تقديرات المستقبل

انفراجة محتملة:

أبعاد زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر
الأربعاء، 15 ديسمبر، 2021
انفراجة محتملة:

قام وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بزيارة مفاجئة إلى الجزائر، في 8 ديسمبر 2021، التقى خلالها نظيره الجزائري، رمطان لعمامرة، والرئيس عبدالمجيد تبون، في مؤشر مهم لاحتمالات حدوث انفراجة في العلاقات المتوترة بين الجزائر وباريس، وذلك بعد قرابة الشهرين من التصاعد المضطرد في حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، والتي بلغت حد سحب الجزائر سفيرها من باريس، ومنع الطائرات الفرنسية العسكرية والمدنية من التحليق فوق المجال الجوي الجزائري.

مقدمات الزيارة الفرنسية

تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر في إطار سلسلة من التطورات التي شهدتها العلاقات الجزائرية – الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- بداية التوتر: شهدت العلاقات الفرنسية – الجزائرية بعض التوترات خلال الأشهر الأخيرة، انعكس أحد ملامحها في إعلان الناطق باسم الحكومة الفرنسية، جابريال أتال، في نهاية سبتمبر 2021، تشديد إجراءات منح التأشيرات لمواطني الدول المغربية، بما في ذلك الجزائر، بدعوى رفض هذه الدول إصدار تصاريح السفر التي تسمح للمهاجرين غير الشرعيين لهم بالعودة لبلدانهم الأصلية، وأعقب ذلك قرار آخر من قبل وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دامانان، يتعلق بتقليص عدد التأشيرات الممنوحة للجزائر بمقدار النصف، ما دفع الأخيرة إلى استدعاء سفير باريس لديها وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية. 

وارتبطت التوترات التي طرأت على علاقة البلدين بعدد من المتغيرات، لعل أبرزها رفض باريس طلب الجزائر بشأن تسليمها أعضاء من تنظيمي "حركة استقلال القبائل" (ماك) و"حركة رشاد" اللتين تصنفهما الجزائر باعتبارهما من التنظيمات الإرهابية، فضلاً عن رفض الجزائر استقبال عشرات الجزائريين الموجودين في باريس، سواء كانوا من المهاجرين غير الشرعيين، أو من الشخصيات التي تصنفها فرنسا كـ"متطرفين دينيين" وأصدرت بحقهم قراراً بالطرد. ومن ناحية أخرى، شهدت الفترة الأخيرة تقارباً متنامياً بين الجزائر وكل من روسيا وتركيا، وهو الأمر الذي أزعج باريس بشكل كبير.

2- ذروة التصعيد: بلغت التوترات بين البلدين ذروتها في أكتوبر الماضي، عندما نشرت صحيفة، لوموند الفرنسية تصريحات للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، شكك خلالها في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للأخيرة. كما انتقد ماكرون الحكومة الجزائرية، ملمحاً إلى أن حراك 2019 جعل الرئيس الجزائري "عالقاً في نظام متحجر"، وهو ما أثار انتقادات واسعة، ودفعت الجزائر إلى استدعاء سفيرها من باريس، والإعلان عن منع الطائرات الفرنسية العسكرية والمدنية من التحليق فوق المجال الجوي الجزائري.

3- تخفيف حدة التوتر: شهدت الأسابيع الأخيرة عدداً من المؤشرات الإيجابية بشأن احتمالات حلحلة الخلافات القائمة بين البلدين، وهو ما انعكس بشكل واضح في البيان الصادر عن الرئاسة الفرنسية في نوفمبر الماضي، والذي أكد أن الإليزيه "يأسف للجدل وسوء الفهم الذي تسببت فيه تصريحات الرئيس ماكرون". 

وأعقبت ذلك تصريحات أخرى لوزير الخارجية الفرنسي لودريان، دعا فيها إلى ضرورة تحقيق علاقة واثقة وشراكة طموحة مع الجزائر تتجاوز أزمات الماضي، كما أشار الرئيس تبون خلال حوار له منتصف نوفمبر 2021 إلى إمكانية عودة العلاقات مع فرنسا إلى طبيعتها من خلال تسوية التوترات القائمة، ولكن مع التأكيد على أهمية أن تكون الشراكة قائمة على الندية. ومن ثم جاءت زيارة الوزير الفرنسي إلى الجزائر استكمالاً للمؤشرات الإيجابية التي ربما تعزز من إمكانية تسوية الخلافات السابقة.

دوافع الزيارة

عبّر وزير الخارجية الفرنسي خلال زيارته الأخيرة عن رغبة بلاده في استعادة العلاقات الهادئة مع الجزائر، ويمكن عرض دوافع الزيارة على النحو التالي:

1- اتخاذ الخطوة الأولى: تستهدف فرنسا من هذه الزيارة اتخاذ الخطوة الأولى لعلاج الخلافات القائمة مع الجزائر، خاصةً أن الرئيس تبون أكد أن بلاده لن تقوم بالخطوة الأولى لتسوية الأزمة مع باريس، وبالتالي تعكس هذه الزيارة مساعي فرنسية للتهدئة مع الجانب الجزائري عبر التأكيد على احترام سيادتها، والاعتذار عن التصريحات التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون.

2- حماية المصالح الفرنسية في الساحل: أفرز القرار الجزائري بشأن حظر الطيران الفرنسي في مجالها الجوي تداعيات سلبية على الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، مع تحملها تكاليف باهظة وصلت لعدة ملايين يورو خلال الشهرين الماضيين، خاصة أن الرحلات أصبحت أطول بنحو ساعين ونصف، فضلاً عن زيادة تكاليف التدخلات والطلعات اللوجستية في المنطقة.

وإضافة إلى ذلك، تسعى باريس لعدم ترك المجال أمام النفوذ الروسي المتنامي لاستغلال الفراغ الذي ربما يتمخض عن تراجع الدور الفرنسي، وهو ما وضح في مالي على سبيل المثال، والتي قررت الرد على الانسحاب الفرنسي منها ببحث إقامة علاقة مع شركة فاجنر العسكرية الخاصة الروسية.

3- التنسيق بشأن الملف الليبي: تسعى الفواعل الإقليمية والدولية كافة إلى التوصل إلى ترتيبات تضمن حلحلة الأزمة الليبية وضمان مصالحها بشكل رئيسي، وتسعى باريس إلى ضمان التنسيق مع الجزائر بشأن المسارات المحتملة للانتخابات الليبية، والتداعيات المحتملة حال تم تأجيلها، فضلاً عن مساعيها للحيلولة دون توصل الجزائر إلى توافقات مع الجانب التركي تتعلق بالملف الليبي.

4- الاستعداد للانتخابات الفرنسية: مثلت استعدادات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل 2022 محدداً رئيسياً في السياسات الحادة التي اتبعتها باريس مؤخراً إزاء الجزائر، في محاولة من ماكرون لكسب أصوات اليمين واليمين المتطرف، بيد أن استطلاعات الرأي في الفترة الأخيرة أظهرت محدودية نتائج هذه السياسات في توجيه المسار التصويتي. 

ومن ثم يبدو أن ماكرون عمد إلى تخفيض حدة التوتر مع الجزائر في محاولة لكسب أصوات المواطنين الفرنسيين المسلمين، خاصة من ذوي الأصول الجزائرية، والتي تمثل كتلة تصويتيه مؤثرة في فرنسا، فضلاً عن تيار اليسار أيضاً، والذي كان قد انتقد السياسات الأخيرة لماكرون. ومن ثم لا يريد الرئيس الفرنسي أن تمثل التوترات مع الجزائر ورقة ضغط يستخدمها منافسوه ضده في الانتخابات المقبلة.

5- القلق من توجهات الجزائر الخارجية: ينتاب فرنسا قلق متصاعد خلال الفترة الأخيرة من الزخم الذي شهدته علاقة الجزائر بالمحور الشرقي، وهو ما انعكس بشكل واضح في تكثيف التعاون التقليدي بين الجزائر وروسيا، والذي تجسد أحد ملامحه في المناورات البحرية المشتركة بين الجزائر وروسيا في منتصف نوفمبر 2021، وما حملته من مؤشرات بشأن تعزيز التعاون والتنسيق العسكري بين البلدين، خاصةً فيما يتعلق بمنطقة الساحل الإفريقي.

كذلك، سعت تركيا إلى استغلال التوتر في علاقة الجزائر بفرنسا لمحاولة طرح نفسها كشريك استراتيجي بديل للجزائر، وهو ما تجسد في توقيع شركة المحروقات الجزائرية "سوناطراك" لثلاثة عقود مع تركيا في 9 أكتوبر 2021، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فضلاً عن توقيع البلدين 6 اتفاقيات تعاون مشتركة في عدة مجالات في مطلع نوفمبر الماضي.

دلالات مهمة

تعكس زيارة لودريان إلى الجزائر العديد من الدلالات المهمة بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- تسوية الخلافات البينية: كشف دبلوماسي فرنسي أن زيارة لودريان إلى الجزائر تهدف إلى تحديد مسار للخروج من التوترات الراهنة في علاقة الدولتين. كما عكست كذلك وجود استجابة من باريس لبعض المطالب الجزائرية، سواء المتعلقة بملف التأشيرات، أو التراجع عن تصريحات ماكرون المسيئة، وربما انعكس ذلك بشكل واضح في إعلان وزيرة الثقافة الفرنسية، روزلين باشلو، في 10 ديسمبر الجاري، عن قرب موعد الإعلان عن أرشيف حرب الجزائر خلال الفترة المقبلة لتعكس مساعي جادة من قبل باريس لحلحلة بعض الملفات الخلافية مع الجزائر، ومنها ملف الذاكرة الاستعمارية.

2- استئناف التعاون الثنائي: عبر لودريان خلال زيارته الجزائر، عن رغبة بلاده في تسوية الخلافات مع الجزائر من أجل التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية التي تواجه البلدين، مؤكداً أهمية عودة السفير الجزائري لباريس، وإعادة فتح المجال الجوي الجزائري أمام الطيران الفرنسي. وأكد الوزير الفرنسي في نهاية زيارته أنه قد اتفق مع المسؤولين الجزائريين على استئناف بعض محاور التعاون الثنائي.

وفي هذا السياق، أشارت بعض التقارير إلى أن الرئيس الفرنسي أجرى نهاية نوفمبر الماضي اتصالاً مطولاً مع نظيره الجزائري، تم خلالها الاتفاق على العمل على تخفيف التوترات القائمة بشكل تدريجي، فضلاً عن استئناف المحادثات الخاصة بمنطقة الساحل. وعلى الرغم من عدم إعلان الجزائر عن فتح مجالها الجوي أمام الطيران الفرنسي، فإن المباحثات لاتزال قائمة في هذا الشأن، وقد أفرزت بالفعل تقدماً محدوداً يتعلق بالسماح برحلات الإجلاء الطبية الطارئة للقوات الفرنسية من مالي.

كما انعكست الانفراجة في التصريحات التي أطلقها الرئيس تبون في 11 ديسمبر الجاري، والتي دعا فيها شباب الجالية الجزائري في فرنسا إلى الابتعاد عن التطرف، وذلك خلال استقبال الرئيس الجزائري عميد مسجد باريس، شمس الدين حفيز.

3- استباق التحركات الروسية: جاءت زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر قبل أيام قليلة من الزيارة التي يقوم بها نظيره الروسي إلى الجزائر في 12 ديسمبر الجاري، وهو ما يعكس مؤشرات مهمة بشأن التنافس المتصاعد بين موسكو وباريس في منطقة الساحل الأفريقي، ويبدو أن فرنسا تسعى إلى تجنب حدوث تنسيق روسي – جزائري بشأن الترتيبات الأمنية في هذه المنطقة بما يؤثر على مصالحها ونفوذها هناك.

وفي الختام، تكشف المعطيات السابقة وجود محاولات فرنسية مكثفة لحلحلة التوترات الراهنة مع الجزائر، في ضوء التحديات الداخلية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، فضلاً عن الملفات الإقليمية المختلفة التي تحتاج فيها فرنسا إلى التنسيق مع الجزائر، خاصةً فيما يتعلق بالملف الليبي ومنطقة الساحل الأفريقي. من ناحية أخرى، يبدو أن هناك تجاوباً مبدئياً من قبل الجزائر للمضي قدماً في المباحثات مع باريس، لكن في المقابل، يتوقع أن تلجأ الجزائر إلى التأني في خطواتها لجني مزيد من التنازلات الفرنسية، فضلاً عن محاولتها تحقيق التوازن بين توجهها نحو الشرق ومصالحها مع فرنسا.


الكلمات المفتاحية: الجزائرفرنسا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات