التحليلات - التغيرات السياسية

عقبات كبيرة:

مآلات المشروع الانفصالي الاسكتلندي بعد "بريكست"
الأحد، 14 فبراير، 2021
عقبات كبيرة:

على الرغم من إدراج حكومة "بوريس جونسون" إعلان التوصل إلى اتفاق تجاري لمرحلة ما بعد بريكست في تاريخه كما كان محددًا، ودخوله حيز النفاذ في الأول من يناير 2021 ضمن حصيلة إنجازاتها؛ إلا أنه يبدو أن هذا التاريخ سيشكل لها -في الوقت نفسه- بداية تحدٍّ أصعب يتمثل في مدى قدرتها على استيعاب تصاعد الاستياء الأسكتلندي من جراء الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومنع محاولات استثماره لتعزيز النزعة الانفصالية لدى الأسكتلنديين، وبالتالي مواجهة الضغوط الدافعة نحو إنجاز مشروع استقلال اسكتلندا، مما قد يعني عمليًّا إنهاء وحدة المملكة المتحدة، والذي قد يشكل بداية لتسارع مسلسل التفكك في حال انتشار شرارة الانفصال إلى الشريكين الويلزي والأيرلندي الشمالي.

هذا الاستياء عبّرت عنه بشكل صريح رئيسة وزراء أسكتلندا "نيكولا ستورجون" في نهاية 2020 حين اعتبرت أن بريكست يتحقق عكس إرادة شعب اسكتلندا، وأنه "لا يمكن لأي اتفاق أن يعوّض ما أخذه بريكست منا"، متعهدة في 2 يناير 2021 بالعمل من أجل تنظيم استفتاء جديد من أجل التصويت على استقلال اسكتلندا. غير أنّ القرار الفصل في تنظيم مثل هذا الاستفتاء دستوريًّا وسياسيًّا يعود إلى رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" الذي يعارضه بشدة.

محفزات الانفصال: 

يمكن إرجاع الأسباب الموضوعية لاكتمال تبلور مشروع الانفصال الاسكتلندي في هذا التوقيت خصوصًا إلى تضافر العوامل التالية:

1- تداعيات البريكست: على الرغم من حصول مؤيدي البريكست على 52% من أصوات المقترعين في استفتاء عام 2016، إلا أن 62% من الأسكتلنديين صوتوا للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من الوعود الممنوحة من قبل بريطانيا لاسكتلندا باحترام إرادة الأسكتلنديين، والعمل على الحصول على وضع خاص لاسكتلندا من خلال مفاوضات إتمام البريكست؛ إلا أن شيئًا من هذا لم يتحقق، مما اعتبره الأسكتلنديون عدم احترام حكومة لندن لوعودها، وتجلت نتيجة ذلك في الانتخابات التشريعية العامة عام 2019 التي جرت على وقع مفاوضات البريكست، حيث اكتسح الحزب القومي الأسكتلندي المقاعد المخصصة لاسكتلندا في برلمان وستمنستر، وحصل على 48 مقعدًا من أصل 59. وجاءت نتائج 13 استطلاعًا للرأي أُجريت في اسكتلندا بعد استفتاء البريكست بتفضيل الأسكتلنديين لخيار الاستقلال عن المملكة المتحدة.

2- تداعيات أزمة كورونا: حيث تُظهر الاستطلاعات أن 74% من الأسكتلنديين راضون عن أداء رئيسة وزرائهم في مواجهة وباء كورونا، بينما 19% فقط من الأسكتلنديين يرون أن "بوريس جونسون" قد قام بأداء جيد خلال أزمة كورونا، في مؤشر على استياء أسكتلندي من البقاء تحت حكومة لندن المركزية. كما تُظهر الوقائع على الأرض عدم تطبيق الكيانات الأربعة المنضوية تحت المملكة المتحدة (بريطانيا، ويلز، اسكتلندا، أيرلندا الشمالية) لسياسات موحدة أثناء فترة الإغلاق، من حيث الحد الأدنى للتجمعات المسموح بها (6 أشخاص في إنجلترا، و8 في اسكتلندا)، والمسافة التي يمكن للفرد قطعها بعيدًا عن منزله في فترة الإغلاق (لا قيود على ذلك في إنجلترا، الحد الأقصى في ويلز 5 أميال)، وكذلك بالنسبة لإعادة فتح المدارس، وإلزامية ارتداء الكمامة الطبية (إلزامية في إنجلترا واسكتلندا، ولكن ليس كذلك في ويلز). ولقد جاء الوباء في وقت صعب على المملكة، حيث العلاقة بين مكوناتها أصبحت أكثر عداوة، وحيث يمكن إدراج هذه التباينات ضمن قواعد مكافحة فيروس كورونا بالرغبة في استغلال مسألة تفويض الصلاحيات من برلمان وستمنستر من أجل توسيعها والتهيئة للطلاق القادم.

3- تغير الأولويات: كان التيار الانفصالي في اسكتلندا يتبنى خطابًا سياسيًّا يتميز بالرفض للوحدة الأوروبية، انطلاقًا من أنه قام ببناء مشروعه السياسي الأساسي منذ انطلاقته حول الديمقراطية الاجتماعية التي تتعارض مع السياسات النيوليبرالية أو الرأسمالية للمشروع الأوروبي، وكان قد تبنى حملة معارضة لبقاء المملكة المتحدة في استفتاء ١٩٧٥ في المجموعة الأوروبية. ولكن منذ عام ١٩٨٨ وتحت رئاسة "جيم سيلارز" للحزب القومي الأسكتلندي، حصلت نقطة تحول لافتة، حيث أصبح الحزب مؤيدًا للوحدة الأوروبية، ويمكن إرجاع هذا التبدل الاستراتيجي إلى محاولة إخراج الحركة الانفصالية الاسكتلندية من عزلتها على الساحة الأوروبية والعالمية، والتواصل مع الشركاء في المجموعة الأوروبية.

وعلى الرغم من نجاح الحزب القومي الأسكتلندي في تحقيق وعده للناخبين الأسكتلنديين بإجراء استفتاء في عام ٢٠١٤ حول استقلال اسكتلندا بالاتفاق مع حكومة لندن، إلا أن نتيجة الاستفتاء جاءت مغايرة لرغبة الانفصاليين، حيث صوت ٥٤% من الأسكتلنديين ضد استقلال اسكتلندا، على الرغم من بقاء الحزب القومي الأسكتلندي كحزب للأغلبية في اسكتلندا، وتعود أسباب ذلك إلى أن شريحة واسعة من الناخبين الأسكتلنديين كانوا يعتبرون أنهم إن صوتوا بــ"لا" في استفتاء 2014 فإنه سيتسنى لهم التصويت في استفتاء البريكست في 2016 ضد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهزيمة التوجه الداعم للخروج، ولذا فإنه يمكن اعتبار أن الانفصال كان دائمًا هو مطلب أغلبية الأسكتلنديين، ولكن أولويات الماضي كانت مغايرة، وبالتالي فإن التوجهات الحالية تميل إلى اعتبار أن الحصول على الاستقلال ضمن الاتحاد الأوروبي هو أكثر جاذبية من البقاء كجزء من المملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي.

4- توسع اللا مركزية البرلمانية الأسكتلندية: نجح الأسكتلنديون في عام 1998 في الحصول على برلمانهم الخاص بعد الإخفاق في استفتاء عام 1977 على الرغم من تصويت أغلبية المقترعين لصالح تفويض الصلاحيات من برلمان لندن، وذلك بسبب وضع شرط لصحة الاستفتاء يقتضي تخطي نسبة المقترعين 40%، ومنذ إنشاء البرلمان حتى عام 2007 سعى الحزب القومي الأسكتلندي لتزعّم المعارضة، ومن بعد عام 2007 إلى اليوم أصبح الحزب هو صاحب الأغلبية في البرلمان. ونتيجة لقوة هذا الصعود قام قادة الحزب القومي الأسكتلندي بالحصول على موافقة لندن على إجراء الاستفتاء الأول حول استقلال اسكتلندا في 2014، وهم حاليًّا يحاولون استثمار توسع شعبيتهم من أجل الدعوة إلى معاودة إجراء هذا الاستفتاء بعد البريكست.

5- العوامل الاقتصادية: يعتبر أغلبية الأسكتلنديين أنهم حصلوا خلال نصف قرن قضتها بلادهم في الاتحاد الأوروبي على الكثير من الفوائد والمكاسب من السوق الأوروبية المشتركة وحرية التنقل، حيث اختار أكثر من 230 ألفًا من رعايا الاتحاد الأوروبي الإقامة في اسكتلندا، ومن الممكن خسارتهم في المرحلة المقبلة، كما أن حقّ المواطنين الأسكتلنديين في العمل والدراسة بالاتحاد الأوروبي سوف يتعرض للانتقاص، إضافةً إلى أن هناك أكثر من 2000 شاب جامعي أسكتلندي شاركوا في برنامج ERASMUS، وفي المستقبل لن يستطيع أقرانهم الاستفادة منه.

كما يعتبر أغلبية الأسكتلنديين أن المنشآت الأسكتلندية الحديثة من جسور ومحطات الطاقة المتجددة بُنيت بأموال الصناديق الأوروبية، كما تُشكل الإعانات الزراعية الممنوحة من الاتحاد الأوروبي للمزارعين الأسكتلنديين 75% من مصادر دخلهم، وإذا كانت نسبة المناطق المصنفة ضمن فئة المناطق الريفية الأقل حظوة من قبل برامج الاتحاد الأوروبي تبلغ في إنجلترا 17% فإن هذه النسبة تصل في اسكتلندا إلى 85%. وعلى الرغم من أن عدد سكان اسكتلندا يمثل 8% فقط من إجمالي عدد سكان المملكة المتحدة؛ فإن اسكتلندا كانت تحصل على نسبة 15% من إجمالي أموال المساعدات المخصصة من قبل الاتحاد الأوروبي للمملكة المتحدة، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول البديل للتمويل الأوروبي، خصوصًا في ظل الاتهامات الأسكتلندية المتكررة لـ"بوريس جونسون" ببيع الصيد الأسكتلندي.

السيناريوهات المتوقعة:

هناك احتمالات متعددة لمآلات تبلور المشروع الانفصالي الأسكتلندي، يمكن إيجازها على النحو التالي:

1- الانفصال بعد الانتخابات المحلية القادمة: حيث سيؤدي انتصار ساحق جديد للحزب القومي الأسكتلندي في الانتخابات المحلية القادمة المقرر لها أن تتم في مايو القادم، إلى زيادة الضغوط على "بوريس جونسون" الرافض لفكرة إجراء استفتاء جديد بحجة أن الاستفتاء الماضي في عام 2014 كان استفتاء لجيل واحد، وأن فكرة الاستفتاء يجب أن لا تحصل إلا مرة واحدة في كل جيل. ووفقًا للعديد من استطلاعات الرأي ومنها استطلاعات معهد Savanta ComRes فمن الصعب جدًّا رؤية تقدم حزب العمال أو المحافظين في الانتخابات المحلية القادمة، مما يعني توجه الحزب القومي الأسكتلندي نحو فوز انتخابي كبير ربما سيدفع "بوريس جونسون" إلى تغيير رأيه، والتوافق حول إجراء استفتاء ثانٍ المعروف باسم Indyref2.

2- انتظار انتهاء ولاية "جونسون": في حال استمرار رفض "بوريس جونسون" إعطاء الموافقة على إجراء استفتاء جديد حتى بعد انتصار الانفصاليين الأسكتلنديين في الانتخابات المحلية القادمة في 2021، فمن الممكن أن ينتظر الانفصاليون الانتخابات البريطانية القادمة في 2023 والتي من المحتمل أن تأتي برئيس وزراء بريطاني جديد غير "بوريس جونسون"، حيث يُظهر استطلاع للرأي نُشر مؤخرًا في "الجارديان" نقلًا عن Focaldata صعوبة احتفاظ "بوريس جونسون" بمقعده، وخسارة حزب المحافظين لأغلبيته وحصوله على 284 مقعدًا (أي بتراجع نحو 81 مقعدًا عن انتخابات 2019)، بفارق مقعدين فقط عن حزب العمال (282 مقعدًا)، فيما سيكتسح الحزب القومي الأسكتلندي المقاعد المخصصة لاسكتلندا في برلمان وستمنستر وسيحصد 57 مقعدًا من أصل 59 (حاليًّا يملك 47)، مما يعني في حال تحقق ذلك أن هذا الحزب الداعم للانفصال سيستغل حاجة أي ائتلاف حكومي قادم من أجل تمرير المطالبة بإجراء الاستفتاء على استقلال اسكتلندا.

3- القيام باستفتاء أحادي: وهو احتمال ضعيف جدًّا، خصوصًا أن رئيسة الوزراء الأسكتلندية "نيكولا ستورجن" كررت مرارًا أن إنجاز الاستقلال يجب أن يحصل وفقًا للأساليب الدستورية، وبالتالي فإن تكرار السيناريو الكتالوني مستبعد في اسكتلندا، أي القيام باستفتاء من طرف واحد من دون أخذ موافقة حكومة المحافظين وبرلمان لندن. ولكن في حال استمرار تشبث حكومة المحافظين بموقفها، فإن الخيار الأخير ضمن استراتيجية انفصاليي أسكتلندا ربما سيكون اللجوء إلى القضاء، وعرض القضية أمام المحكمة العليا Supreme Court لتقول كلمتها في هذه المسألة، وإبداء رأيها في تأويل ما إذا كان Scotland Act يمنح لبرلمان أدنبرة صلاحيات تنظيم استفتاء حول الاستقلال دون الرجوع إلى لندن، ولكن صدور مثل هذا الحكم تواجهه عقبات كبيرة أقلها كسر تفسير الأغلبية البرلمانية في وستمنستر "لقانون اسكتلندا".

ختاماً تخشى أوساط المحافظين من أن يدفع الحراك الذي يقوم به الأسكتلنديون إلى تشجيع المطالب بتوحيد الجزيرة الأيرلندية، خصوصًا أنه سيكون للبريكست تأثيرات كبيرة على الوضع في إيرلندا الشمالية، حيث يتخوف الموالون من أن عمليات الفحص الجمركي للبضائع قبل وصولها إلى بريطانيا قد تكرس حدودًا بحرية كانت غير موجودة سابقًا بالنسبة لإيرلندا الشمالية، وبالتالي تساهم في تعزيز الاتحاد الاقتصادي لإيرلندا الشمالية مع جمهورية إيرلندا.

وهو ما قد يشكل مقدمة لتوحيد الجزيرة في النهاية، خصوصًا مع التقدم المطرد لحزب "الشين فين" الساعي للوحدة، حيث تتراوح شعبيته الحالية حول 25% من الأصوات، وحيث إن انتصاره على حزب الوحدويين الحاكم حاليًّا في إيرلندا الشمالية من الممكن أن يدفع في اتجاه تنظيم استفتاء حول وحدة إيرلندا، خصوصًا أن الأمور ليست بالتعقيد نفسه الحاصل في اسكتلندا، حيث تنص اتفاقية The Good Friday Agreement التي أنهت الحرب الأهلية في إيرلندا الشمالية على بند يتيح لحكومة إيرلندا الشمالية بتنظيم استفتاء حول الانضمام إلى جمهورية إيرلندا، بالإضافة إلى أن فكرة استقلال ويلز بدأت بالتسلل والظهور ضمن النقاشات العامة، خصوصًا أن رئيس الحكومة الويلزي الحالي "مارك دراكفورد" من حزب العمال، وهو غير موافق بشكل عام على سياسات حكومة حزب المحافظين في لندن، بالإضافة إلى تقدم التيار الانفصالي في ويلز باستطلاعات الرأي بعد صدور نتائج البريكست في 2016 من 10% إلى 25%.

وبشكل عام أدى إنجاز البريكست إلى إعطاء قوة دفع للتيارات الانفصالية في الكيانات التي تتشكل منها المملكة المتحدة ولكن بوتيرة متفاوتة، وتحتل اسكتلندا صدارة المشهد الانفصالي لأن الحزب الداعي للاستقلال فيها نجح في السيطرة على السلطة المحلية. فهل تصبح اسكتلندا هي الحلقة الأولى المكسورة في سلسلة تفكك المملكة المتحدة؟ خصوصًا أن هذا الاستقلال الأول دونه عقبات كبيرة، كمعارضة حزب المحافظين، وافتقار اسكتلندا لعملة وطنية، بالإضافة إلى أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي ليست بهذه السهولة، حيث على اسكتلندا أن تتقدم في حال حصولها على استقلالها بطلب انضمام جديد إلى الاتحاد خاضع للتفاوض وفقًا لشروط ومعايير خاصة، بالإضافة إلى حتمية الحصول على موافقة بقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من أجل حصول الانضمام، وهو ليس ميسّرًا مع وجود دول أعضاء تخشى من تمدد شرر الانفصال ليصيب أجزاء من أراضيها كإسبانيا وبلجيكا وفرنسا.


الكلمات المفتاحية: لندنبريكستاسكتلندا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات