العروض - الدراسات

التجربة الألمانية:

آليات وشروط تحقيق "الغفران السياسي" في المجتمعات

الأحد، 22 سبتمبر، 2019
التجربة الألمانية:

عرض: باسم راشد - باحث في العلوم السياسية

رغم الإجماع حول حجة "حنَّا أرندت" التي قدمتها منذ أكثر من نصف قرن بأن "المغفرة هي إحدى الكليات البشرية التي تجعل التغيير الاجتماعي ممكنًا"؛ إلا أن تلك المسألة لا تزال تشغل مساحة جدلية واسعة عند تطبيقها على أرض الواقع؛ حيث لا يوجد إجماع حول الأسئلة الرئيسة الخاصة بها من قبيل: من تجب مسامحته؟ ومن له الحق في أن يغفر لمن؟ وعلى ماذا يمكن الغفران؟ وإلى متى تظل نافذة الغفران مفتوحة؟ ولماذا الغفران من الأساس؟

وقد مثّلت تلك التساؤلات الجدلية محور دراسة "مولي أندروز" المعنونة "البناء السردي للغفران السياسي" الصادرة عن الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي في نوفمبر 2018، والتي تحاول من خلالها الباحثة الإجابة عليها بالتطبيق على سياسات التسامح في ألمانيا الشرقية من خلال مقابلات مع عديد من فئات المجتمع المختلفة، حيث كانت هذه القضايا موضع خلاف لأكثر من 25 عامًا.

جدلية الغفران السياسي

تؤكد "أندروز" أنه لتحديد من يستحقون الغفران لا بد بدايةً من التفرقة بين المخالفات الشخصية وبين الإجراءات التي نُفذت بأمر من السلطة "السلطوية" المفرطة. فبالنسبة للعديد من الألمان الشرقيين لا تعد فئتا الجاني والضحية واضحة تمامًا؛ إذ هناك مرتكبون حقيقيون للجرائم وضحايا حقيقيون، لكن بينهم "الكثيرين الآخرين" المنتشرين في مختلف هياكل الدولة.

وتشير الكاتبة إلى أن أغلب من قابلتهم اتفقوا مع هذا الشعور؛ وحتى لو جادل المرء بأن الموظفين الرسميين والمخبرين في هيئة شتازي (وزارة أمن الدولة) الألمانية مثلًا، يُعتبرون من الجناة لأنهم تعاونوا بنشاط مع الدولة، إلا أن عملهم لم يكن يمكن أن يتحقق إلا بسبب عدم وجود مقاومة من معظم السكان، أو قبول صامت للانتهاكات من "الكثيرين الآخرين" في المجتمع. 

ويعطي وجود الدولة السلطوية مبررًا للكثير من الأشخاص الذين ارتكبوا مخالفات لأنه يشكل عقبة فعَّالة أمام محاسبة الأشخاص على مخالفاتهم بما يعقّد إمكانية الغفران نفسها. أما بالنسبة لمسامحة المواطنين الذين تعاونوا مع نظام ظالم فإنها لا يمكن أن تنشأ إلا بعد استبدال الحكومة بمجموعة من الترتيبات فقط، وتحديد هل كانوا شركاء في الظلم أم كانت لديهم المعرفة والحرية لمنع الأخطاء أو مقاومتها لكنهم لم يفعلوا ذلك.

وفي هذا الإطار، طرحت الدراسة اتجاهين من واقع المقابلات الشخصية؛ الاتجاه الأول يدعو إلى العفو المعنوي عن الجناة على أساس أن الأخطاء التي ارتكبوها قد تمت معاقبتهم عليها من قبل الدولة. فيما يؤكد الاتجاه الآخر أن هناك ضرورة أخلاقية للمساءلة الفردية، وأن هناك شروطًا لمسامحة الجناة الحقيقيين، خاصة هؤلاء من ذوي المناصب وأصحاب القرارات وليس الأشخاص الآخرون الذين كانوا مضطرين للتعامل مع الدولة وليست لديهم القدرة على مقاومتها.

عناصر الغفران السياسي

تطرح الكاتبة نموذج "شيفر" للغفران الذي تحدث عنه عام 1995، حيث أكد وجود أربعة عناصر أساسية للغفران، وهي:

أولًا- أن يكون هناك اتفاق بين الطرفين على ارتكاب خطأ ما من أحدهما.

ثانيًا- أن المغفرة تتطلب الصبر بدلًا من الانتقام على أن يتحمل الجاني المسئولية عن أخطائه وتبعاتها.

ثالثًا- أن يكون هناك تفهم لإنسانية العدو وندمه على أخطائه.

رابعًا- أن تحقق المغفرة هدفها في تجديد العلاقة الإنسانية وإصلاح مسببات العداوة.

بيد أن المشكلة في ألمانيا الشرقية لا تكمن في أن الذين أخطأوا لم يعتذروا عن أخطائهم، ولم يشعروا بالندم فحسب؛ بل في أنهم أصروا على أنهم كانوا يعملون لمصلحة الدولة، وبدلًا من أن يقدموا اعتذارات، قدموا مبررات. كما أنهم ما زالوا يستفيدون من مناصبهم السابقة، ولم تتم محاسبتهم بالشكل العادل بما يُعقِّد إمكانية غفران أخطائهم وتداعياتها على حياة ضحاياهم.

كذلك، اعتمد بعضهم على تقديم اعتذارات تتضمن الاعتراف بخطاياهم أمام وسائل الإعلام لكن دون شعور حقيقي بالندم، وكأنهم يؤدون دورًا معينًا دون السعي إلى طلب المسامحة والغفران من هؤلاء الذين تضرروا بشدة جراء أخطائهم.

توقيت طلب الغفران

طرحت "أندروز" سؤالًا على الذين قابلتهم فحواه: هل تظل فرص المغفرة إلى أجل غير مسمى؟ أم إنها ترتبط بفترة من الزمن ثم بعدها يكون قد فات الأوان؟ وقد حملت الإجابات المختلفة على هذا السؤال عدم توافق آراء المشاركين. 

أكد الرأي الأول أن طلب المغفرة يجب أن يأتي في الوقت المناسب له، ولا يجب أن يتأخر للغاية حتى تكون هناك فرصة لتحقيقها، ودفع الضحايا نحو تقبل الاعتذار والاعتراف بالخطأ.

فيما أشار الرأي الثاني إلى أنه لا يوجد ما يسمى بـ"لحظة متأخرة لطلب الغفران"، بل على العكس من ذلك فإن هذا الأمر يستغرق بعض الوقت؛ لأن بعض الناس لا يتحدثون عمَّا يثقل كاهلهم حتى وقت متأخر جدًّا، ربما لآخر عمرهم، سواء بالنسبة للجناة أو الضحايا.

أما الرأي الثالث فيرى أن فكرة طلب الغفران تعتمد على كل فرد وكل حالة على حدة؛ فهناك من يريدون مسح خطاياهم من خلال طلب المغفرة من ضحاياهم، وهناك من يظلون ملتزمين بصمتهم دون طلب المغفرة حتى وإن كانت جرائمهم الماضية تثقل كاهلهم، وهناك من يريدون المغفرة لكن يأبى كِبرهم الاعتذار، وهنا تبرز ضرورة اللقاء بين الجاني والضحية حتى وإن لم يتم تقديم اعتذار صريح، فإن الموافقة على اللقاء في حد ذاته تمثل فرصة للتكفير عن الخطايا.

الغفران والفضاء الاجتماعي

تطرح "أندروز" في دراستها تساؤلًا هامًّا حول طبيعة الفضاء الاجتماعي الذي يمكن أن يتحقق فيه الغفران السياسي بشكل أفضل، وقد توصلت -من خلال مقابلاتها- إلى أنه كلما كان المكان الذي يجمع بين الجاني والضحية أكثر خصوصية كالمنزل مثلًا ساهم في خلق بيئة مواتية للغفران بشكل أكبر لأنه يسمح بتبادل النقاش والروايات بشكل أكثر أريحية.

وتؤكد الكاتبة أنه بعد سقوط الدولة في ألمانيا الشرقية كانت هناك مجموعة كبيرة من المنتديات التي يمكن أن يجتمع فيها المجرمون والضحايا لمناقشة ما حصل بينهم، والتي كانت تساعد أحيانَا في الوصول إلى اعتراف مشترك بما حدث وتمكين التوجه نحو الغفران السياسي، ومن ضمنها اجتماعات كانت تُعقد بين مسئولين في هيئة "شتازي - أمن الدولة" وضحاياهم، وكانت تُعقد الاجتماعات في بعض الأماكن الرمزية (مثل: نقطة تفتيش شارلي، أو في منازل بعض الأشخاص، أو الحانات)، وأحيانَا تم تنظيم لقاءات رسمية في البوندستاج الألماني في إطار لجان رسمية شُكِّلت لهذا الغرض.

ومن واقع دراسة نتائج هذه اللقاءات؛ اتضح أن اللقاءات التي تمت في الأماكن الأكثر خصوصية -كالمنزل أو الحانة- وبعيدًا عن الصخب العام كانت أكثر قابلية لتحقيق مسألة الغفران حتى وإن لم تكن مرضية بشكل كبير للمشاركين فيها، لكن اللقاءات التي كانت تتم في الفضاءات المفتوحة وأمام جمهور كبير كانت تتأثر بتفاعل هذا الجمهور ولا تعطي فرصة لتحقيق الغفران السياسي.

لماذا الغفران؟

تُشير "أندروز" إلى أن هناك مجموعة من الأسباب الدافعة للتسامح والغفران، من بينها العقيدة الأساسية التي تطلق العفو عن كل من المصاب والجاني من الماضي المؤلم، كذلك فإن المغفرة السياسية المرتبطة غالبًا بالمصالحة مهمة للمجتمعات على الرغم من استمرار الخلاف حول ماذا وكيف يمكن للمجموعات طلب أو تقديم المغفرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المصالحة قد تتجاوز المسائل الشخصية إلى تحقيق السلام الداخلي للدولة، وهو ما دفع بعض نشطاء ألمانيا الشرقية الذين كانوا ضحايا للشتازي إلى أن يكونوا منفتحين للحوار والاستعداد للتسامح كنوع من المسئولية المدنية؛ حيث شعروا بأنهم ملزمون أخلاقيًّا بالتعامل معه، ليس لأنفسهم الفردية، بل لبناء أسس سليمة للمستقبل والأجيال القادمة.

ومع ذلك، نادرًا ما يعتبر أن ما قد يكون شفاء للمجتمع قد يؤدي في الواقع إلى نتائج عكسية بالنسبة للأفراد. وتعيد الكاتبة هنا التأكيد على أن الحالات التي ناقشتها في دراستها هي حالات الأفراد المستعدين للدخول في حوار مع أولئك الذين أضروا بهم (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) ولكن فقط في حالة وجود شروط معينة. بالنسبة لهم، فإن المغفرة التي يتم تقديمها في غياب الاعتراف والمساءلة والندم ستكون بلا جدوى من الأساس، بل وستضر أكثر مما ستفيد.

ختامًا، فإن التحقيق في الأسئلة حول من وماذا ومتى وأين ولماذا وكيف يكشف مدى تعقيد الطبقات المتعددة للتسامح السياسي، وصعوبة تطبيقه، لكن برغم تلك الصعوبة فإن المغفرة السياسية للأقوياء الذين هم أكثر استعدادًا للنضال من أجل رؤية بديلة للمستقبل، فضلًا عن كونها تجسد أكثر القدرات البشرية عمقًا وهي قدرة التحول، الذات والمجتمع، من خلال التواصل والتفاهم والمساءلة إلى وضع اجتماعي أفضل قائم على أسس المواطنة السليمة.

المصدر:

Molly Andrews, The Narrative Architecture Of Political Forgiveness, Political Psychology, Vol. 0, No. 0, 2018, p.1-15.

الكلمات المفتاحية: الغفران السياسي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات