تقديرات المستقبل

تجاوز "المنافذ":

كيف عكست تجارة المخدرات تفاعلات الشرق الأوسط في عصر "كورونا"؟
الأربعاء، 15 يوليو، 2020
تجاوز "المنافذ":

مثّلت تجارة المخدرات أحد المتغيرات التي أثرت في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط في عصر "كورونا"، القائم على إغلاق الحدود البرية ومراقبة المنافذ البحرية وتعليق الرحلات الجوية وفرض حظر التجوال كنوع من الإجراءات الاحترازية، على نحو ما تمثل في تمويل أنشطة الميلشيات المسلحة في مناطق النفوذ الاستراتيجية، ومحاولة التنظيمات الإرهابية استعادة نشاطها على الحدود الرخوة، وإيجاد العصابات الإجرامية طرق جديدة لتهريب المواد المخدرة، وتشكل "اقتصاديات المعابر" على الحدود الجغرافية الرخوة، واستمرار رهان الشبكات الدولية على بؤر مركزية إقليمية لتهريب المواد المخدرة.

 مؤشرات متعددة:

وفر انتشار فيروس "كوفيد -19" فرصة سانحة للفاعلين في تجارة المخدرات في منطقة الشرق الأوسط، لمواصلة وتطوير نمط تهريب تجارتهم غير الشرعية، على نحو ما عكسته التفاعلات التي جرت خلال الأشهر القليلة الماضية، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

سيطرة الميلشيات

1- تمويل أنشطة الميلشيات المسلحة في مناطق النفوذ الاستراتيجية: وهو ما ينطبق على ميلشيا المتمردين الحوثيين في العاصمة صنعاء ومدن يمنية أخرى واقعة تحت سيطرتها، حيث ضبطت الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة الشرعية، في الثُلث الأول من يوليو الجاري، أطناناً من المخدرات، وقالت إنها "كانت في طريقها إلى مناطق سيطرة الميلشيا الحوثية".

ووفقاً لما ذكرته صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، في 4 يوليو الجاري، فإن ذلك الضبط هو حالة كاشفة لتوسع ظاهرة الإدمان وتعاطي المواد المخدرة في أحياء عديدة بصنعاء ومنها "السنينة، وبيت بوس، ودارس، وهائل، وباب اليمن، والتحرير، وشعوب" بعد تزايد الأزمات المختلفة، بما فيها انتشار "كورونا".

وقد باتت تجارة وترويج وتعاطي المخدرات تحدث بصورة شبه علنية في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد إنشاء الكثير من الأوكار في الأحياء الشعبية، تشرف عليها عصابات إجرامية مدعومة من قادة حوثيين بهدف تكوين ثروة طائلة من وراء الإتجار بالمواد المخدرة من ناحية، وتعزيز سيطرة الميلشيا على عقول الشباب الذين عجزت عن استقطابهم لجبهات القتال بإدمانهم للمخدرات من ناحية أخرى.

 وتجدر الإشارة إلى أن محافظة مأرب تتصدر المحافظات الأكثر ضبطاً للمواد المخدرة التي تهرب من قبل العصابات المتحالفة مع الميلشيا الحوثية، وتليها محافظة الجوف، في حين تأتي محافظتا حجة والبيضاء في المراتب الأخيرة، وفقاً لتقارير أمنية صادرة عن الحكومة الشرعية.

كما باتت المخدرات مصدراً لتمويل الميلشيات المسلحة في العراق، وخاصة فصائل الحشد الشعبي، لاسيما في ظل الحدود السائبة مع إيران، لما تدره من أموال ضخمة، بحيث تحولت العراق لمنطقة عبور للمخدرات الإيرانية تمهيداً لتصديرها إلى دول الجوار.

وتشير بعض الكتابات إلى أن ثمة تحولاً حقيقياً في ثروة الميلشيات المسلحة من الإتجار بالمخدرات بعد الاستيلاء على المناطق التي تم تحريرها من تنظيم "داعش" الإرهابي في عام 2017، حيث تم التوسع في زراعة المخدرات بالمناطق الخاضعة لسيطرتها. 

ومن أبرز الميلشيات العاملة في ذلك المجال عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي وكتائب حزب الله العراقي، وتستغل الجائحة لترويج المخدرات بين المحافظات. وقد كشفت السلطات الأمنية في محافظة الأنبار، في 29 إبريل الماضي، عن العثور على 14 ألف حبة مخدرة في المحافظة.

تمويل الإرهاب

2- محاولة التنظيمات الإرهابية استعادة نشاطها على الحدود الرخوة: على نحو ما تعبر عنه تحركات كوادر "داعش" على الحدود العراقية- السورية، إذ أعلنت الشرطة الإيطالية، في أول يوليو الجاري، "مصادرة كمية من الأمفيتامين تبلغ 14 طناً بشكل 84 مليون حبة، وهى أكبر عملية مصادرة أمفيتامين تقوم بها قوات شرطة على المستوى العالمي".

 وأوضح البيان أن "العملية تمت في مرفأ ساليرنو بجنوب نابولي وقيمتها في السوق مليار يورو"، وأضاف: "نعلم أن تنظيم داعش يمول أنشطته الإرهابية الخاصة، خصوصاً الإتجار بالمخدرات التي تصنع في سوريا، وبات لهذا السبب أكبر منتج عالمي للأمفيتامينات في السنوات الماضية".

وقبل ضبط هذه الكمية من المواد المخدرة بأسبوعين، كانت وحدة التحقيق نفسها في مدينة نابولي قد رصدت حاوية تم إخفاء بداخلها 2800 كلغ من الحشيش و190 كلغ من الأمفيتامينات على شكل أكثر من مليون حبة، وكانت بعثتها إحدى الشركات السورية للمؤسسة السويسرية نفسها، وهو ما يشير إلى أن ثمة تحالفاً إجرامياً يقف وراء هذه العمليات لأن تلك الكمية (85 مليون حبة) قادرة على تلبية حاجات السوق الأوروبية أكبر من حاجة السوق الإيطالية.

ونظراً لأن تدابير العزل التي فرضها فيروس "كورونا" المستجد ساهمت في عرقلة إنتاج وتوزيع المخدرات المصنعة في أوروبا، بعد إغلاق الحدود، فقد سعى المهربون إلى جلبها من سوريا التي تشهد صراعاً حاداً.

في حين تشير تحليلات أخرى إلى أن هذه الشحنة ليست لها علاقة بتنظيم "داعش" وإنما ترتبط بالنظام السوري، وتنطلق من أن شبكة من أقارب بعض القيادات هى التي أنتجت المخدرات المصادرة وأرسلتها لإيطاليا، وتحديداً من قرية "البصة" بمحافظة اللاذقية، حيث يدير سامر كمال أحد مصانع الكبتاغون العديدة، خلف واجهة "مصنع لمواد التعبئة والتغليف"، وتتردد معه أسماء شخصيات أخرى، في نقل شحنة المخدرات نظراً لعدم ورودها في قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية. وما يدعم من وجهة النظر أن "داعش" صار مجموعات منفصلة صغيرة على صحاري العراق وسوريا، ولا تمتلك قدرات تصنيع هذه المواد المخدرة. 

الإجرام المنظم

3- إيجاد العصابات الإجرامية طرق جديدة لتهريب المواد المخدرة: ثمة تكيف سريع لجماعات الجريمة المنظمة مع البيئات الجديدة في بعض دول الإقليم، لاسيما في ظل انتشار وباء عالمي مثل "كوفيد-19"، بحيث يتم التفكير في أساليب جديدة للالتفاف على إجراءات أجهزة الأمن المعنية بمكافحة المخدرات. 

فقد أكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عبر تقريره لعام 2020 أن تأثير جائحة "كوفيد-19" على أسواق المخدرات غير معروف تماماً حتى الآن، إلا أن القيود الحدودية والقيود الأخرى المرتبطة بالتصدي لها، تسببت بنقص فعلي في المخدرات في الشوارع، مما أدى إلى زيادة الأسعار وانخفاض في درجة النقاء.

وجاء في التقرير أنه "قد يضطر المتاجرون إلى إيجاد طرق وأساليب جديدة، وتزداد أنشطة التهريب عبر الشبكة المظلمة"، فضلاً عن الترويج عبر مقدمي خدمة الوجبات السريعة، إلى جانب البحث عن منافذ جديدة وموزعين للمواد المخدرة، لاسيما أنه في عصر "كورونا" قد يظهر متعاطون جدد، وهو ما تشير إليه الحالة العراقية، خلال الربع الثاني من عام 2020، بعد تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات لاسيما النوع الذي يطلق عليه اسم "الكريستال"، خاصة في صفوف شبان الأحياء الفقيرة. وتشير العديد من التقارير الصحفية إلى أن محافظة البصرة في أقصى الجنوب العراقي أصبحت مركزاً لمرور المخدرات وخاصة "الكريستال".

شبكات المنافذ

4- تشكل "اقتصاديات المعابر" على الحدود الجغرافية الرخوة: والتي تسيطر عليها ميلشيات وليست أجهزة حكومية، وهو ما ينطبق على الحدود العراقية- الإيرانية، إذ تشير العديد من التقارير إلى أن محافظات البصرة وميسان وواسط التي تتاخم الحدود الإيرانية قد تحولت لمراكز استيراد المخدرات من الأخيرة عبر منفذ الشلامجة الحدودي بين البصرة والأهواز ومنفذ مهران الحدودي بين واسط وكرمنشاه، حيث يدخل من تلك المنافذ مخدر "الكريستال"، ويتم استقدام خبراء من أفغانستان وإيران لبيع المخدرات. وعلى الرغم من أن فيروس "كورونا" أدى إلى إغلاق الحدود العراقية- الإيرانية، إلا أن هناك تحايلاً من المهربين على ذلك.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ثمة هيمنة من الميلشيات المسلحة على المعابر الحدودية بين العراق وإيران، مثل سيد الشهداء والخرساني والجهاد والبناء ومنتظرون، وأصبحت ترتبط بعصابات الإتجار بالمخدرات بمصالح متبادلة، حيث تُؤِّمن الميلشيات حركة مرور العصابات، في حين تدفع الأخيرة مبالغ مالية كبيرة، وتعتمد تلك العصابات على وسائل نقل متقدمة مثل الطائرات المسيرة، وزرع كاميرات مراقبة حديثة لتأمين تحركاتها ومصانعها، بل تمتلك أسلحة لا تتوافر لدى الأجهزة الأمنية النظامية. ولا يرجح أن يكون تفشي "كورونا" عاملاً لعرقلة هذه التجارة "غير المرئية".

نقاط التمويل

5- استمرار رهان الشبكات الدولية على بؤر مركزية إقليمية لتهريب المواد المخدرة: أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني، في 24 مارس الماضي، عن "ضبط قافلة مؤلفة من 8 شاحنات كانت متجهة إلى مرفأ بيروت، على متنها حاويات بداخلها آلاف الأكياس من النايلون، تحتوي على أتربة زراعية". وبعد الانتهاء من تفتيش الحاويات، تم "ضبط كميات كبيرة من الحشيشة والتي بلغ وزنها حوالي 25 طناً، كانت مرتبة بطريقة محترفة داخل أكياس التراب"، والتي كانت مجهزة للتجارة والترويج والتهريب إلى دولة إفريقية، وفق البيان الصادر عن مكتب مكافحة المخدرات المركزي في وحدة الشرطة القضائية.

وتعد الكمية المحجوزة من الحشيشة الأكبر في تاريخ البلاد، حيث تعتبر لبنان، وفق الأمم المتحدة، ثالث منتج للحشيشة في العالم بعد أفغانستان والمغرب. وثمة طلب على المنتج اللبناني من الحشيشة في أسواق الشرق الأوسط، والتي تروجها وتبيعها العديد من شبكات التجارة الدولية، والتي استفادت من ازدهار تلك التجارة غير الشرعية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990).

 وعلى الرغم من توقيف الأمن اللبناني العديد من الشبكات، إلا أن بعضها لازال يقوم بأنشطته، وتكاد لا تخلو نشرة أخبار من خبر توقيف تاجر أو متعاطٍ. وهنا، تجدر الإشارة إلى دور حزب الله المرتبط بتجارة المخدرات والتي تستخدم عائداتها المالية في تمويل عملياته العسكرية.  

وعلى الرغم من أن الأبعاد السابقة تعكس نشاطاً متزايداً لتجارة المخدرات في الشرق الأوسط، إلا أن الأجهزة الأمنية تمكنت من كشف بعض شبكات التهريب والقبض على العصابات الإجرامية وإيقاف محاولات التسلل إلى البلاد. فعلى سبيل المثال، نشرت وزارة الداخلية الكويتية، في 19 إبريل الماضي، مقطع فيديو يظهر عملية إحباط تسلسل 6 أشخاص يحملون الجنسية العراقية، حاولوا التسلل إلى البلاد بهدف تهريب مواد مخدرة، وقاد تلك العملية أمن إدارة الحدود البرية الشمالية وذلك بعد رصدهم بالكاميرات الحرارية.

مخاطر مضاعفة:         

خلاصة القول، ضاعف فيروس "كورونا" من مخاطر تجارة المخدرات في الشرق الأوسط، بسبب تصدع بنى الدول الوطنية وتعثر الأجهزة الأمنية وإدارات أمن الحدود البرية في أداء مهامها، لاسيما في ظل حدود مترامية الأطراف يتعذر تأمينها، وصعود فاعلين مسلحين من غير الدول، سواء كانوا تنظيمات إرهابية أو ميلشيات مسلحة، تمتلك أجهزة متقدمة ومنظومات حديثة، وتتحالف مع العصابات الإجرامية، في سياق مصالح متبادلة، علاوة على شراء ولاءات مستخلصي الجمارك وخفر السواحل وقوات حرس الحدود، في بعض الحالات، فضلاً عن ترويج المخدرات عبر وجبات الطعام الجاهزة وفي صناديق الكمامات الطبية. 

الكلمات المفتاحية: الشرق الأوسطالمخدراتكورونا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات