التحليلات - التطورات التكنولوجية

المعونات الذكية:

التوظيفات المتعددة للتكنولوجيا في إنقاذ ضحايا الصراعات
الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016
المعونات الذكية:

ساهمت الثورة التقنية في مجال الاتصالات والمعلومات في دعم أنشطة الإغاثة الإنسانية العاجلة، المقدمة للمتضررين من الكوارث الطبيعية، أو المتضررين الفارين من جحيم النزاعات العسكرية وأعمال العنف واسعة النطاق. فمن خلال الخرائط الإغاثية التفاعلية، والبطاقات الذكية، ووسائل الإنذار الإلكتروني المتطورة، والرسائل النصية العاجلة، تمكنت عشرات المنظمات الإنسانية من تقديم مساعدات «منقذة الحياة» لقطاعات عريضة من البشر، كالنازحين واللاجئين الفارين من نيران القتال، أو المدنيين في المناطق المحاصرة، وكذلك من يحتاجون الرعاية الصحية الطارئة.

وقد أدخل خبراء وباحثون وناشطون في العمل الإنساني هذه المعونات غير التقليدية، التي توظف التقنيات الحديثة، تحت مظلة المفهوم العريض «المعونات الذكية» (Smart Aids). وهذا المفهوم ليس بالجديد، فقد بدأ استعماله في مجال تنمية البلدان الفقيرة في تسعينيات القرن الماضي من قبل المؤسسات المانحة الكبرى. وكان يُقصد بالمفهوم آنذاك زيادة حجم المساعدات المقدمة للدول الفقيرة، وتحسين نوعيتها، بشرط أن تكون نتائج هذه المساعدات محددة وواضحة وقابلة للقياس. 

ذكاء المعونات في نتائجها:

في سنوات التسعينيات، وبالتحديد إبان إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ظهرت الحاجة إلى وضع حد للهدر الكبير في منظومة المعونات الأمريكية المقدمة للقارة الإفريقية بوصفها القارة الأفقر في العالم، والأكثر احتياجًا للمعونات، والأعلى التهامًا للمساعدات الدولية. 

وقتها خرجت هذه الإدارة بشعار عريض هو «التجارة وليس المعونات لإفريقيا»، وبدأت في تبني جملة من السياسات لتعزيز فرص النمو ودعم الاقتصاد المحلي، سواء من خلال المساعدات المباشرة التي تقدمها «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» (اختصارًا: هيئة المعونة الأمريكية)، أو عبر رفع القيود على استيراد واشنطن الآلاف من منتجات أكثر من 35 دولة إفريقية (ما يُعرف بـقانون النمو والفرص في إفريقيا) .

صدرت هذه الإجراءات في وقت سيطرت فيه على النقاشات التنموية ثنائية بدا وكأنه لا فكاك منها. فمن ناحية أولى، رأى سياسيون وخبراء أن المعونات الأمريكية لا تقدم شيئًا ذا بال للقارة، في مقابل وجهة نظر أخرى تقول إن على واشنطن والدول الغنية الأخرى أن تضخ مزيدًا من الأموال في شرايين اقتصاديات القارة الإفريقية. ورغبت المنظمات المانحة الكبرى في أن ترى المعونات وهي تغير من واقع الحال في القارة. وحاولت جاهدة أن تقدم كشف حساب بأن أموال المساعدات نجحت في تحقيق أهداف محددة، في سياقات محددة. 

عندئذ ظهر الحديث على استحياء عن «المعونات الذكية»، وتعني نمط المعونة المرتكز على تحقيق نتائج قابلة للقياس (output-based assistance) ، وسرعان ما لقي هذا المفهوم (المستعار من المجال الصحي أصلا) دعمًا مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، إذ طبقت إدارته هذا المفهوم في إفريقيا، فخصصت أموالا لتحقيق نتائج قابلة للقياس في مجالات مساعدات محددة، على رأسها برامج مكافحة الإيدز.

ضخت الإدارة الأمريكية مبلغ 6.7 مليارات دولار في إفريقيا جنوب الصحراء على هيئة مساعدات تنموية خلال السنوات الثماني التي أمضاها بوش في البيت الأبيض (تمثل أربعة أضعاف المعونات التي قدمتها إدارة كلينتون) ( ) وذهب جزء كبير من هذه المساعدات لتنفيذ برنامج شامل لمكافحة الإيدز منذ عام 2003، سُمي «خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز» (بيبفار). ووفر البرنامج عقاقير بمئات الملايين من الدولارات للمصابين بالمرض، منهم خمسة ملايين شخص كانوا على شفا الموت، كما تقول هيئة المعونة الأمريكية. فيما قُدمت استشارات طبية لقرابة 50 مليونًا آخرين. 

وبحسب تقرير أممي صدر وبوش يتأهب لمغادرة البيت الأبيض، فقد وفرت خطة «بيبفار» العقاقير المضادة للفيروسات لنصف المصابين بمرض نقص المناعة المكتسب في السنغال ورواندا، فيما بلغت النسبة ثلاثة أرباع المرضى في بوتسوانا وناميبيا .عُرفت هذه الخطة لاحقًا بوصفها نموذجًا ناجحًا «للمعونات الذكية»، ذلك لأن الأموال ذهبت لتمويل برامج بناء على استراتيجيات واقعية، ووُجهت الأموال نحو تحقيق نتائج ملموسة على الأرض (results-oriented). وسياسيًّا، جلب هذا البرنامج شعبية كبيرة لبوش في القارة الإفريقية، على عكس مناطق أخرى من العالم لم تُخفِ غبطتها وهو يغادر مقعد الرئاسة في واشنطن. 

كما تمثل برامج مكافحة الملاريا مثالا آخر «للمعونات الذكية»، إذ خصصت دول كبرى معونات مالية للإنفاق على استراتيجيات محددة للتصدي للمرض، منها إنتاج عقاقير فعالة، وتوفيرها بسعر رخيص، وكذلك في مجال التدابير الوقائية بإتاحة تطعيمات للأطفال دون سن الخامسة. في السنوات الأخيرة، انخفض عدد حالات الإصابة بالملاريا إلى أكثر من 60 بالمائة في بعض دول غرب إفريقيا كالسنغال وجامبيا، وبلغت النسبة 50 بالمائة في رواندا وإثيوبيا، وفق منظمة الصحة العالمية.

كيف تكون المعونات ذكية؟ 

بدأ المحللون يضعون معايير وإرشادات لطريقة تحول المساعدات إلى «ذكية». ومع التنوع الكبير في مبادرات المعونات، والمفاهيم المستخدمة في المجال، فإنه لا يمكن الركون إلى تعريف وحيد منضبط ومحكم لما تعنيه «المعونات الذكية». 

وحسب «إيد داتا» (http://aiddata.org/)، وهي منظمة تأسست في عام 2009 لإتاحة أكبر قدر من البيانات والمعلومات حول المساعدات في العالم، فـ«المعونات الذكية» تتألف من خمسة عناصر يجب توفرها في المعونة حتى تكون ذكية. ويبدأ كل عنصر منها بحرف من الكلمة (SMART). فينبغي للمعونة أن يكون حجمها كافيًا (Sufficient) لتحقيق الأهداف المنشودة. وينبغي لنتائج المشروع الممول أن تكون قابلة للقياس (Measurable) لجميع الأطراف المعنية بالمعونة، لتيسر لجميع الأطراف رؤية التقدم المتحقِّق على مر الزمن. كما ينبغي للمعونة أن تتيح القدرة للمجتمع المدني على أن يُحاسب (Accountable) ويراقب أين تذهب الأموال بالضبط. وأن يكون هناك وضوح في الأطراف المسئولة (Responsible) عن التدفقات المالية للمشروع. وأخيرًا الشفافية (Transparent) في تلقي الأموال وطرق إنفاقها. وجرى دمج هذه المبادئ العامة في صلب الإعلانات الدولية الخاصة بالمساعدات الأجنبية على غرار «إعلان باريس بشأن فعالية المعونات» و«برنامج عمل أكرا».

قفزة «ذكية» للأمام:

في السنوات الأخيرة، أدخل الباحثون والعاملون في مجالات التنمية والإغاثة الإنسانية تعديلات على المنطق الحاكم وراء تعريف «المعونات الذكية»، لأنه يشي بهيمنة عقلية أمريكية تقيس المعونات وفق «تحليل التكلفة والفائدة« (benefit-cost analysis)  دون أي اعتبارات أخرى. وربما يصلح هذا المنهج في تدشين برامج تنموية في بلدان تتمتع بدرجة ما من الاستقرار السياسي (عقب نزاع مسلح أو كارثة طبيعية). وهذا يعني أنه لا مكان لـ«المعونات الذكية» القابلة للقياس وتحقيق النتائج في أوقات الطوارئ الإنسانية، كانفجار النزاعات المسلحة، وأعمال العنف واسعة النطاق، أو اندلاع الكوارث الطبيعية، والتفشي المتسارع للأوبئة. 

هنا لجأ بعض الخبراء إلى إحداث تصنيف يميز بين «المعونات التنموية»، وهي شكل من أشكال المساعدات طويلة الأجل، والقرار حولها بطيء، وتحتاج لفترة زمنية ليست بالقصيرة لتقييم نتائجها على الأرض. أما الشكل الآخر فهو «المعونات الإنسانية»، ذات الطبيعة العاجلة، التي تحتاج لسرعة في تحديد حجمها، ونوعها، وسبل تقديمها، وطبيعة فئاتها المستهدفة. 

استفاد الشكل الأخير من هذه المعونات بما أتاحته الثورة الرقمية من إمكانات هائلة للنقل السريع للمعلومات. فوظفت المنظمات الإغاثية التقنيات ووسائل التواصل الرقمي المتطورة لمساعدة المتضررين من النزاعات العسكرية وأعمال العنف. هذه المعونات «ذكية» من ناحيتين، الأولى أنها قابلة للقياس وتحقق نتائج ملموسة على الأرض لأن هدفها ليس تحسين أوضاع المدنيين فحسب، وإنما إنقاذ حيواتهم أصلا. أما الناحية الثانية، فهذه المعونات تستفيد من وسائل الاتصال والمعلوماتية «الذكية» كي تمد يد العون لمن يحتاجون المساعدة. 

الأمثلة على هذا متنوعة، سواء من سياق الشرق الأوسط أو مناطق أخرى من العالم. فقد كان من المحتمل أن تؤدي كارثة اللجوء عبر المتوسط في السنوات الأخيرة إلى ضياع حيوات عشرات آلاف آخرين لولا التطبيقات التكنولوجية. لقد تمكن نحو مليون لاجئ، معظمهم سوريون فارون من جحيم الحرب في بلادهم، من طرق أبواب أوروبا في الصيف الماضي، بفضل استخدامهم أجهزة هواتف ذكية، كفؤة الأداء، صغيرة الحجم، رخيصة السعر. مكنت هذه الهواتف الذكية، المزودة بشبكة إنترنت متنقلة، اللاجئين من قطع نحو 1500 كلم من سوريا إلى أوروبا. وعلى طول رحلة اللجوء، وجد هؤلاء دعمًا «ذكيًّا» من مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر. 

قدمت هذه الوسائط معلومات لا تقدر بثمن للاجئين حول طرق استئجار القوارب المطاطية، وطرق الحفاظ على سلامة البدن خلال الرحلة المنهكة، ثم سُبل الوصول إلى شواطئ القارة الأوروبية، وكذلك دروب الهروب من حرس الحدود في اليونان مثلا. وسبق لـ"أليساندرا موريلي"، وهي مسئولة رفيعة في مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، أن وصفت هؤلاء بـ»لاجئي الفيسبوك»، ذلك لأنهم «يعرفون بالضبط أين يذهبون، ولمن يتحدثون وماذا سيشترون» .

خرائط ذكية:

عمدت المنظمات الدولية الكبرى، وفي القلب منها المنظمات الإغاثية، على توظيف هذه التقنيات على نحو متزايد بهدف تحسين الاستجابة الدولية للأزمات عمومًا. ومن الأمثلة على هذه التقنيات هو التوسع في رسم الخرائط بالأقمار الصناعية بواسطة بيانات «نظم المعلومات الجغرافية» (GIS). 

واعتادت الأمم المتحدة على استخدام هذه الخرائط في بعثات حفظ السلام، لكن زاد اعتماد وكالاتها المتخصصة، كمكتب تنسيق الشئون الإنسانية (OCHA)، على هذه الخرائط زيادةً ملحوظةً في أوقات الكوارث. فقد استخدمتها في تحديد الأماكن المنكوبة وتقديم المعونات الطارئة في هاييتي في أعقاب الزلزال المدمر الذي وقع في البلاد في عام 2010 وخلف أكثر من 300 ألف قتيل. 


خريطة أممية للمناطق المنكوبة في هايتي. مصدر الخريطة:

www.esri.com/news/arcnews/spring10articles/spring10gifs/p18p1-lg.jpg

كما استخدمت «هيئة الإغاثة الكاثوليكية» هذه الخرائط أفضل استخدام لتوضيح أماكن المنازل المدمرة، وتتبع بناء أكثر من 10 آلاف منزل مؤقت. وهي فكرة نقلتها إلى دول إفريقية كمدغشقر والكونغو الديمقراطية. 

وخلال السنوات الماضية في الشرق الأوسط، اعتمدت الأمم المتحدة على هذه الخرائط لتحديد أماكن تجمع النازحين، والمحاصرين، والمدنيين الآخرين الذين هم في حاجة عاجلة إلى المساعدة. فهناك خرائط تفصيلية لمخيم الزعتري، أكبر مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن، وكذلك مخيم دوميز، أكبر مخيمات اللاجئين السوريين في العراق. وتساعد هذه الخرائط في معرفة التغيرات الديمغرافية في المخيمات، وكذلك معرفة أعداد الخيام وغيرها من الأرقام التي تساعد في معرفة شكل المعونات العاجلة المفترض تقديمها، علاوةً على متابعة أعداد الفارين من القتال على طول معابر الحدود بين سوريا ودول الجوار. 

ولهذه الخرائط أهمية أخرى في أنها تسلط الضوء على مخيمات لا تحظى بنصيب كبير من الاهتمام في وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية، كمخيم الرقبان الصحراوي على الحدود السورية الأردنية، الذي يضم أكثر من 60 ألف لاجئ.