تقديرات المستقبل

تصعيد محتمل:

تنامي الخلافات بين أردوغان والمعارضة التركية
الأحد، 19 سبتمبر، 2021
تصعيد محتمل:

تعهدت المعارضة التركية بالإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في يونيو 2023، ونقل البلاد بعد ذلك إلى النظام البرلماني. ووعدت رئيسة حزب الجيد، ميرال أكشنار، بفوز مرشح تحالف الأمة المكون من حزبها مع حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بالانتخابات الرئاسية، من خلال تطبيق النموذج نفسه الذي فازت به المعارضة برئاسة بلديتي اسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية عام 2019.

توحد المعارضة التركية:

شهدت الفترة الماضية تحركات للمعارضة التركية على أكثر من مستوى بهدف توحيد صفوفها في مواجهة حكومة أردوغان، ومن أبرز تلك التحركات ما يلي:

1- محاولة توحيد المعارضة: أكد رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، في 12 سبتمبر الجاري، أن لحزبي "الديمقراطية والتقدم" برئاسة علي باباجان، و"المستقبل" برئاسة أحمد داود أوغلو (المنشقين عن حزب العدالة والتنمية)، حرية القرار في الانضمام لـ "تحالف الأمة" المعارض، لافتاً إلى أن ذلك الانضمام يدعمه وجود أرضية مشتركة بين الجانبين، خاصة فيما يتعلق بدعم العودة إلى نظام برلماني بدل النظام الرئاسي المعمول به حالياً.

2- استقطاب الكتلة الكردية: زار وفد من حزب الشعب الجمهوري إقليم كردستان العراق في 5 سبتمبر الجاري، وتضمنت الزيارة الاجتماع مع رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وهو الأمر الذي يكشف محاولة حزب الشعب الحصول على الأصوات الكردية في الانتخابات المقبلة. 

وتشير العديد من التقديرات إلى أن فوز تحالف الأمة على تحالف الشعب، المكون من حزب "العدالة والتنمية" الحاكم برئاسة أردوغان، والحركة القومية، يتطلب الحصول على أصوات حزب الشعوب الديمقراطي المناصر للأكراد، وهو ما يتيح لحزب الشعب الجمهوري أيضاً الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان (50%+1).

3- الترويج لتراجع شعبية نظام أردوغان: سلّط الإعلام الموالي للمعارضة الضوء على استطلاعات الرأي العام التي تشير إلى تراجع شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومن أبرز تلك الاستطلاعات ما يلي:

‌أ- استطلاع الرأي العام لشركة "أوراسيا": أظهر في 8 سبتمبر الجاري، أن 36.7% من المشاركين في الاستطلاع سيصوتون لصالح تحالف "الأمة" المعارض، بينما سيصوت 34.7% لصالح تحالف "الشعب"، كما كشف الاستطلاع أن نسبة الذين لن يصوتوا لصالح الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية بلغت 56.9%.

‌ب- استطلاع شركة "أريا ريسيرش" (Area Research): أوضحت نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجرته المنظمة في أنقرة في أغسطس الماضي، والتي كشفت أن حزب الشعب الجمهوري حصل على تأييد بنسبة 31.2% من أصوات المشاركين في الاستطلاع، بينما حصل حزب العدالة والتنمية على نحو 20%.

‌ج- استطلاع مؤسسة "ميتروبول": كشف الاستطلاع الذي تم إجراؤه في أغسطس أنّ الحزب الحاكم، الذي حصل على 42.56% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2018، لن يحصل إلا على 29.3% من أصوات الناخبين الأتراك في حال إذا أجريت الانتخابات في أغسطس.

تحركات أردوغان المضادة:

شنّت الحكومة التركية هجوماً على أحزاب المعارضة عبر خطاب سياسي وإعلامي، وذلك لمواجهة تحركات أحزاب المعارضة، ويدلل على ذلك ما يلي:

1- انتقاد أردوغان للجمهوري: أنتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 10 سبتمبر الجاري، بشكل ضمني حزب الشعب الجمهوري، حيث أشار إلى أن الحزب يسعى للوصول إلى السلطة بالأكاذيب، كما أنه يسعى لإنهاء التعددية في تركيا والعودة للحزب الواحد، وكذا العودة إلى الصراعات الأيديولوجية في مرحلة السبعينيات وغياب الاستقرار في التسعينيات، ولفت أردوغان في هذا الصدد إلى أن أحزاب المعارضة لا تستطيع مجاراة حزب العدالة والتنمية في سباق المشاريع والخدمات.

2- هجوم إعلامي على المعارضة: روجت وسائل الإعلام المقربة من العدالة والتنمية لوجود تصدع داخل المعارضة عبر الادعاء بعدم التوافق على مرشح لدخول انتخابات الرئاسة التركية، وكذلك إبراز التصريحات التي تكشف عن وجود تباينات بين أحزاب المعارضة المتحالفة (حزب الشعب الجمهوري- حزب الجيد- حزب الشعوب الديمقراطي).

ومن ذلك على سبيل المثال، إشارة نائب حزب الشعوب الديمقراطي، جارو بايلان، إلى أن رؤية الحزب لا تتطابق مع تحالف الأمة، وأن الحزب لن يصوت لحزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المقبلة، فضلاً عن الإشارة إلى رغبة رئيس حزب الشعب الجمهوري في ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، بينما يفضل حزب الجيد في ترشيح رئيسته ميرال أكشنار أو ترشيح رئيس بلدية اسطنبول أكرم أمام أوغلو.

دوافع التصعيد المتبادل:

تتمثل أهم أسباب التصعيد الأخير بين المعارضة والحكومة التركية في التالي:

1- الخلاف حول تعديل الدستور: جدد أردوغان في مطلع سبتمبر الجاري ترويجه لفكرة طرح دستور جديد، ولفت إلى أنه سيعرض تصوراته بخصوص الدستور بالاشتراك مع حزب الحركة القومية على الشعب التركي، وهو ما يعني فرض رؤيته على الأحزاب المعارضة، التي وإن استمع لآرائها، فإنه لن يكترث لها. 

وفي المقابل، تسعى المعارضة التركية لإبراز وجود تضارب مع النظام التركي في رؤيتها لذلك الدستور، والتي تبدأ من ضرورة التحول من نظام رئاسي إلى نظام برلماني، وهو ما قطع الطريق على محاولات أردوغان لكسب التأييد الشعبي للدستور الجديد، ودفعه، في المقابل، لشن هجوم على المعارضة.

2- تغيير العتبة الانتخابية: أعلن أردوغان، عقب عودته من زيارته للبوسنة والهرسك في 27 أغسطس الماضي، أنه تتم دراسة جعل النسبة المئوية التي تتيح تمثيل أي حزب سياسي في البرلمان، لا تقل عن 7 % من إجمالي أصوات الناخبين، علماً بأن النسبة الحالية المطلوبة هي 10%، وهي الخطوة التي يهدف من خلالها أردوغان إلى ضمان تمثيل حزب الحركة القومية، المتحالف مع أردوغان في البرلمان القادم، نظراً لأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه لن يتمكن من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين لضمان التمثيل في البرلمان. 

كما يسعى أردوغان لخفض العتبة الانتخابية بهدف السماح لأحزاب ذات شعبية محدودة بالتمثيل في البرلمان التركي، بما يمثله ذلك من خصم من حصة المعارضة، فضلاً عن إمكانية اتجاه أردوغان للتحالف مع هذه الأحزاب، بما يعزز من فرصه في السيطرة على البرلمان الجديد.

3- طرح المعارضة خيار الانتخابات المبكرة: ترفض المعارضة محاولات أردوغان لتغيير الدستور قبل انتخابات 2023، نظراً لأن الدستور الحالي يتضمن مواد تقلص من فرص فوز أردوغان بولاية ثالثة، حيث تؤكد المادة (101) أنه لا يجوز ترشح الشخص للرئاسة أكثر من فترتين، ولكن يوجد استثناء لتلك القاعدة وفق المادة (116)، والتي تقضي بأنه في حالة إجراء انتخابات مبكرة، يمكن للشخص الترشح مرة أخرى. 

ولن يستطيع أردوغان الاستفادة من هذا الخيار، نظراً لأن إجراء أي انتخابات رئاسية مبكرة قد يعرضه للهزيمة في ظل تراجع شعبيته. وفي المقابل، تؤيد المعارضة إجراء انتخابات مبكرة، واستغلال تحركات أردوغان غير الديمقراطية ضد الأكراد والمعارضة من أجل السير في مسار إجراء انتخابات جديدة.

4- بدء المعارك الانتخابية: تشهد تركيا تحركات مبكرة لخلق تحالفات سياسية وحشد الرأي العام الداخلي تمهيداً لانتخابات يونيو 2023، وذلك لتعويض الانشقاقات والانسحابات التي تعانيها الأحزاب، سواء الحزب الحاكم أو أحزاب المعارضة. 

وفي الختام، تُصعد المعارضة ضد إجراءات الرئيس التركي، غير الديمقراطية، والتي يهدف من خلالها إلى إضعاف المعارضة، بالاعتماد على عدة أدوات أبرزها محاولة إقرار دستور جديد يعزز من فرص أردوغان في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة، وكذلك استقطاب أحزاب جديدة لـ"تحالف شعب" وعرقلة أي جهود لتوحيد صفوف المعارضة، الأمر الذي يشير إلى أن التحضير للمعركة الانتخابية بدأ مع الاتجاه لبلورتها خلال الأشهر المقبلة، خاصة أن احتمالية عقد انتخابات مبكرة غير مستبعد في حالة عدم نجاح أردوغان في تمرير الدستور الجديد، وبالتالي من المتوقع أن يأخذ التنافس بين المعارضة والنظام مسارات أكثر جدية وحدة خلال الفترة القادمة.


الكلمات المفتاحية: تركيا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات