أخبار المركز
  • د. كريم القاضي يكتب عن (هل يعطل صعود الجمهوريين المتشددين سياسات "بايدن"؟)
  • د. أمل عبدالله الهدابي تكتب عن (الإمارات 2023.. "عام الاستدامة" ومواجهة تغير المناخ)
  • أستاذ محمد خلفان الصوافي يكتب عن (قمة أبوظبي التشاورية.. رسائل الازدهار والاستقرار بالمنطقة)

غضب متزايد:

حدود الدعم الخارجي للاحتجاجات في إيران

28 أكتوبر، 2022


أعلن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في 21 أكتوبر 2022، أن الاحتجاجات الراهنة التي تشهدها المدن الإيرانية على خلفية حادث وفاة الفتاة "مهسا أميني"، أسفرت عن مقتل أكثر من 400 واعتقال أكثر من 20 ألف شخص حتى الآن. ومن جانبه، أعلن الاتحاد الأوروبي، في 17 أكتوبر، فرض عقوبات على 11 فرداً و4 كيانات إيرانية، لاتهامهم بالمُشاركة في قمع المتظاهرين.

تواصل التظاهرات:

دخلت الاحتجاجات في إيران أسبوعها السادس على التوالي، ورغم أنها ليست الأولى التي تواجه النظام في طهران، فإن استمرارها هذه الفترة، من دون قدرة النظام على إخمادها أو إضعافها، يمنحها خصائص فريدة لم تكن موجودة في الحالات السابقة، ويمكن الوقوف على أبرز الأبعاد التي شهدتها تلك الاحتجاجات خلال الفترة الأخيرة على النحو التالي:

1- انضمام فئات جديدة للاحتجاجات: شهدت الاحتجاجات الراهنة تمدداً للفئات الشعبية المُشاركة فيها، إذ دخل عمّال قطاع النفط في مصافٍ، مثل عبادان وكانجان ومشروع بوشهر للبتروكيماويات وغيرها، إلى الاحتجاجات الراهنة، ويحمل هذا الأمر دلالة لافتة، تتعلق بالدور التاريخي الذي لعبته هذه الفئة في إسقاط نظام الشاه وإنجاح ثورة 1979.

وعلى الرغم من نفي النظام الإيراني أي علاقة لإضرابات عمّال النفط بالاحتجاجات الحالية، والزعم بأن السبب يرجع لعدم تقاضيهم رواتبهم منذ شهرين، فإن التقارير أشارت إلى أنهم، في الأيام الأخيرة، قد هددوا بالانضمام للاحتجاجات إذا لم يتوقف النظام عن عمليات القتل والاعتقالات بحق المتظاهرين. 

كما تحمل تلك الفئة سخطاً مضاعفاً تجاه النظام، لأسباب تتعلق بما تعانيه من مشكلات بشأن حرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن هيمنة الحرس الثوري على القطاع النفطي، وهو ما يُفسر تكرار الإضرابات والاعتصام الذي تقوم به تلك الفئة.

ومن جهة أخرى، شارك الأطباء في إيران في الاحتجاجات الراهنة، حيث نظّم عدد منهم تظاهرات في عدّة مدن مثل طهران وأصفهان وغيرهما، رافعين شعارات "من شيراز إلى كردستان، إيران أصبحت مقبرة"، فضلاً عن دخول المعلمين في إضرابات واعتصامات مفتوحة، احتجاجاً على مقتل واعتقال عدد كبير من تلاميذ المدارس خلال التظاهرات الراهنة.

ويُشير ذلك إلى الشعبية التي تتمتع بها تلك الاحتجاجات في إيران، والذي يعني تجاوزها للحواجز العرقية والإثنية والمذهبية وحتى المناطقية، إذ امتدت من الأقاليم التي يسكنها الأكراد في الشمال الغربي، إلى مناطق البلوش في الجنوب الشرقي، مروراً بمحافظات الوسط، ذات الأغلبية الفارسية.

2- مواصلة قمع المتظاهرين: اتّبع النظام الإيراني أسلوب قمع الاحتجاجات، وهو ما تجلّى في استخدام القوة المفرطة في مواجهة المحتجين، الأمر الذي أسفر عن وصول عدد القتلى إلى أكثر من 400 شخص، فضلاً عن اعتقال أكثر من 20 شخصاً، وذلك في حوالي 19 محافظة، في مختلف المدن الإيرانية، وإن تركزوا في سيستان وبلوشستان ومازاندران وجيلان وكردستان وطهران، وذلك وفق ما أعلنته المعارضة الإيرانية.

هذا إلى جانب قيام السلطات القضائية بمحاكمة الموقوفين في الاحتجاجات بتهم واهية تتعلق بـ"التجمهر والتآمر ضد البلاد"، و"الإخلال بالنظام العام"، فضلاً عن إصدار لائحة اتهامات ضد عدد منهم، تشمل "المحاربة"، وهي التهمة التي تفتح الباب أمام عقوبة الإعدام.

وتستمر السلطات في تقييد استخدام الإيرنيين لشبكات الإنترنت، إذ حذّر وزير الاتصالات الإيراني عيسى زارع بور من استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)، والتي يتم استخدامها للتحايل على الحجب المفروض على شبكات الإنترنت.

3- تجدد الاشتباكات في سيستان وبلوشيستان: شهدت مدينة زاهدان، مركز محافظة سيستان وبلوشيستان الإيرانية، احتجاجات واسعة، يوم 21 أكتوبر الجاري، شارك فيها المئات، مرددين شعارات مناهضة للنظام، وقد أسفر استخدام قوات الأمن للعنف تجاه المتظاهرين عن سقوط أكثر من 90 شخصاً، منذ بدء الاحتجاجات في المدينة، في 30 سبتمبر الماضي.

ورداً على العنف المُستخدم من جانب السلطات، فقد تم استهداف عناصر للحرس الثوري، وهو الأمر الذي تكرر عدّة مرات، كان آخرها، في 25 أكتوبر الجاري، حين تم الإعلان عن مقتل عنصرين من الحرس. وعلى الرغم من محاولة تبرير السلطات بأن حملتها الأمنية في المدينة، جاء رداً على قيام مسلحي جماعة "جيش العدل" السنية، والتي تنشط في المنطقة، بمهاجمة ثلاثة مراكز للشرطة، فإن الواقع يُشير إلى أن التخوف الحقيقي للنظام نابع من أن يتم استغلال الاضطرابات الحالية، من قبل الجماعات البلوشية المتمردة لإثارة الفوضى ومهاجمة المراكز الشرطية.

4- التصعيد العسكري العابر للحدود: يسعى النظام في طهران إلى صرف الانتباه عن الاحتجاجات الراهنة، وإيصال رسائل، للخارج والداخل، باستعداده لاستخدام القوة. فكما قام الحرس الثوري الإيراني بقصف مُتكرر على مواقع لجماعات مسلحة معارضة للنظام بإقليم كردستان العراق، باستخدام الطائرات المُسيرة والصواريخ الباليستية، فقد أجرى كذلك مناورات عسكرية في محافظتي أردبيل وأذربيجان الشرقية على الحدود الشمالية مع جمهورية آذربيجان. 

وعلى الرغم من أن تلك المناورات تهدف إلى إيصال رسائل تحذير للجانب الأذربيجاني بعدم الإقدام على تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة، وعزل إيران عن أرمينيا بالسيطرة على ممر زانجيزور الواقع على الحدود بين الدولتيْن الأخيرتيْن، فإنها تُعد محاولة من جانب إيران للحيلولة دون أي تعاون بين أذربيجان والأقلية الآذرية في شمال البلاد، على غرار ما يحدث بين الجماعات المعارضة في كردستان العراق والمناطق التي يقطنها الأكراد في غرب إيران، مما قد يُعزز من النزعات الانفصالية لتلك الأقلية.

كما لا يمكن فصل استهداف مليشيا الحوثي في اليمن لميناء الضبة النفطي في محافظة حضرموت، عن محاولة النظام في إيران تخفيف الضغط الواقع عليه بسبب الاحتجاجات، وذلك عبر فتح مسارات جديدة لخلط الأوراق والتلويح بنشر العنف في المنطقة، وإلحاق الضرر بمصالح العالم الاقتصادية والأمنية.

تحركات خارجية رمزية:

حظيت هذه الموجة من الاحتجاجات بدعم غربي رمزي، مقارنة بالتحركات السابقة في أعوام 2009 و2017 و2019. وتجلى هذا الدعم على المستويين الرسمي وغير الرسمي. ويمكن استعراض ذلك على النحو التالي:

1- تشديد الضغوط والعقوبات على طهران: يكثّف الغرب والاتحاد الأوروبي من عقوباته على النظام الإيراني لاستخدامه القمع في مواجهة المحتجين، فبالإضافة لفرض واشنطن عقوبات على "شرطة الأخلاق" الإيرانية، ومسؤولين أمنيين وعسكريين كبار، منذ بداية الاحتجاجات في منتصف سبتمبر 2022، فقد قامت أيضاً بإجراء مباحثات مع "إيلون ماسك"، مالك شركة "سبيس إكس"، بهدف تدشين تقنية "ستارلينك"، كحل مُحتمل لتوفير الإنترنت للإيرانيين عبر الأقمار الصناعية، بعد تقييده من جانب السلطات، وإن كان من غير الواضح ما إذا كان قد تم نشر أطباق الإرسال لستارلينك داخل إيران أم لا.  

هذا إلى جانب فرض كندا ثلاث حزم متتالية من العقوبات التي تستهدف مسؤولي قمع الاحتجاجات في إيران، شملت "شرطة الأخلاق" وقيادات بوزارة الداخلية والحرس الثوري الإيراني، كما قامت بريطانيا بالأمر ذاته. وبالإضافة لذلك، فقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 11 فرداً و4 كيانات إيرانية، تضم "شرطة الأخلاق" ورئيسها محمد رستمي، ووزير الاتصالات الإيراني، وغيرهم. ويلاحظ أن هذه العقوبات لا يتوقع لها أن تؤثر على قدرة النظام على قمع المحتجين. 

2- مواصلة التظاهرات في الخارج: لاقت الاحتجاجات الراهنة في إيران، دعماً واسعاً من قبل إيرانيي الخارج، بالإضافة للمتعاطفين مع الاحتجاجات من مواطني تلك الدول. ووصل الأمر إلى مهاجمة المتظاهرين للسفارات والمراكز التابعة لإيران بالخارج. وشهدت العاصمة الأمريكية واشنطن تظاهرات واسعة من قبل الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة، والإيرانيين من ذوي الأصول الأمريكية، مرددين شعارات "احذرونا فنحن موحدون"، في دلالة لافتة وغير مسبوقة على توحيد مطالب الإيرانيين بالخارج، حول مطلب انتصار الاحتجاجات وانهيار النظام.

ومن جهة أخرى، شهدت العاصمة الألمانية برلين، أكبر مسيرة تدعم الاحتجاجات بالخارج شارك فيها نحو 80 ألف شخص، بالإضافة لما شهدته مدن أخرى في كندا، مثل مدينتي تورنتو ومونتريال بكندا، ومدينتي سيدني وملبورن في أستراليا، وغيرها.

3- دعوة أوروبية لإنشاء آلية لمحاسبة مسؤولي القمع: أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيقدم مشروع قرار إلى الأمم المتحدة لتشكيل آلية تحقيق ومحاسبة دولية بشأن انتهاكات السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين، وهي الآلية التي من شأنها توقيع عقوبات قانونية وحقوقية ضد مسؤولي القمع في إيران، غير أنه ليس من الواضح مدى إمكانية قبول دول العالم المختلفة لتفعيل مثل هذه الآلية، حتى لا يتم إرساء سابقة يتم توظيفها في حالات تالية.

وفي التقدير، يمكن القول إن إيران تشهد حالة من الاحتجاجات المتصاعدة، والتي تعود بالأساس إلى ظهور جيل جديد من الإيرانيين لا يؤمن بقيم ومبادئ ثورة 1979 التي نتج عنها النظام الحالي. وفي ضوء تجاهل الأخير للمطالب الشعبية التي باتت تركز على تحسين الظروف المعيشية ونيل الحريات الاجتماعية والسياسية، وارتكاز السلطات على الأسلوب القمعي في التعامل مع الاحتجاجات، فإنه من المُرجح استمرارها وتصاعد حدتها خلال الفترة القادمة.