التحليلات - التطورات التكنولوجية

"البطالة التكنولوجية":

مستقبل الوظائف في عصر الروبوتات والأتمتة الذكية

الأحد، 22 يناير، 2017
"البطالة التكنولوجية":

يشهد العالم اليوم بزوغ فجر الثورة الصناعية الرابعة (Fourth Industrial Revolution)، التي اقتحمت فيها الثورة الرقمية أسواق العمل في كافة القطاعات الاقتصادية من خلال ابتكار وظائف جديدة بمهارات جديدة، أصبحت فيها الأتمتة الذكية (Intelligent Automation) والروبوتات هي القوة العاملة الجديدة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ارتفاع عدد الروبوتات الصناعية العاملة في جميع أنحاء العالم إلى نحو 1.6 مليون وحدة في عام 2015، هذا فضلا عن احتمالية زيادتها مليون وحدة إضافية بحلول عام 2019.

أضف لذلك، فقد شهد عام 2015 ارتفاع مبيعات الروبوتات الصناعية بنسبة 15% عن العام السابق له، وكانت الحصة الأكبر من نصيب الصين التي بلغت نسبة مبيعاتها حوالي 27% من إجمالي مبيعات الروبوتات الصناعية للعام ذاته، تليها دول الاتحاد الأوروبي بحوالي 20%. وبشكل عام، يتبين لنا أن 75% من إجمالي حجم مبيعات الروبوتات الصناعية في عام 2015 ذهبت إلى خمس دول هي: الصين، وكوريا الجنوبية، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وذلك وفقًا لأحدث تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للروبوتات (IFR) لعام 2016(1)

ولعل ذلك يثير تساؤلات عديدة حول مستقبل أسواق العمل والوظائف، وكيفية مواجهة تداعيات انتشار الروبوتات والأتمتة الذكية عليها، خاصة مع ما قد تسفر عنه من بطالة تكنولوجية، أي تلك التي تنتج عن الاستخدام الكثيف للتقنية في المجتمعات,

 اتجاهات الانتشار

يمكن تعريف الروبوتات الصناعية بأنها تلك الآلة التي يتم التحكم فيها أوتوماتيكيًّا من خلال البرمجة لتأدية العديد من الوظائف، والتي قد تكون إما ثابتة أو متحركة لاستخدامها في تطبيقات الأتمتة الصناعية.

 وعن أهم القطاعات التي تستخدم الروبوتات الصناعية، نجد أن حوالي 70% من تلك الروبوتات تعمل في مجال صناعة السيارات والصناعات الكهربائية والإلكترونية، وصناعة المعادن والآلات. وتجدر الإشارة إلى أنه تم استخدام ما يقرب من 135 ألف روبوت صناعي (Industrial Robots) خلال السنوات الست الماضية (2010-2015) في قطاع الصناعة الأمريكية، أغلبها في صناعة السيارات، وهي تعد بذلك في المرتبة الثانية بعد اليابان، وفقًا لتقرير الاتحاد الدولي للروبوتات (IFR).

 ويوضح هذا التقرير أيضا أن المتوسط العالمي لكثافة استخدام الروبوتات في أسواق العمل لعام 2015 بلغ 69 روبوتًا لكل 10 آلاف موظف، وذلك في قطاع الصناعات التحويلية، وأن أكثر الأسواق كثافة في استخدام الروبوتات هي كوريا الجنوبية مدفوعة بزيادة استخدام الروبوتات في صناعة الإلكترونيات والصناعات الكهربائية وكذلك صناعة السيارات، تليها سنغافورة، واليابان، وألمانيا.

في الوقت نفسه، يشير تقرير أصدرته مؤسسة ماكنزي (McKinsey Global Institute) في يوليو 2016، من خلال تحليل أكثر من 800 مهنة في سوق العمل الأمريكي، إلى أن من أكثر المهن المعرضة لخطر الأتمتة واستخدام الروبوتات هي تلك التي تقع ضمن قطاعات الصناعة (59%) والخدمات الغذائية (73%) وتجارة التجزئة (53%) وقطاع الإقامة والفندقة (73%)؛ حيث تشهد تلك القطاعات تقدمًا ملحوظًا على المستوى التقني والتكنولوجي، مما يعرضها لخطر الأتمتة بنسب كبيرة(2).

على الجانب الآخر، فإن هناك مجموعة كبيرة من الأنشطة التي تقل احتمالية تعرضها للأتمتة، وأن تحل الروبوتات محل البشر فيها، وبصفة خاصة تلك التي تنطوي على إدارة وتطوير الموارد البشرية (9%) أو المهن التي تستلزم تطبيق الخبرات في صنع القرار والتخطيط، والعمل الإبداعي (18%). وينطبق الأمر كذلك على كافة الأنشطة المرتبطة بالعمل المعرفي والإبداعي، مثل العمل في مجال البرمجيات والمواد الترويجية والإعلانات. وتتجلى أهمية التفاعل البشري بشكل واضح في قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، حيث تنخفض احتماليات الأتمتة فيهما بشكل كبير.

أما فيما يخص الدول النامية، فأنها لا تزال بعيدة عن إنتاج تلك التكنولوجيا أو المساهمة في الابتكارات المتتالية التي يشهدها ذلك المجال، فهي تقف موقف المستخدم، إلا أن انخفاض تكاليف إنتاج تلك التكنولوجيا الحديثة، وتطبيقها بصورة أكثر شيوعًا، قد يجعلها تنتشر بسرعة كبيرة خلال السنوات القليلة القادمة، الأمر الذي يستدعي الاستعداد اللازم لمواجهة التداعيات السلبية لاستخدام تلك التكنولوجيا في سوق العمل، خاصة في ظل حساسية اقتصاداتها لتلك التداعيات، لأن معظمها لا يعتمد على مجموعة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية، كما أنها تعتمد على نمط التشغيل كثيف العمالة.

 أضف إلى ذلك، أن نسبة كبيرة من القوة العاملة في الدول النامية تتشكل من أصحاب المهارات المتدنية الذين يحصلون على مستويات منخفضة من التعليم، الأمر الذي يعرِّض تلك البلدان -بشكل غير مسبوق- لاحتمالات ارتفاع معدلات البطالة، وفقدان الوظائف، وعدم المساواة في الأجور. ومن ثم فهي تحتاج لتحول استراتيجي من أجل مواكبة التقدم التكنولوجي بل واكتساب ميزة تنافسية(3).

تداعيات محتملة

على الرغم مما تتيحه الثورة الرقمية من فرص واسعة أمام الإبداع والابتكار في كافة المجالات وتسهيل حياة البشر، إلا أنه من المتوقع أن يكون لها العديد من التداعيات على أسواق العمل والتوظيف خلال السنوات المقبلة، ومن أبرزها:(4) 

1- تزايد احتمالية فقدان الوظائف: حيث يرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أن استخدام الأتمتة الذكية والروبوتات من المتوقع أن تحل محل الإنسان في العديد من المجالات والوظائف، وبصفة خاصة في الوظائف الروتينية (Routine jobs) وتلك التي تحتاج إلى مهارات منخفضة (Low Skilled)، الأمر الذي يعني فقدان العمال في تلك التخصصات لوظائفهم، وإحداث ما يمكن تسميته بالبطالة التكنولوجية (Technological Unemployment)، أي فقدان فرص العمل نتيجة للتطور التكنولوجي. 

وبناءً عليه، أشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف إلى أن الروبوتات ستحل محل 5 ملايين وظيفة بحلول عام 2020. في حين توقعت إحدى الدراسات التي قام بإعدادها كل من كارل فراي ومايكل أوزبورن من جامعة أوكسفورد في عام 2013، بعنوان "مستقبل التوظيف،" أن نحو 50% من الوظائف سوف تختفي خلال الأربعة أو الخمسة عقود القادمة(5). إلا أنه ينبغي الانتباه إلى وجود فروق بين الدول في حجم العمالة التي تقع في خطر الأتمتة واحتماليات فقدان الوظائف، وذلك وفقًا لعدة معايير من بينها اعتماد اقتصادات تلك الدول على التكنولوجيا والاستثمار فيها، وكذلك نوعية القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد وكيفية تنظيم وإدارة الأعمال، وأخيرًا حجم وتشكيلة المهارات المتوفرة في القوة العاملة.

ومن أبرز الأمثلة على دور الروبوتات في فقدان العمال لوظائفهم ما قامت به شركة (Foxconn) في عام 2016، وهي من أكبر الشركات العاملة في مجال الإلكترونيات على مستوى العالم، حيث قلصت حجم العمالة فيها من خلال الاستغناء عن 60 ألف عامل، لتحل الروبوتات وتكنولوجيا التصنيع الحديثة محلهم في أداء المهام الروتينية المتكررة. كما نوهت الشركة إلى أنها سوف تعتمد على التدريب، وتمكين الموظفين من امتلاك المهارات ذات القيمة المضافة لعملية التصنيع، مثل مهارات البحث والتطوير، ومراقبة عمليات الإنتاج، ومراقبة الجودة(6). 

2- التأثير على حجم ونوعية فرص العمل المتاحة: قد يترتب على التكنولوجيا الرقمية كذلك انخفاض حجم فرص العمل المتاحة على المستوى الكلي، وإحداث تغيير نوعي في الفرص المتاحة، حيث ينخفض الطلب على الوظائف الروتينية وذات المهارات المنخفضة، في حين يتزايد الطلب على الوظائف التي تتطلب مهارة عالية أو متوسطة، مثل الوظائف المرتبطة بالتعامل مع البيانات والمعلومات الجديدة، وحل المشكلات التقنية، وتلك التي تحتاج إلى مهارات التعامل مع الآخرين ويصعب أتمتتها(7). كما أن وتيرة هذا التغيير ستصبح أسرع من أي وقت مضى، ففي الوقت الحالي نجد أن العديد من المهن أو التخصصات عالية الطلب لم تكن موجودة منذ عشر سنوات ماضية. 

3- اتساع الفجوة في المهارات وعدم المساواة: ففي ظل فقدان الوظائف وانخفاض حجم فرص العمل المتاحة، من المتوقع أن يواجه الاقتصاد الاستقطاب المتزايد في أسواق العمل وازدياد التفاوتات، وهو ما يرجع في جانب منه إلى أن التكنولوجيا تُعزِّز المهارات العالية، لكنها تحل -في الوقت نفسه- محل الوظائف الروتينية، فتجبر الكثير من العمال على التنافس على الوظائف الأقل أجرًا. ومن ثم، تنخفض أجور تلك العمالة بشكل كبير، على حساب زيادة أجور العمالة عالية المهارة بشكل أكبر نتيجة لارتفاع الطلب عليها. الأمر الذي من شأنه طرح العديد من التساؤلات حول عدالة الأجور، وحقوق العمال، والحصول على الحماية الاجتماعية. وإجمالا قد يصاحب تلك الفجوة في المهارات وعدم المساواة في الأجور بعض التداعيات السياسية والاجتماعية، وهو ما يستدعي تدخل كافة الشركاء داخل الدول، بما فيهم المؤسسات التعليمية وشبكات الحماية الاجتماعية لمواجهة تلك الآثار السلبية(8).

 استراتيجيات استباقية

بناءً على ما سبق، اهتم عدد كبير من المؤسسات والمنتديات الاقتصادية (منظمة العمل الدولية، والمنتدى الاقتصادي الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدولي) بإعداد الدراسات وتقديم التوصيات اللازمة لدعم صانعي السياسات والمؤسسات بل والأفراد نحو اتخاذ الخطوات اللازمة للتعامل بشكل استباقي مع آثار تلك الثورة التكنولوجية، ومن أبرز هذه التوصيات ما يلي(9).

1- تحديث التعليم: وهو يعد من الحلول التي تستغرق فيها الإصلاحات سنوات طويلة لتؤتي ثمارها، وبشكل عام تقع المسئولية على عاتق الحكومات في تحديث المنظومة التعليمية بشكل مستمر لتصبح قادرة على توقع المهارات المستقبلية بشكل استباقي، والعمل على تضمينها في المناهج التعليمية لإكساب الطلاب المهارات اللازمة للتوافق والتكيف مع سوق العمل المستقبلي، ومنها: مهارات المعرفة الرقمية (Digital know-how)، والإبداع والابتكار، والمهارات الإدارية والقيادة، وريادة الأعمال، وحل المشاكل المعقدة (Complex Problem solving)، هذا بالإضافة إلى التوسع في الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية في تقديم الخدمات التعليمية(10).

2- التدريب مدى الحياة (Life long Training): حيث يجب أن تهتم الشركات وأصحاب الأعمال بالتدريب المستمر للعاملين خلال فترة عملهم، وإكسابهم المهارات اللازمة لأداء الأعمال، وتحقيق التوافق بين الإنسان والآلة بالشكل الذي يعمل على زيادة الإنتاجية، هذا بالإضافة إلى أهمية ترسيخ ثقافة التدريب بشكل عام، من خلال تقديم منح تدريب الطلاب على الصناعة أو ما يعرف بالتلمذة الصناعية (Apprenticeships)، وكذلك التدريب المهني وغيرها. 

3- التوجه نحو العمالة المرنة أو السائلة (Liquid Workforce): وهو ما يعني قدرة العمالة على تحديث ذاتها، والتكيف مع احتياجات سوق العمل من خلال اكتساب المهارات اللازمة لذلك، وكذلك إرساء ثقافة المرونة في التنقل والتناوب من عمل لآخر وفقًا للمهارات واحتياجات العمل(11). 

ختامًا يمكن القول إن التحول نحو استخدام الروبوتات والأتمتة الذكية لم يعد خيارًا، حيث إن التوسع في الاعتماد عليها أصبح إحدى سمات الثورة الصناعية الرابعة، الأمر الذي يستدعي ليس فقط استخدامها بل امتلاك المهارات والقدرات اللازمة لتطبيقها في كافة القطاعات الاقتصادية، والاستفادة من المزايا التي تقدمها في تسهيل الأعمال وزيادة الإنتاجية، مع الأخذ في الاعتبار أهمية مواجهة التداعيات السلبية لتلك الابتكارات من خلال الإعداد الجيد لسوق العمل لتحقيق التوافق الكفء بين الإنسان والآلة، وإعداد المواطنين لوظائف المستقبل في ظل الثورة الرقمية. 

هوامش:

1) World Robotics Report 2016، IFR press release، September 29، 2016، http://www.ifr.org/news/ifr-press-release/world-robotics-report-2016-832/.

2) Michael Chui، James Manyika، and Mehdi Miremadi، “Where machines could replace humans—and where they can’t (yet)،” McKinsey Global Institute، July 2016.

3) Jae-Hee Chang and Phu Huynh، “ASEAN in Transformation: The Future of Jobs at Risk of Automation”، Bureau for Employers’ Activities، Working Paper، No9، International Labour Organization، July 2016، PP1-2. 

4)“Automation and Independence Work in a Digital Economy”، Policy Brief on the Future of Work، OECD، May 2016، p1.

5) Carl Benedikt Frey and Michael A. Osborne، “THE FUTURE OF EMPLOYMENT: HOW SUSCEPTIBLE ARE JOBS TO COMPUTERISATION”، Oxford Martin School Working Paper، September 17، 2013، http://www.oxfordmartin.ox.ac.uk/downloads/academic/The_Future_of_Employment.pdf

6) Jane Wakefield، “Foxconn replaces '60،000 factory workers with robots'’، BBC، 25 May 2016، http://www.bbc.com/news/technology-36376966.

7) “Automation and Independence Work in a Digital Economy”، Policy Brief on the Future of Work، OECD، Op. cit، p1-2.

8) Ibid، pp 3-4.

9) "People first: The Primacy of People in a Digital Age”، Accenture Technology Vision 2016، PP 26-32.

10) “From Brawn to Brains: The Impact of Technology on Jobs in the UK”، Delloitte، PP 1-2.

11) “People first: The Primacy of People in a Digital Age”، Accenture Technology Vision 2016، Op. cit، PP 26-32.

الكلمات المفتاحية: الروبوتاتالوظائفالأتمتة

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات

المركز في الإعلام

صحيفة الشروق:

تأثير الأوضاع السياسية فى المنطقة العربية على قطاع التعليم

العين الإخبارية :

واشنطن: إطفاء ناقلات النفط الإيراني لأجهزة التتبع "تصرف خطير"

صحيفة الشروق

اقتراب حذر فى العلاقات الفرنسية ــ الروسية