العروض - التقارير

قيادة المستقبل:

هل تزيح بكين واشنطن وتصبح قوة سيبرانية عظمي؟
الأربعاء، 21 أبريل، 2021
قيادة المستقبل:

عرض: إيمان فخري - باحثة متخصصة في الشؤون الآسيوية

رغم أن الصين حققت تقدمًا كبيرًا في مجال تكنولوجيا المعلومات، إلا أن هناك تناقضًا بين الخطاب الصيني الداخلي والموجه للأجانب حيال وضع وطموح بكين في مجال تكنولوجيا المعلومات بشكل عام. ففي حين يؤكد الخطاب الحكومي والأكاديمي الصيني على أهمية وجود حدود للأسواق الحرة، ويؤكد كذلك على مخاطر الاعتماد على التقنيات الأجنبية، ومن ثم الحاجة إلى رقابة حكومية لحماية التقنيات والشركات والشبكات الداخلية في الصين؛ إلا أن الخطاب الذي تنتهجه بكين على الصعيد الدولي يتسم بالتأكيد على أهمية آليات السوق الحر والانفتاح والتعاون والترابط، ومن ثم فإنه يجب معاملة شركة "هواوي" والشركات الصينية الأخرى العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات مثل باقي الشركات الأجنبية العاملة في المجال ذاته.

وفي ضوء هذا التناقض، ولا سيما مع تزايد نفوذ وتقدم الصين في مجال الاتصالات السلكية واللا سلكية، والجدل المحتدم حول التأثيرات المصاحبة لذلك، يأتي التقرير الصادر في أبريل الجاري عن معهد بروكينجز (أحد أقدم مؤسسات الفكر والرأي وأكثرها تأثيرًا في الولايات المتحدة) ليستعرض أهم مؤشرات التناقض بين الخطاب الحكومي الداخلي والخارجي للصين، فضلًا عن تحليل طموحات بكين ورغبتها في تخطي القادة الصناعيين القدامى، وتحديد بنية الثورة الرقمية لتتحول الصين إلى "قوة سيبرانية عظمى".

وقام بإعداد هذا التقرير أربعة من الباحثين المتخصصين في الشؤون الصينية بمركز بروكينجز، أولهم "راش دوشي" وهو أحد الباحثين العاملين في إدارة "بايدن"، كما أنه مؤلف كتاب "اللعبة الطويلة: استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي" والذي سيصدر قريبًا من جامعة أكسفورد، وشغل في السابق منصب مدير مبادرة بروكينجز للاستراتيجية الصينية. أما الباحثة الثانية فهي "إميلي دي لا بروير" وهي إحدى مؤسسي شركة هورايزون الاستشارية التي تعد من أهم شركات الاستشارات الجيوسياسية في الولايات المتحدة، وتركز أبحاث "بروير" على الاندماج المدني-العسكري في الصين. أما الباحث الثالث فهو "ناثان بيكارسك"، وهو أيضًا أحد مؤسسي شركة هورايزون الاستشارية، وتركز أبحاثه على تطوير استراتيجيات تنافسية على الصعيد الاقتصادي والأمني لمجابهة الحزب الشيوعي الصيني. في حين أن الباحث الرابع هو "جون فيرجسون"، وهو متدرب سابق في مركز دراسات سياسات شرق آسيا ومبادرة استراتيجية الصين بمعهد بروكينجز.

وقد تم إعداد هذا التقرير من خلال الاعتماد على البيانات الرسمية الصينية وتصريحات المتحدثين الرسميين باسم وزارة الخارجية الصينية، وكذلك الخطب التي ألقاها الرئيس الصيني وكبار المسؤولين الصينيين، بالإضافة إلى المقالات المنشورة في عشرات المجلات الرسمية التابعة لعدة جهات حكومية، مثل وزارة التجارة وجيش التحرير الشعبي، وذلك للتعرف على الاستراتيجية الصينية بشأن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

مؤشرات الطموح 

يُشير التقرير إلى أن إرهاصات الطموح الصيني للتحول إلى قوة سيبرانية عظمى ترجع إلى عام 2014، حيث قدم الرئيس الصيني "شي جينغ بينغ" مفهوم "القوة السيبرانية العظمى" وذلك عند إنشائه المجموعة القيادية المركزية من أجل الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات بالحزب الشيوعي الصيني، وهي أعلى هيئة على مستوى الحزب مختصة بقضايا تكنولوجيا المعلومات، ومنوط بها تحقيق هدف أن تصبح بكين قوة سيبرانية عظمى.

ومنذ ذلك الحين برز مفهوم "القوة السيبرانية العظمى" كإطار رئيسي للاستراتيجية الصينية في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فيكاد لا يخلو أي خطاب للرئيس الصيني من التأكيد على أهمية أن تصبح بكين قوة سيبرانية عظمى.

ويرى الرئيس الصيني الحالي أن الثورة التكنولوجية العالمية هي فرصة استراتيجية للصين للتعويض عن الضرر النسبي الذي لحق بها في الثورات الصناعية السابقة، ففي حين استثمر الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا) فرصة الثورات الصناعية لتعظيم مكاسبهم التنموية، ترى القيادة الصينية أنه حان الوقت لكي تستغل الصين التحول نحو شبكات الجيل الخامس (5-G) لتنتقل بكين من دولة صناعية كبرى إلى دولة سيبرانية كبرى بحسب تعبير نائب وزير وزارة الصناعة والتكنولوجيا الصيني "تشين تشوكسيونغ"، في مقال نُشر عام 2019 في مجلة الاندماج العسكري-المدني في الفضاء الإلكتروني.

كما يسترشد التقرير بمقال لمسؤولين في إدارة الفضاء الإلكتروني الصيني، نُشر عام 2017 في مجلة الحزب العليا (Qiushi) للتأكيد على عزم الصين التحول لقوة تكنولوجية كبرى، حيث ناقش هذا المقال أهمية تعميق تأثير الصين على حوكمة الإنترنت العالمية باعتباره هدفًا رئيسيًا في تطوير واحتلال الصين لموضع القوة السيبرانية العظمى في العالم.

تناقض الخطاب 

 على الرغم من أن الخطاب الصيني الداخلي يتحدث بشكل صريح عن رغبة بكين في أن تصبح قوة سيبرانية عظمى، إلا أن التقرير يشير إلى غياب الحديث بشكل شبه تام عن هذا الموضوع في الخطابات والبيانات التي يوجهها المسؤولون الصينيون للغرب، فلم يتم الحديث عن "القوة السيبرانية العظمى" سوى مرة واحدة خلال ست سنوات وذلك في بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية.

لذا، يشير كاتبو التقرير إلى أن الصين تتعمد عدم الإفصاح أو الحديث عن طبيعة ومدى طموحاتها في مجال تكنولوجيا المعلومات عند التواصل مع الجماهير الأجنبية. ويتركز خطابها الخارجي على أهمية احترام قواعد الاقتصاد الحر، حيث علقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية "هوا تشون ينغ" في يوليو 2020 على فرض الولايات المتحدة وبريطانيا بعضَ القيود حول عمل شركة هواوي في شبكات الجيل الخامس بأن "هذه القيود تنتهك بشكل صارخ مبادئ اقتصاد السوق وقواعد التجارة الحرة"، وأضافت أن فرض بريطانيا لهذه القيود تعني أن البريطانيين "ضد المجتمع الدولي، وأن سلوك الولايات المتحدة ينتهك قواعد التجارة الدولية".

الآليات التفوق

شدّد الرئيس الصيني مرارًا وتكرارًا على أن العامل الرئيسي في بناء القوة العظمى السيبرانية للصين هو تعزيز الابتكار التكنولوجي المحلي، وهو ما سينعكس على تعزيز القدرة التكنولوجية الصينية التي تخلق اعتمادًا دوليًا عليها، دون أن تكون بكين معتمدة على التكنولوجيا الأجنبية بشكل كبير.

وقد أشار الرئيس الصيني في خطابه عام 2016 حول استراتيجية الصين للتفوق التكنولوجي إلى أن الاعتماد الصيني على التكنولوجيا الغربية هو بمثابة "خطر خفي" لأن التكنولوجيا هي شريان الحياة بالنسبة للصين. وأضاف أنه طالما ظلت سلاسل التوريد المتعلقة بالصناعات التكنولوجية تتسم بهيمنة غربية، فإن تقدم الصين سيظل مهددًا.

بمعنى آخر، فالرئيس الصيني يرى أن البحث والتطوير التكنولوجي يجب ألا يقتصر على إصدار تقارير فنية وأوراق بحث علمية، بل يجب أن يترافق البحث والتطوير مع دمج ودعم لسلاسل التوريد والتصنيع والابتكار داخل الصين، وأشار إلى أن أي جهود بحثية لا تترافق مع وجود قاعدة تصنيعية وتسويقية داخل البلاد ستكون "جهدًا ضائعًا، لأنه سيكون بمثابة تشييد منزل على قطعة أرض لا نمتلكها".

كما دعا الرئيس الصيني إلى ضرورة "استثمار الصين لمزيد من الموارد البشرية والمادية في البحث والتطوير التكنولوجي"، بالإضافة إلى جمع أفضل الكوادر لصياغة استراتيجية تطوير التكنولوجيا والتقنيات التكنولوجية الرئيسية. وشدد في الخطاب ذاته عام 2016 على أهمية صياغة خارطة طريق، وجدول زمني، وقائمة من المهام لإنجازها على المدى القريب والمتوسط والطويل.

وقد اقترح الرئيس الصيني أن تقوم الصين بالمزج بين السياسات والإجراءات الحمائية واقتصاد السوق الحر، وذلك لدفع الصناعات الصينية محليًا وتعزيز وضعها عالميًا. كما أشار إلى ضرورة دعم الشركات الصينية الخاصة لتوسيع نشاطها في الخارج، والمشاركة بشكل أكبر في تنفيذ المشروعات التكنولوجية المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".

الارتباط بالأمن القومي

أشار الرئيس الصيني إلى أن تحقيق التقدم التكنولوجي والأمن السيبراني هما جناحان رئيسيان للتنمية الصينية، وصرح عام 2014 بأنه "بدون تحقيق الأمن السيبراني والمعلوماتي، لا يمكن الحديث عن تحقيق الأمن القومي الصيني".

وتناول التقرير التخوفات التي أبداها العديد من الباحثين المقربين من النظام الصيني من وجود "ثغرة أمنية" في البنية التكنولوجية الصينية بسبب الاعتماد على الرقائق وأنظمة التشغيل الغربية، لذا يوصي الباحثون الصينيون بضرورة تطوير الصين لآليات وتقنيات للردع السيبراني، وإلا فإن جهود الصين للتطور التكنولوجي لن تؤتي ثمارها ولن تقوم بتعزيز وحماية أمنها القومي.

فضلًا عن أنه نتيجة اعتماد العالم بأكمله على الإنترنت الذي أصبح المركز العصبي لأي بلد، فيتعين على الصين ليس فقط مواكبة هذا التطور، بل مواجهة آثاره السلبية والمتمثلة في إمكانية حدوث ما يسميه المسؤولون الصينيون بـ"الاختراق الثقافي والتسلل الأيديولوجي والسياسي" للصين من الدول الأخرى، وهو ما سيهدد أمن واستقرار الحزب الشيوعي الصيني ومن ثم يهدد استقرار النظام الصيني ككل، لذا يتعين على بكين تطوير آليات هجومية ودفاعية في الوقت ذاته، فالتقدم التكنولوجي وفقًا لعدد من الباحثين الصينين قد "جعل الأعداء قريبين للغاية من ساحة المعركة". 

أشار الرئيس الصيني في خطابه أمام مؤتمر العمل الوطني للأمن السيبراني والمعلوماتي في عام 2018 إلى أن "الاندماج العسكري-المدني في مجال تكنولوجيا المعلومات هو المجال الأكثر ديناميكية"، وهو ما يعني أن الصين تعتزم استغلال التقنيات التي يتم استخدامها على الصعيد المدني والاقتصادي في تطوير تقنياتها العسكرية.

وقد استدل التقرير على هذا التوجه بدعوات عدد كبير من الباحثين الصينيين إلى العمل على دعم التطوير المتعمق للاندماج العسكري-المدني لـشبكات الجيل الخامس، والعمل على تطوير هذه التقنية لكي تتحكم في المعدات العسكرية. كما أوضح باحثون في أكاديمية العلوم العسكرية، في عام 2020، أن الصين ستبذل قصارى جهدها لتوفير دعم علمي وتكنولوجي أقوى لنظام القتال الذكي الخاص بالجيش الصيني.

كما أشارت عدة مقالات منشورة من قبل بعض من ضباط الجيش في مجلة "الدفاع الوطني" الصينية إلى أن الهدف الطويل الأمد للصين هو إحداث التكامل والدمج بين شبكات المعلومات البرية والبحرية والجوية والفضائية داخل كل وحدات الجيش الصيني. فعلى سبيل المثال، يمكن لمحطات الهواتف المحمولة العسكرية استخدام شبكات 5-G بشكل مباشر في الاتصالات ونقل البيانات المشفرة، مما يوفر للجيش تغطية متكاملة وواسعة، وسرعة فائقة في ساحة المعركة، فضلًا عن تقليل التكلفة المادية للعمليات العسكرية التي قد تتم في المستقبل. 

كما يشير سون بولين –أحد أعضاء لجنة العمل الاستشارية للخبراء التابعة للجمعية الصينية للأتمتة- إلى أنه حال تمكن الجيش الصيني من استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة، خاصة شبكات الجيل الخامس في التطبيقات العسكرية، فإن الجيش الصيني سيتمكن –حال نشوب حرب- من أن يصيب أنظمة التشغيل والتحكم ونظام الدعم اللوجستي للخصم بالشلل التام.

ختامًا، فإن هناك بنية رقمية عالمية جديدة في طور التشكل، وهو ما سوف يؤثر على ميزان القوى الدولي، وتسعى الصين للعب دور أساسي في تطوير وتوجيه هذه البنية الرقمية الجديدة من خلال طريق الحرير الرقمي الذي تسعى الصين من خلاله إلى إعادة هيكلة نظام حوكمة الإنترنت العالمي، وحال تمكن الصين من بناء شبكات الجيل الخامس من خلال اعتمادها على مكونات محلية بشكل كامل، فضلًا عن تمكنها من وضع المعاير الدولية لعمل هذه الشبكات والتقنيات؛ فإن ذلك سيعني أنها قد أصبحت قوة سيبرانية عظمى مما يعني تعظيم قدرتها على الترويج لأفكار وقيم وخطاب معين، وهو ما قد يؤهلها لقيادة النظام الدولي المستقبلي الذي سيعتمد بشكل أساسي على التقدم التكنولوجي. 

المصدر: 

Rush Doshi, Emily De La Bruyère, Nathan Picarsic, And John Ferguson, China As A “Cyber Great Power” Beijing’s Two Voices In Telecommunications, Brookings Institution, April 2021.

الكلمات المفتاحية: الصينالجيل الخامسقوة سيبرانية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات