التحليلات - التغيرات السياسية

هزة ارتدادية:

تحديات ما بعد فوز "قيس سعيد" برئاسة تونس

الثلاثاء، 15 أكتوبر، 2019
هزة ارتدادية:

أفضت نتائج الانتخابات التونسية في 2019 إلى العديد من الدلالات التي تؤكد ضيق الناس بمنظومة الحكم التي تصدّرت المشهد بعد 2011، مثل: ظهور نمط التصويت العقابي، وتراجع المشاركة السياسية خاصة لدى فئات الشباب التي عبرت عن نفسها طوال السنوات الماضية بالاحتجاج وتنظيم المظاهرات للتعبير عن ضيقها من ممارسات النخبة السياسية قبل أن تعود فاعليتها في جولة الإعادة لصالح "قيس سعيد".

نتائج الانتخابات:

تؤكد النتائج أن "قيس سعيد" لم يكتفِ بتحقيق نجاح باهت للعبور إلى قصر قرطاج، ولكنه حقق انتصارًا كاسحًا كسر من خلاله الأرقام القياسية لحالات الديمقراطيات الناشئة، فقد حصل "سعيد" على ما يقارب مليونين وثمانمائة ألف صوت، وهو ما يقترب مما حصّلته الأحزاب مجتمعة في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وفي هذا السياق، أشارت نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعلن عنها رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات "نبيل بفون" إلى فوز المرشح الرئاسي "قيس سعيد" في جولة الإعادة بنسبة 72.7% على منافسه "نبيل القروي" الذي حصل على 27.29%. وقد عمت الاحتفالات أرجاء تونس فور إعلان مؤسسات سبر الآراء عن تقدم "سعيد" بنسبة كبيرة على منافسه عقب غلق اللجان الانتخابية مباشرة؛ إذ يعتبره الشباب امتدادًا لثورة 2011، واستلهم "سعيد" شعار حملته الانتخابية "الشعب يريد" من الثورة وأجوائها. وقد بلغت نسبة المشاركة في جولة الإعادة 55%، متجاوزة التخوفات التي أُثيرت بشكلٍ كبير في المجتمع التونسي عن إمكانية تراجع نسب المشاركة في جولة الإعادة بعد تراجعها في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية إلى 45%، ووصولها في الانتخابات التشريعية إلى 41.3%.

وأبرزت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "سيجما كونساي" أن حوالي 90% من الشباب في الفئة العمرية (18-25) قد صوتوا لصالح "سعيد". وقد منح 87% ممن يحملون شهادة جامعية أصواتهم لصالح "قيس سعيد" فيما صوَّت حوالي 58% ممن لا يحملون أي شهادة تعليمية لصالح "القروي".

عوامل الفوز:

أبرزت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية استعادة فئة الشباب ثقتها في المنظومة السياسية من خلال المشاركة الكثيفة لصالح "سعيد" الذي تمكن من تعبئتهم مرة أخرى بعد أن كانوا مقاطعين؛ حيث مثَّل فوزه في الجولة الأولى مفاجأة لهم، وهو ما زادهم إصرارًا على تحدي المنظومة التقليدية في جولة الإعادة. ويرتبط اتصال "سعيد" بفئات الشباب ومشاركتهم همومهم وأفكارهم بعمله كأستاذ للقانون الدستوري في الجامعة التونسية الذي ساعده على التواصل المباشر معهم؛ إذ قامت حملته الانتخابية على مجموعة من طلابه السابقين الذين سارعوا بالتطوع في الحملة الانتخابية وتكوين التنسيقيات الإلكترونية والصفحات الاجتماعية لدعم "سعيد". وتشير التحليلات إلى أن ثلث من صوت لصالح "سعيد" لم يشارك في الانتخابات التشريعية 2019.

ومثَّل رهان "القروي" على طبقة الفقراء والمهمشين عامل ضعف؛ إذ لا يُمكن الاعتماد على هذه الطبقات في جولات الحسم، خاصة عند الأخذ في الاعتبار المستوى التعليمي والثقافي الذي يتميز به المجتمع التونسي.

على صعيد آخر، لم يحصل "القروي" على دعم أيٍّ من المرشحين والأحزاب باستثناء حزبه "قلب تونس" وذلك لارتباط اسمه بقضايا فساد وتهرب ضريبي، في حين حصل "سعيد" على دعم أكبر الأحزاب الحاصلة على أكبر عدد من المقاعد في مجلس نواب الشعب الممثل في حركة النهضة التي فازت بـ52 مقعدًا، وحركة الشعب التي فازت بـ16 مقعدًا، والتيار الديمقراطي الذي فاز بـ22 مقعدًا، إضافة إلى عددٍ من مرشحي الرئاسة السابقين.

مشروع "سعيد" السياسي:

يقوم مشروع "سعيد" السياسي على الحرية وتبني مطالب الثورة، ورفض المنظومة الحزبية بأكملها. كما أنه يرفض المثلية الجنسية، ويُعارض المساواة في الإرث باعتبار تقسيم الإرث نصًّا قرآنيًّا واضحًا لا محل للجدل حوله. وارتكز برنامجه الانتخابي على فلسفة الحكم المحلي، والتوسع في اللا مركزية التي تتطلب توزيع السلطة على المستويات الإدارية الأقل، وبالتالي يقوم مشروع "سعيد" السياسي على الديمقراطية المحلية. واعتبر البعض أن مواقفه من الأحزاب والمجالس التشريعية التقليدية طوباوية؛ إذ إنه لا يمتلك الأداة أو الفاعلية لتطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع. ورغم أن "سعيد" لم يكن يمتلك برنامجًا انتخابيًّا واضحًا؛ إلا أن ذلك جعل الناس تقتنع به، ورفع من أسهمه لديهم لأنه كان صريحًا معهم، ولم يقدم لهم وعودًا زائفة كعادة مرشحي الانتخابات والأحزاب التقليدية. 

وفيما يتصل بالسياسة الخارجية، تقوم فلسفته على دعم القضية الفلسطينية وأهمية الوحدة المغاربية، وتطلعه لإعادة ربط تونس بمحيطها المغاربي، وهو ما عبر عنه بتطلعه لزيارة الجزائر كأول وجهة خارجية له، وكذلك العمل للإسهام بفاعلية في حالة ليبيا. ويعتبر "سعيد" أن علاقة تونس بالاتحاد الأوروبي تقوم على المصالح المتبادلة، أي إنه لا أفضلية لطرفٍ على الآخر، فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى تونس كما تحتاج هي له. ومن المتوقع أن تشهد العلاقات التونسية- الفرنسية توترًا، خاصة أن "سعيد" يؤمن بمبدأ السيادة بشكلٍ مفرط وفق تصنيف الصحف الفرنسية له.

التحديات الأساسية:

أفرز فوز "سعيد" العديد من التحديات التي يُمكن أن تواجهه خلال الفترة المقبلة، وهي:

1- معضلة تشكيل الحكومة: من المتوقع أن يُكلف "سعيد" فور حلفه اليمين الدستورية حزب حركة النهضة بتشكيل الحكومة باعتباره حزب الأكثرية؛ حيث ينص الدستور التونسي على تكليف المتحصل على أكبر عدد من المقاعد بتشكيل الحكومة، وفي حال فشل حزب الأكثرية يقوم رئيس الجمهورية باختيار الشخصية الأقدر، وفي حال فشلت هذه المرحلة يتم حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة. وأبرزت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة حجم التفتت الحزبي؛ حيث تصدر حزب حركة النهضة الأكثرية بعدد 52 مقعًدا، يليه مباشرة حزب "قلب تونس" الذي يرأسه "نبيل القروي" وحصل على 33 مقعدًا. ويحتاج حزب حركة النهضة إلى 109 مقاعد لضمان تشكيل الحكومة مما سيجبره على الانفتاح على القوى السياسية الأكبر. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تقاربًا بين "سعيد" وحزب حركة النهضة، خاصة أن النهضة قامت بدعم "سعيد" خلال جولة الإعادة.

2- صلاحيات رئيس الجمهورية: تعتبر التحليلات أن صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية التي أقرَّها الدستور التونسي من أكبر التحديات التي تناساها "قيس سعيد"، ومن المتوقع أن يُضعف هذا التحدي شعبيته لعدم قدرته على الوفاء بمبادراته التشريعية التي طرحها أثناء الحملة الانتخابية. ويميل الدستور التونسي إلى إضعاف سلطات رئيس الدولة مقابل مضاعفة صلاحيات رئيس الحكومة الذي تمتد مهامه إلى الخدمات، والاقتصاد، والخطط الحكومية، والتعليم. فيما تقتصر مهام رئيس الجمهورية على قضايا الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. ويفرض هذا الخلل على "سعيد" التطلع إلى وصول شخصية متعاونة ومتفاعلة مع مشروعه السياسي إلى رئاسة الحكومة. ومن المتوقع أن يفشل "سعيد" في تطبيق رؤيته المثالية التي يتبناها. ويُمثل موقف "سعيد" من الأحزاب والقوى السياسية التقليدية عامل ضعف وتحديًا في الوقت نفسه. وقد أبدى "سعيد" رغبته في تعديل النظام الدستوري لتقوية سلطات رئيس الجمهورية وتعزيز الحكم المحلي، وهو ما يُمكن أن يحدث في حال تعثر تشكيل الحكومة جراء الاستقطاب الحاد. حيث سترفض الأحزاب الموافقة على تعديل الدستور الذي يتطلب موافقة الثلثين. لذلك يرى البعض أن على سعيد التعامل مع المنظومة الحزبية لتكوين أغلبية برلمانية مساعدة وليست معطلة لضمان نجاح مشاريعه، خاصة أن الناخب التونسي يتطلع لتجاوز أوضاعه الاقتصادية المتدهورة منذ 2011؛ حيث وصل معدل التضخم في البلاد إلى 6.8%، وتجاوزت البطالة حد 15.3%. 

3- رؤى مثالية: يعتبر المتابعون أن خطاب "سعيد" انطوى على أفكارٍ ورؤى مثالية تقوم على البراءة والطموح وممارسة الأخلاق في السياسة رغم أن اللعبة السياسية نفسها لا تعترف بالقيم من الأساس، وقد يُمثل ذلك تحديًا كبيرًا له عند الاصطدام بواقع التطبيق. وقدَّم سعيد خلال حملته الانتخابية العديد من المواقف الأخلاقية، مثل مطالبته بالإفراج عن منافسه "القروي" الذي كان موقوفًا في تهم ترتبط بالفساد والتهرب الضريبي، وقد أعلن "سعيد" أنه لن يشارك في الحملة الانتخابية بجولة الإعادة لغياب مبدأ تكافؤ الفرص مع منافسه، إضافة إلى رفضه أي تمويل واعتماده على المتطوعين والجهود الذاتية، وإصراره على رفض دعم الأحزاب له لضمان الاستقلالية، وألا يكون رهن أي جهة ماليًّا أو سياسيًّا.

إجمالًا؛ بات من المؤكد أن تشهد تونس في مرحلة ما بعد انتخابات 2019 -سواء التشريعية أو الرئاسية- إعادة تشكيل لخريطتها السياسية، خاصة أن نتائج الانتخابات التشريعية أبرزت تركيبة أكثر تعقيدًا للخريطة السياسية برمتها.

الكلمات المفتاحية: تونسقيس سعيدنبيل القروي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات