق وجنوب شرق آسيا، ستستمر مثل هذه التدخلات في أنماط تاريخية طويلة الأمد، كما يتوقع نموذج "راند" بأنه يمكن نشر قوات أمريكية كبيرة في أوراسيا، وهو ما سيكون خروجاً استراتيجياً ملحوظاً للولايات المتحدة، ما قد يعزى إلى التوترات المتزايدة مع روسيا أو الصين أو كليهما.

متطلبات عسكرية:

في المقابل، يرجح زيادة في القوات البرية المطلوبة لتلبية متطلبات التدخلات الأمريكية المستقبلية، حيث يقترح نموذج دراسة راند طلباً يتراوح بين 100000 و425000، ويتأثر هذا الطلب بمرور الوقت بافتراضات مختلفة في السيناريوهات الخمسة، حيث يتوقع أن تكون أكبر زيادة في الطلب على القوات مع التدخلات في الصراع المسلح لسيناريوهي الكساد العالمي والمرجعية الصينية، حيث تبلغ ذروة مطالب القوات البرية الأمريكية في السيناريو الأخير، والذي يشير أيضاً إلى مسار أكثر صراعاً للعالم وزيادة الطلب على القوات الأمريكية مقارنة بالوضع الحالي لارتباطها بالمنافسة المباشرة بين القوى العظمى.

من المتوقع أيضاً أن آثار الانهيار الاقتصادي في سيناريو الكساد العالمي تكون أكثر حِدة، فغالباً ما يتم التفكير في الانهيار الاقتصادي من حيث آثاره المحلية على الأجور والتوظيف، لكن النماذج المستخدمة في دراسة راند تشير بوضوح إلى أنه إذا كان الانكماش الاقتصادي الحاد مصحوباً باضطرابات جيوسياسية وإنشاء تكتلات تجارية منافسة، فقد يكون أيضاً مرتبطاً بزيادة في العلاقات بين الدول، ومن ثم تصاعد الطلب على القوات القتالية الأمريكية، وقد تكون هناك موارد أقل لتزويد الجيش بالمعدات والتدريب والأفراد اللازمين لتحقيق النجاح؛ مما يؤدي إلى تعقيد التدخلات الأرضية للولايات المتحدة في هذا السياق.

بينما ينطوي سيناريو الجائحة العالمية على أقل تداعيات على القوات البرية الأمريكية، فعلى الرغم من وجود قلق كبير بشأن الآثار المترتبة على الوباء من منظور الاقتصاد ورفاهية الإنسان، فإن التوقعات تشير إلى آثار محدودة على المستويات المستقبلية للنزاع المسلح والردع وتدخلات الاستقرار.

وفيما يتعلق بالطلب المستقبلي المحتمل على كل من القوات الثقيلة والخفيفة، فبينما تشكل القوات الثقيلة ما يقرب من خُمس العدد الإجمالي للقوات الأمريكي المطلوبة حالياً، لكن من المرجح أن التدخلات المستقبلية ربما تكون لها مطالب أعلى على القوات الثقيلة، ففي السيناريو الأساسي، يشير النموذج إلى طلب قوات ثقيلة مساوية لعدد الذروة من القوات الثقيلة المنتشرة في العراق وأفغانستان، بمتوسط يقارب ثلثي إجمالي القوات المطلوبة؛ بما يعني زيادة بنحو 10000 من القوات الثقيلة الإضافية المستخدمة في التدخلات البرية للولايات المتحدة مقارنةً بالوضع الحالي.

من ناحية أخرى، تمثل الطبيعة التنافسية بين القوى العظمى في النظام الدولي أحد المحددات الرئيسة التي ربما تسهم في زيادة حجم التدخلات الرادعة للقوات الأمريكية، لمواجهة التهديد المحتمل من قبل الخصوم الصاعدين بهدف حماية المصالح الأمريكية وفرض رقابة على طموحات الخصوم، على سبيل المثال، هناك مناقشات جارية حول الحجم المناسب لقوة الردع الأمريكية في أوروبا الشرقية، حيث يجادل البعض بالحاجة إلى المزيد من القوات، لاسيما في أعقاب الحرب الروسية في أوكرانيا.

عمليات الاستقرار:

على الرغم من اختلاف التوقعات للسيناريوهات المختلفة في العديد من النواحي، فإنها تبدو متسقة نسبياً في إيجاد احتمال كبير بأن تجري الولايات المتحدة عمليات استقرار كبيرة Stabilization interventions في المرحلة الممتدة من الآن وحتى عام 2040، ففي السيناريوهات الأساسية والبديلة، تُظهر التوقعات باستمرار احتمالية حدوث زيادة في عملية استقرار جديدة واحدة على الأقل في كل فترة، ويتعارض ذلك إلى حدٍ ما مع التوجه الحالي السائد للتفكير الاستراتيجي للجيش الأمريكي، والذي حوَّل التركيز بعيداً عن عمليات مكافحة التمرد وأن احتمالات القيام بعمليات استقرار واسعة النطاق في المستقبل مثل العمليات في العراق وأفغانستان آخذة في التضاؤل، مقابل زيادة التركيز على القتال البري على نطاق واسع مع خصوم قريبين مثل روسيا والصين.

لكن، من غير المحتمل أن يكون عصر عمليات الاستقرار الأمريكية الكبيرة قد مضى إلى الأبد، فقد استخدم الجيش الأمريكي التجربة في العراق وأفغانستان لبناء خبرة قوية في كيفية تنفيذ عمليات الاستقرار المعقدة في المناطق الحضرية والبيئات الأخرى، كما طور الجيش عمليات محاكاة وتدريبات لإعداد قواته للعمل في هذه البيئات واكتسب المعدات اللازمة لدعم هذه العمليات، إن ترك هذه القدرة المؤسسية وضمور المعرفة من شأنه أن يقوِّض قدرة الجيش على إجراء هذه الأنواع من العمليات في المستقبل وتقليل استجابة الجيش في حالة ظهور مثل هذا الطلب مرة أخرى؛ لذا من المرجح أن يحتاج الجيش إلى الاحتفاظ بالخبرة الكافية في هذا المجال وإبقائه محدثاً مع تغير بيئة التشغيل العالمية، وتطوير استراتيجية اندفاع للتحوط ضد مخاطر مهمة. 

ختاماً، يسلط سيناريو العزلة في الولايات المتحدة الضوء على ديناميكية مهمة محتملة في ضوء المناقشات السياسية المعاصرة، ففي أعقاب الحروب الأخيرة في العراق وأفغانستان، ليس من المستغرب أن يعرب الكثير في السياسيين عن اهتمامهم بالانسحاب والحد من النشاط العسكري الأمريكي في الخارج، هناك أيضاً مخاوف بين بعض صانعي السياسات وشرائح من الجمهور حول قيود وتشابكات التحالفات، والمؤسسات متعددة الجنسيات، والاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، وقد اقترح بعض القادة أن الولايات المتحدة ستكون في وضع أفضل بدون هذه الالتزامات والعلاقات. 

مع ذلك، فإن التوقعات لهذا السيناريو تقدم ملاحظة تحذيرية فيما يتعلق بالآثار المحتملة لمثل هذه التغييرات، حيث تشير النماذج المستخدمة في دراسة راند إلى أن تقليصاً واسع النطاق لمشاركة الولايات المتحدة دولياً قد يزيد في النهاية من خطر نشوب حرب بين الدول.

المصدر

Matthew Lane, Bryan Frederick, Jennifer Kavanagh, Stephen Watts, Nathan Chandler, Meagan L. Smith, Forecasting Demand for U.S. Ground Forces: Assessing Future Trends in Armed Conflict and U.S. Military Interventions, RAND Corporation, 2022.