العروض - الدراسات

الوباء المعلوماتي:

المخاطر السيبرانية لتطبيقات كورونا على المجتمعات
الإثنين، 01 مارس، 2021
 الوباء المعلوماتي:

عرض: د. إسراء أحمد إسماعيل- خبير في الشؤون السياسية والأمنية.

أصبح دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، باعتبارها العمود الفقري للاقتصادات الرقمية، وعنصرًا حاسمًا في تمكين مستقبلٍ مستدامٍ للجميع؛ أمرًا لا جدال فيه، خاصة مع تزايد الاعتراف بدورها في تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، من خلال تعزيز الإنتاجية، وتيسير العمليات التجارية، وخلق أنواع جديدة ومختلفة من الوظائف، فضلًا عن دورها في تعزيز الحوكمة، والتصدي للفساد، وتحسين حياة الأفراد. وبالرغم من كل هذه المميزات، إلا أنها لم تمنع الاستخدام الضار للتكنولوجيا، وهو ما دفع بعض الدول لتبني سياسات تحكم استخدامها، والتي قد تكون لها عواقب سلبية غير مقصودة على المدى البعيد. 

وفي هذا الصدد، أصدر "تشاتام هاوس" تقريرًا بعنوان: "جائحة كوفيد-19 واتجاهات التكنولوجيا"، لمجموعة من الباحثين المتخصصين في القضايا الأمنية،  سلَّطت فيه الضوء على بعض مخاطر انتشار استخدام التطبيقات التكنولوجية، مع تحول المجتمعات بسرعة إلى أسلوب حياة أكثر افتراضية.

فجوة التحول الرقمي 

يُطلق على جائحة (كوفيد-19) "المسرِّع الكبير للتحول الرقمي"، وقد سعت الحكومات في دول العالم المختلفة لاستخدام التكنولوجيا الرقمية لمواجهة حالات الطوارئ الصحية، وشهدت الشركات معدلات غير مسبوقة من استخدام التطبيقات الرقمية عبر سلاسل التوريد الخاصة بها. وفي هذا الإطار، تم الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ونمذجة البيانات لرسم خريطة لانتشار العدوى، والمساعدة في احتوائها من خلال تطبيقات التتبع الإلكتروني وتحليل البيانات، إضافةً إلى تطوير آليات توصيل الخدمات عن بُعد، وتمكين بيئات العمل الافتراضية، ودعم الابتكارات الرقمية، فضلًا عن الاهتمام بتطوير البنية التحتية الرقمية.

وفي ضوء ذلك، هناك إدراك متزايد بأنه في عالم ما بعد كورونا سيتعين على الشركات والحكومات إعادة اختراع نفسها، من خلال زيادة الاعتماد على تطبيقات التكنولوجيا الرقمية، ومتابعة برامج التحول الرقمي على المدى الطويل، من أجل الحفاظ على قدراتها التنافسية على الصعيدين الوطني والدولي. وفي الوقت ذاته، كشف الاستخدام المكثف للتكنولوجيا الرقمية عن الفجوة الرقمية الآخذة في الاتساع، ليس فقط بين الشركات وبعضها بعضًا، ولكن أيضًا بين الدول. فوفقًا للأمم المتحدة، لا يتمتع ما يقرب من نصف سكان العالم بخدمة الاتصال بشبكة الإنترنت، وبالنسبة لأولئك الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المعلومات الأساسية الخاصة بالرعاية الصحية، أصبحت الفجوة الرقمية بالنسبة لهم تمثل مسألة حياة أو موت.

أزمة الديمقراطية

أتاحت أزمة كورونا فرصًا جديدة لانتشار الجرائم السيبرانية، والمعلومات المضللة، والأخبار الزائفة. وبالإضافة إلى ذلك، ثارت مخاوف جدية بشأن دور الرقابة في احتواء تفشي الفيروس، كما ثار الجدل بشأن أمننة الرعاية الصحية؛ فضلًا عن التحديات المرتبطة بالتقنيات التكنولوجية الجديدة، مثل تطبيقات التتبع الإلكتروني، التي تهدف لإعلام المستخدم بالتعرض المحتمل للعدوى، لكنها تواجه تحدي الحفاظ على خصوصية الأفراد. 

وكنتيجة لتزايد الجرائم السيبرانية وانتشار الأخبار والمعلومات المضللة، تحركت العديد من الحكومات لإدخال تشريعات لمكافحة التضليل المعلوماتي، مما أثار مخاوف بشأن استخدامها المحتمل لتضييق الخناق على حرية الصحافة والمعارضة، وكلاهما مكونان رئيسيان للديمقراطيات الوظيفية، وذلك بالتزامن مع فرض قوانين الطوارئ للتعامل مع الأزمة، بما يعمل على ترسيخ ما أطلق عليه فريدوم هاوس "أزمة الديمقراطية".

نظريات المؤامرة

أدت جائحة كورونا إلى عولمة عمليات التأثير السيبراني، التي كان الهدف الواضح منها تقويض الخصوم، من خلال تحريف طريقة تعاملهم مع الأزمة؛ حيث سعت كل من الصين وروسيا إلى تقويض الثقة في فعالية مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في مقابل تحسين صورتهما لدى الرأي العام العالمي، وزرع الارتباك ونشر الشكوك حول أصل الفيروس. 

ومن تداعيات أزمة كورونا -كذلك- انتشار نظريات المؤامرة، وانتقالها إلى الخطاب الشعبي؛ حيث تسبب تراجع الثقة في السلطات الحكومية نظرًا لسوء إدارتها للأزمة، والشكوك التي بثتها بعض الدول مثل الصين وروسيا، إضافة إلى تفكك المشهد الإعلامي الإخباري؛ إلى خلق أرضية خصبة لترسيخ نظريات المؤامرة، وأصبح كثير من الأفراد يعتمدون على المصادر المعلوماتية التي لم يتم التحقق منها وتنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، وهو ما شجّع تنامي أنشطة بعض المجتمعات الرقمية التي تعمل على نشر محتوى يُهدد السلامة العامة، مثل: "مناهضي التطعيمات" anti-vaxxers، وأنصار نظرية "كيو أنون" QAnon، وهي شبكة تدعم فكرة نظرية المؤامرة التي تروِّج لمفهوم "الدولة العميقة" التي تخطط لنسف مسيرة "ترامب" السياسية، وقد ساهمت في اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي، في يناير 2021، وصنَّفها مكتب التحقيقات الفيدرالي باعتبارها تمثل تهديدًا إرهابيًا.

لقد أوضح "الوباء المعلوماتي" infodemic المصاحب لأزمة كورونا أنه على الرغم من جهود شركات التواصل الاجتماعي حتى الآن، لكن لا تزال المشاكل قائمة في معالجة العديد من التأثيرات السلبية للنشاط السيبراني، ومن المستبعد إمكانية التخلص من هذه المشكلات ما لم تغير تلك المنصات نماذج أعمالها وسياستها بشكل جذري، وهي خطوة من شأنها أن تضر بأرباحها النهائية، وبالتالي ستسعى لتجنبها.

تغول نفوذ شركات التكنولوجيا

منذ أوائل مارس 2020، عملت حكومة المملكة المتحدة على تطوير تطبيقها الخاص بالتتبع الرقمي للتصدي للجائحة، واختارت في البداية استخدام نموذج تخزين بيانات مركزي لأنه أكثر فاعلية في تحديد انتشار الوباء؛ حيث تُرسل الهواتف المحمولة معلومات إلى خادم "سيرفر" تديره الحكومة، يعمل على تخزين البيانات في مكان واحد، أخذًا في الاعتبار العديد من وسائل حماية الخصوصية وضمان الأمن السيبراني. 

وتم تطوير الإصدار الأول من التطبيق بواسطة الوحدة الوطنية المتخصصة في الخدمات الصحية للتكنولوجيا الرقمية والبيانات (NHSX)، بالتشاور مع خبراء الأمن السيبراني في المركز الوطني للأمن السيبراني (NCSC) ومكتب مفوض المعلومات (ICO)، وبعد وقت قصير فشل التطبيق، الذي تكلف 11,8 مليون جنيه إسترليني، وأعلنت المملكة المتحدة أنها بصدد التحول إلى نموذج "جوجل" و"أبل" اللا مركزي لجمع البيانات، وتم إطلاق الإصدار الثاني من التطبيق في 24 سبتمبر 2020، وبحلول نهاية أكتوبر تم تنزيله 19 مليون مرة.

ويسلِّط هذا الموقف الضوء على اختلال توازن القوى بين الحكومات وشركات القطاع الخاص، فعلى الرغم من دفاع نشطاء حقوق الإنسان والتقنيين عن نموذج "جوجل" و"أبل"؛ إلا أنه ليس فعالًا في مواجهة انتشار الوباء مثل التطبيق الأول، وقد حجبت "جوجل" و"أبل" خدماتهما إلى أن وافقت الحكومة البريطانية على مواءمة نموذج تخزين البيانات الخاص بها مع النموذج الذي تنادي به الشركتان، والذي يشمل تخزين البيانات في هواتف المستخدمين، وقد أثار ذلك انتقادات حول نفوذ شركات التكنولوجيا التي تمكنت من فرض رؤيتها الخاصة بحماية خصوصية الأفراد على الحل الذي يعطي الأولوية للصحة العامة الجماعية، خاصة وأن شركة "جوجل" نفسها تعد جامعًا شرهًا للبيانات بشكل مركزي في بعض الأحيان حتى عندما يكون ذلك غير ضروري. 

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الدول التي اتبعت في الأصل نموذجًا مركزيًا لجمع البيانات (مثل: ألمانيا، وإيطاليا، والدنمارك، وسنغافورة) اتخذت قرارًا بالتبديل إلى نموذج "جوجل" و"أبل"، وفي هذا السياق، يصف الأشخاص المطلعون على تطوير تطبيق المملكة المتحدة كيف عمل عمالقة التكنولوجيا الأمريكيون وراء الكواليس لإقناع صناع القرار في العديد من البلدان برفض التطبيقات المحلية لصالح نموذج "جوجل" و"أبل". ومن ثمَّ فقد أظهرت هذه التطورات مدى نفوذ شركات التكنولوجيا، وضعف مستويات المساءلة والشفافية الحكومية.

الجرائم السيبرانية

لا تُعد الجرائم السيبرانية تهديدًا مرتبطًا بجائحة كورونا، وبالرغم من أن فترة بداية الجائحة شهدت زيادة كبيرة في عدد الجرائم السيبرانية؛ إلا أن وتيرة ارتكابها كانت مرتفعة حتى قبل انتشار الوباء، واستمرت في ذلك طوال فترة الأزمة. وقد سعت الجهات المسؤولة عن ارتكاب الجرائم السيبرانية في تطوير مناهجها للاستفادة من سياق الوباء، واستغلال عدد أكبر من الضحايا. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العالم يواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في وقف انتشار الفيروس، والتخفيف من عواقبه الاقتصادية الخطيرة، وهو ما سيتطلب فرض تدابير عقابية فعّالة على مختلف أنواع الجناة المتورطين في الجرائم السيبرانية، والتعاون المكثف داخل حدود الدولة الواحدة، وعبر الدول لمكافحة الجرائم السيبرانية. 

وقد أشار خبراء حقوق الإنسان إلى أن تطبيقات (كوفيد-19) تثير ثلاثة مخاطر إلكترونية رئيسية:

• جمع البيانات بشكل مركزي: حيث يتم تخزين البيانات الناتجة عن استخدام التطبيق في قاعدة بيانات واحدة، مما يتطلب ضمانات كبيرة لتجنب إساءة الاستخدام المحتملة من قِبل مراقب البيانات (سواء كانت حكومية أو من القطاع الخاص). ولذلك فضّل الخبراء الفنيون وخبراء حقوق الإنسان نموذجًا لا مركزيًا للتطبيقات، يتم فيه تخزين البيانات على جهاز المستخدم، مع تقديم المعلومات الصحية الأساسية للأفراد.

• استخدام التطبيق بشكل إلزامي: على سبيل المثال اعتمدت شركة Matrix Chambers تطبيقًا يشمل مستوى غير مسبوق من جمع البيانات الدقيقة حول الأفراد، وتم الإبلاغ بالفعل عن إصرار بعض أصحاب العمل على استخدام الموظفين للتطبيق، وهو تطور من شأنه أن يؤثر مستقبلًا على التزامات الدولة بحقوق الإنسان تجاه الأفراد.

• جوازات سفر محصنة: يرتبط ذلك بالاعتماد على التطبيق في عملية إصدار جوازات السفر للأفراد، بحيث يتم تمييز بعض حاملي جوازات السفر على أساس موقع الفرد أو المكان القادم منه أو تلقيه للقاح، وقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ فكرة الوصم، أو ممارسة أنواع جديدة من التمييز بشكل غير مباشر.

وفي هذا الإطار، أوضح التقرير وجود أربع آليات مهمة لمواجهة انتشار المعلومات المضللة عن فيروس كورونا:

1. التخفيف: إدخال برامج محو الأمية الرقمية والإعلامية، وتعزيز الخبرة في مجال السياسات الفنية والتقنية داخل الوزارات والمؤسسات.

2. الاستعداد: مراقبة الوافدين الجدد إلى سوق وسائل الإعلام، ووضع بروتوكولات للتعاون بين شركات التكنولوجيا والجهات الإعلامية الفاعلة والحكومات، والاستثمار في الاستشراف الاستراتيجي strategic foresight.

3. الاستجابة: ضمان فعالية الهياكل التنظيمية؛ بحيث تمكِّن من الاتصال الفعال داخل الحكومة وبين السلطات والجمهور، ورصد وتقييم تنفيذ السياسات، وإدارة المعلومات الوبائية.

4. التعافي: تقييم تأثير التدابير المتخذة، وأنظمة الإخطار الخاصة بالمعلومات المضللة، والنظر في العقوبات المفروضة على المسؤولين عن نشر هذه المعلومات.

مسارات التحرك المستقبلية

لقد أظهرت جائحة كوفيد-19) مدى أهمية التقنيات الرقمية، وبالنسبة لملايين الأشخاص الذين انتقلوا إلى أسلوب حياة افتراضي، تعددت فوائد هذا التحول، وكذلك المخاطر، وأصبح الوصول إلى نهج سليم فيما يتعلق بالسياسات المنظِّمة لاستخدام التكنولوجيا عملية معقدة بسبب الوباء؛ حيث وجد صناع القرار أنفسهم مضطرين إلى الاستجابة بشكل سريع وحاسم للتحديات الهائلة التي ظهرت مع الأزمة، مع الاعتراف بوجود قدر كبير من عدم اليقين فيما يتعلق بالعواقب طويلة المدى لهذه الاستجابات، وهو ما يبرز الحاجة إلى استعادة المواطنين في كثير من دول العالم الثقة في التدابير والسياسات الحكومية المتخذة خلال حالات الطوارئ الصحية، أو أي نوع آخر من حالات الطوارئ. 

لقد أظهرت أزمة كورونا مدى احتياج الأفراد إلى الثقة في قدرة الحكومات على حمايتهم، واحترام حقوقهم وخصوصيتهم في الوقت نفسه، من خلال ضمان موثوقية المعلومات التي يتلقونها. كل ذلك يتطلب اتباع نهج شفاف وقائم على الأدلة، نهجٍ يعتمد على التعاون على الصعيدين الوطني والدولي، بدلًا من الاستجابات الأحادية المنعزلة.

وبالنظر إلى أن العالم يتطلع إلى مستقبل يتم فيه السيطرة على جائحة كورونا، وفي ظل تغلغل التكنولوجيا بشكل هائل في كافة مناحي الحياة، فقد ساعد الوباء في تسليط الضوء على أهمية تطوير وتنفيذ سياسات تراعي القيم التي تحمي حقوق الإنسان، وتعمل في الوقت ذاته من أجل الصالح العام.

المصدر: 

Joyce Hakmeh, Emily Taylor, Allison Peters, and Sophia Ignatidou, “The COVID-19 Pandemic and Trends in Technology”, Chatham House, 16 February 2021.

الكلمات المفتاحية: المخاطرالتكنولوجياكورونا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات