العروض - الدراسات

المحنة والفرصة:

احتواء مخاطر الأمن والسياسة في الشرق الأوسط

السبت، 03 أكتوبر، 2015
المحنة والفرصة:

إعداد: إسراء أحمد إسماعيل

تطرح منطقة الشرق الأوسط العديد من التحديات الاستراتيجية للغرب وأوروبا على وجه الخصوص، خاصةً بعد الثورات العربية، وما نتج بعدها من حروب أهلية في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وزيادة وتيرة الإرهاب، وصعود جماعات إرهابية جديدة أكثر تطرفاً ودموية أبرزها تنظيم "داعش" الذي لا يمثل تهديداً أمنياً للمنطقة فقط، ولكن لأوروبا وغيرها من مناطق العالم.

وقد أصدر المعهد الهولندي للعلاقات الدولية "Clingendael" تقريراً في شهر أبريل 2015 بعنوان: "المحنة والفرصة.. مواجهة تحديات السياسة والأمن في الشرق الأوسط"، أعده كل من "دانيال بايمان" Daniel Byman، وهو مدير البحوث في مركز سياسة الشرق الأوسط بمعهد بروكينجز، و"شادي حميد" Hamid Shadi، وهو زميل بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز.

وينقسم التقرير إلى ستة أجزاء، يتناول كل منها أحد التحديات الإقليمية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، ويقدم بعض التوصيات للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والجهات الفاعلة المعنية الأخرى لمواجهة هذه التحديات.

1 ـ الحروب الأهلية في الشرق الأوسط

حدد "بايمان" في الجزء الأول العوامل الأمنية والإنسانية المحركة للصراعات الجارية في سوريا والعراق واليمن وليبيا. ففي كل هذه الدول أدت التصدعات العرقية والدينية والقبلية والعقائدية، إلى جانب وجود عجز واضح في مقومات وآليات الحكم، إلى نشوب صراعات أهلية دامية. ويتسبب امتداد النزاع - بما يتضمنه من زيادة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي فاقمت أزمات اللاجئين وانتشار التطرف - في زعزعة استقرار الدول المجاورة، مما يزيد من مخاطر التدخل العسكري وردود الأفعال العنيفة.

ولمواجهة استمرار أعمال العنف في سوريا والعراق، يرى الكاتب أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي وشركائه الدوليين النظر في كيفية تقديم دعم أفضل وأكثر جدية للجهات الفاعلة الرئيسية، سواء المناهضة لنظام "الأسد" أو لتنظيم "داعش" على حد سواء، على أن يكون هذا الدعم في شكل بعثات تدريبية، وتوفير المعدات اللازمة، وغير ذلك من الدعم المادي المطلوب. كما أن توفير المساعدات الإنسانية والأمنية للدول التي تستضيف تجمعات كبيرة من اللاجئين، يعد أمراً حيوياً لاحتواء الأزمات وتهدئة التوترات الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعات اللاجئين.

2 ـ جمود عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية

استعرض "بايمان" التداعيات السياسية والأمنية الناتجة عن فشل مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، موضحاً أنه على الرغم من أن كلاً من الطرفين أعربا عن تفضيل حل الدولتين على استمرار الصراع، بيد أن كليهما لديه شكوك حول قدرة مفاوضات السلام في التوصل إلى اتفاق مُرضي يحقق مطالبهم الأساسية.

في إسرائيل، أدى ارتفاع نسبة التأييد الشعبي لليمين، والزخم المتزايد لحركة الاستيطان، إلى تقويض الآمال في التوصل إلى حل الدولتين. ومن ناحية أخرى، تتنامى حالة الإحباط الفلسطيني مع استمرار العمل في بناء المستوطنات، واستمرار العنف المُمارس ضد العرب، الأمر الذي عزَّز من قوة الأفكار الرافضة لعملية السلام، مثل تلك التي تروِّجها حركة "حماس" وغيرها من الجماعات المسلحة، خاصةً في قطاع غزة المحاصر.

كما تؤدي الانقسامات داخل القيادة الفلسطينية، وضعف السلطة الوطنية الفلسطينية إلى عجز الحكومة عن الوفاء بمتطلبات الشعب الفلسطيني، أو حتى التفاوض بفعالية. وإضافة إلى ذلك، فقد لفتت الأزمات في سوريا وغيرها من دول المنطقة انتباه صناع القرار بعيداً عن الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ثمّ فمن غير المرجح وسط هذه الظروف أن يقود إجراء مزيد من مفاوضات السلام إلى تحقيق نتيجة إيجابية، سواءً كانت بقيادة أوروبا أو الولايات المتحدة.

وبدلاً من استئناف محادثات السلام، يتعين على أوروبا والولايات المتحدة العمل معاً لتعزيز وضع "محمود عباس" والسلطة الفلسطينية، كما ينبغي على الدول الغربية أن تشجع السلطة الفلسطينية على تولي المسؤولية في غزة إدارياً وأمنياً- من وجهة نظر الكاتب.

3 ـ المقاتلون الأجانب من أوروبا والعالم العربي

تناول "بايمان" في هذا الجزء مختلف التهديدات التي يشكلها الأفراد العائدون إلى أوطانهم بعد القتال في سوريا والعراق، حيث سافر أكثر من 20 ألف مقاتل إلى هناك. وعلى الرغم من تنامي المخاوف الأوروبية في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس، فإن الكاتب يرى أن التهديد باستخدام العنف من قِبل المقاتلين الأجانب العائدين إلى أوروبا، يعد أمراً مبالغاً فيه إلى حد كبير، حيث إن بعض المتطوعين لن يعودوا إلى ديارهم، وإن عادوا فإن معظمهم لن يُقدم على تنفيذ هجمات، وذلك بُناء على تجارب تاريخية سابقة.

وعلى سبيل المثال، تعالت تحذيرات مماثلة من احتمال وقوع هجمات إرهابية بعد الصراع في العراق عام 2003، لكن المقاتلين الأجانب العائدين من العراق قاموا بهجمات إرهابية محدودة، وهو ما حدث تقريباً في حالات أخرى مثل الصومال ومالي، حيث لم يسفر الأمر عن هجمات إرهابية كبيرة خارج إطار مناطق الحروب.

وأكد الكاتب أن العديد من الهجمات الإرهابية الأخيرة في أوروبا لا ترتبط مباشرة بالقتال الدائر في العراق وسوريا، ففي عام 2015 - على سبيل المثال - لم يكن الأفراد المتورطين في الهجوم على "تشارلي إبدو"، والهجوم اللاحق المماثل الذي وقع في كوبنهاجن، مشاركين في القتال بالعراق وسوريا. وفي حين يقوم تنظيم "داعش" بتدريب وتشجيع الأفراد على حمل السلاح والقيام بهجمات إرهابية، فإن نطاق هذه الهجمات لا يمتد غالباً إلى الخارج.

ومع ذلك، فإن عودة المقاتلين الأجانب إلى الدول العربية التي قدمت لهم الدعم في سوريا، تمثل خطراً على هذه الدول، حيث يُمكن للمقاتلين تجنيد عناصر جديدة من المواطنين المهمشين، ما قد يؤدي إلى جعل المجموعات الموجودة أكثر راديكالية، ويقود إلى القيام بهجمات إرهابية.

ومن ثمّ، ينصح الكاتب الحكومات في أوروبا بعدم المبالغة فيما يتعلق بالتهديدات المحتملة من قِبل المقاتلين الأجانب، واتخاذ خطوات لطمأنة المواطنين، وتأكيد فكرة أن الخطر حقيقي ولكنه محدود. كما يتعين على الحكومات الأوروبية أيضاً توفير الموارد اللازمة لأجهزة الأمن والاستخبارات لإبقاء التهديدات الأمنية في أدنى مستوياتها، والأهم من ذلك تفادي سياسات رد الفعل مثل الملاحقات المستمرة وحبس المقاتلين العائدين، مع ضرورة التركيز على إعادة تأهيل وإدماج هؤلاء المقاتلين.

4 ـ العامل الديني وصراعات المنطقة

في هذا الجزء الذي حمل عنوان: "مسائل دينية: كيف يرتبط الإسلام بالسياسة"، حاول "شادي حميد"  توضيح دور العامل الديني في صراعات الشرق الأوسط، وكيف تؤثر عوامل الدين والهوية والأيديولوجيا في تشكيل الاتجاهات الإقليمية بطرق غير متوقعة في بعض الأحيان؛ مؤكداً أنه على النقيض من أوروبا - التي انتهجت العلمانية – مازالت أفكار الإسلام ذات صدى واسع بين أغلبية الدول الإسلامية، وفي حين أن الغالبية الساحقة من المسلمين لا توافق على تفسير الجماعات المتطرفة للإسلام، مثل تنظيم "داعش" وغيره من الجماعات المتطرفة، فإن هذه الجماعات استمدت جزءاً من الدعم والقوة من استغلال بعض المفاهيم الإسلامية، مثل فكرة الخلافة أو المجتمع الإسلامي العابر للحدود.

وحسب توقعات الكاتب، من المرجح أن تستمر الانقسامات الدينية والعقائدية بالمنطقة في عرقلة آفاق الديمقراطية أو الاستقرار، أو كليهما. وفي حين أنه من الصعب تجاوز مثل هذه الانقسامات والتي تقوم على اختلافات جوهرية حقيقية، فإنه يمكن لأوروبا والمجتمع الدولي مساعدة دول المنطقة في التخفيف من وإدارة الانقسامات عن طريق تفعيل أدوات "الديمقراطية التشاركية" Consociational Democracy، بما يتضمنه ذلك من اختيار الأنظمة البرلمانية بدلاً من الأنظمة الرئاسية، وتعزيز النظم الانتخابية النسبية، وتطبيق مبادئ تقاسم السلطة، واللامركزية وتوزيع سلطات الدولة.

5 ـ الطابع الإقليمي للنزاعات المحلية

أكد "شادي حميد" على الطبيعة المترابطة لأزمات الشرق الأوسط، موضحاً المصادر المشتركة للصراعات؛ فمنذ الثورات العربية، أصبحت الصراعات المحلية عابرة للحدود الوطنية، وتطورت إلى حروب إقليمية بالوكالة. وأشار "حميد" إلى أن الدعم الخليجي كان له دور فعال في توطيد نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر، مضيفاً أن دول الخليج تنظر إلى الإخوان والجماعات المماثلة باعتبارها تمثل تهديداً وجودياً ليس فقط في مصر، ولكن في العديد من مناطق الأزمات الأخرى. وتطرق الكاتب إلى أن الاضطرابات التي وقعت في مصر على سبيل المثال، امتدت إلى ليبيا في شكل "انقسام إسلامي – علماني" أكثر حدة مع صعود أطراف قوية مثل اللواء "خليفة حفتر".

ولمواجهة هذه الظاهرة، ينبغي على أوروبا وشركائها النظر في إعادة ضبط العلاقات مع الشركاء الإقليميين التقليديين، والتحول من إطار العلاقات الاستراتيجية إلى العلاقات التبادلية مع الحلفاء في المنطقة عندما يكون ثمة تقارب في وجهات النظر حول قضايا معينة، والنأي عن غيرها من القضايا التي تضر بالمصالح الأمنية الغربية. والأهم من ذلك في رأي "حميد"، ضرورة تشجيع، بل وعند الحاجة ممارسة الضغوط على الحلفاء العرب لتجنب تسييس جهود مكافحة الإرهاب، مثل استغلال تهديد تنظيم "داعش" لتبرير اتخاذ تدابير ضد المعارضة المحلية، بحيث تستند جهود مكافحة الإرهاب إلى تحديد الإرهابيين الحقيقيين.

6 ـ فجوة التطلعات الهائلة

يرى "شادي حميد" أن الربيع العربي قد أعاد سلطة الزعماء الأقوياء الذين يعدون بتحقيق الاستقرار على حساب الديمقراطية، موضحاً - في القسم الأخير من التقرير - أن فجوة التوقعات الهائلة التي حدثت في دول الربيع العربي التي نجحت في البداية في الإطاحة بالنظم الاستبدادية، ساهمت في توقع فشل الديمقراطية. وحتى في تركيا، اعتمد حزب العدالة والتنمية مزيداً من الممارسات غير الليبرالية وغير الديمقراطية، الأمر الذي يقود في النهاية إلى استنتاج مفاده أن اللجوء إلى الزعماء الأقوياء الذين يعدون بتوفير "الاستقرار" في دول المنطقة، يتسبب في إدامة "ثقافة تفضيل الأفراد على المؤسسات"، وقد يؤخر من معالجة أوجه القصور الحقيقية في الحكم، والتي تعد المصدر الرئيسي لمعظم النزاعات في الشرق الأوسط.

ولتشجيع الانفتاح السياسي، يُوصي الكاتب بأهمية تقديم أوروبا وشركائها الدوليين حوافز اقتصادية وسياسية للحكومات في المنطقة لتطبيق معايير الإصلاح الديمقراطي، على أن تتمتع بالوضوح والقابلية للقياس. كما ينبغي على المجتمع الدولي أيضاً التفكير في كيفية ربط الديمقراطيات الجديدة الضعيفة مثل تونس بنظام إقليمي قوي، من خلال تكرار تجربة آليات عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي - حتى لو كان على مستوى أكثر محدودية - والتي أسفرت عن نتائج واعدة في تركيا.

ختاماً، يؤكد التقرير أن الاتجاهات والتحديات السابقة في المنطقة لم تظهر من فراغ، بل إنها ترتبط ببعضها البعض، ولايزال المتسبب الرئيسي في هذه التحديات هو غياب حكومات تتسم بالفاعلية، وتستطيع أن تحتوي جميع الأطراف وفئات المجتمع المختلفة، والتي يمكن أن توفر الشعور بالانتماء الوطني، وتحترم مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، فضلاً عن الوفاء أيضاً بالاحتياجات الأساسية للمواطنين. وفي هذا الإطار، يتضح الفارق بين رغبة صُناع السياسة الغربية على المدى القصير في إدارة واحتواء أزمات الشرق الأوسط، وبين الحاجة إلى المزيد من التخطيط المنهجي والتفكير الاستراتيجي على المدى البعيد.

* عرض مُوجز لتقرير: "المحنة والفرصة.. مواجهة تحديات السياسة والأمن في الشرق الأوسط"، والصادر في أبريل 2015، عن المعهد الهولندي للعلاقات الدولية "Clingendael"، وهو معهد يهدف إلى تعزيز فهم الشؤون الدولية من خلال تقديم تحليلات في مجالات الاقتصاد والأمن الدولي وإدارة الصراعات، كما يولي المعهد اهتماماً خاصاً لحلف الناتو والمجتمع الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية.

المصدر:

Daniel Byman and Shadi Hamid, Adversity and Opportunity: Facing the Security and Policy Challenges in the Middle East (Nederland, Netherlands Institute of International Relations Clingendael, April 2015).

الكلمات المفتاحية: الشرق الأوسطسوريا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات