أخبار المركز
  • د. أمل عبدالله الهدابي تكتب عن (الإمارات 2023.. "عام الاستدامة" ومواجهة تغير المناخ)
  • أستاذ محمد خلفان الصوافي يكتب عن (قمة أبوظبي التشاورية.. رسائل الازدهار والاستقرار بالمنطقة)

نقطة فاصلة:

هل تشكل واقعة حصار مجلس الدولة الليبي بداية النهاية للدبيبة؟

24 نوفمبر، 2022

image

شهدت العلاقة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايته، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، توتراً شديداً، بعدما وجه الأخير، في 14 نوفمبر 2022، اتهاماً للميليشيات الموالية للدبيبة بمحاصرة مقر مجلس الدولة ومنع أعضائه من عقد جلستهم.

خلافات محتدمة:

شهدت الفترة الأخيرة احتدام الخلافات بين الدبيبة والمشري، وذلك على خلفية التوترات السابقة بينهما، سواء بسبب دعم الدبيبة لمنافس المشري في انتخابات رئاسة مجلس الدولة الأخيرة، أو بسبب التفاهمات الراهنة بين رئيسي مجلسي النواب والدولة. وفي هذا الإطار شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً حاداً في وتيرة الخلافات بين الرجلين، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- محاصرة مقر مجلس الدولة: أعلن المجلس الأعلى للدولة الليبي، في 14 نوفمبر 2022، قيام ميليشيات قوة حماية الدستور الموالية للدبيبة، بمحاصرة مقر المجلس ومنع أعضائه من عقد جلسة رسمية كانت مخصصة للاستماع إلى تقرير لجنة المناصب السيادية بالمجلس، وبحث ملف توحيد السلطة التنفيذية في البلاد، حيث نشر مجلس الدول عدداً من الصور التي تتضمن آليات عسكرية تطوق مدخل فندق المهاري الذي يحتضن اجتماعات المجلس.

2- اتهامات حادة للدبيبة: وجه المشري، اتهامات حادة لحكومة الدبيبة معتبراً أنها باتت تشكل حكومة ميليشياوية تستهدف فرض سيطرتها بالقوة، لافتاً إلى أنه قدم بلاغاً للنائب العام ضد الدبيبة، ومستشاره للأمن القومي، إبراهيم الدبيبة، ووزير الدولة للاتصالات، وليد اللافي، متهماً إياهم بإفشال التسوية السياسية للملف الليبي، والعمل على الانفراد بالسلطة وعرقلة جهود توحيد السلطة التنفيذية، والاعتداء على أعضاء المجلس، مطالباً النائب العام بمنع المعنيين من السفر لحين الانتهاء من التحقيقات الجارية. 

كذلك، قدم المشري شكوتين ضد الدبيبة لدى المجلس الرئاسي والبعثة الأممية في ليبيا، حيث طالب خلال شكوته للمجلس الرئاسي، باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي، بفتح تحقيق عاجل بشأن منع أعضاء مجلس الدولة من عقد جلستهم من قبل ميليشيا قوة حماية الدستور الموالية للدبيبة، داعياً المجلس الرئاسي إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال هذه الواقعة.

أما رسالة المشري للمبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، فقد تضمنت اتهامات للدبيبة بعرقلة العملية السياسية وإجراء الانتخابات، مشيرةً إلى أن الجلسة التي تمت عرقلتها كان يفترض أن تناقش ملفي المناصب السيادية وتوحيد السلطة التنفيذية، فضلاً عن تصويت المجلس على مشروع القاعدة الدستورية في صيغته النهائية، بعدما كان المجلس قد ناقش الأسبوع الماضي المواد التفصيلية للقاعدة.

3- إنكار الدبيبة التهم الموجهة إليه: نفي الدبيبة اتهامات المشري، معتبراً أنها تعكس مساعيه للتهويل بغية عرقلة الانتخابات، لافتاً إلى قيام عدد من المحتجين بالتظاهر في محيط مجلس الدولة، وأنه دفع بقوة الردع لتأمين المكان وتفريق المتظاهرين، موجهاً اتهامات لمجلس الدولة بمحاولة عقد صفقة لتقاسم السلطة وتأجيل الانتخابات.

4- إدانة داخلية وخارجية واسعة: أثارت اعتداءات الميليشيات التابعة لحكومة الدبيبة إدانة خارجية واسعة، فقد انتقدت السفارة الأمريكية في ليبيا التهديد باستخدام القوة، داعيةً كافة أطراف الأزمة إلى تسوية الخلافات عبر الحوار، مع العمل على الإسراع في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. كذا، استنكرت السفارة البريطانية واقعة محاصرة مجلس الدولة، معبرة عن رفضها عرقلة نشاط هذه المؤسسات من خلال الجماعات المسلحة، والأمر ذاته عبرت عنه السفارة الفرنسية في ليبيا، والتي دعت إلى ضرورة تغليب الحوار لتسوية الأزمة.

وداخلياً، أعلن المجلس الرئاسي عن رفضه لمنع مجلس الدولة من عقد جلساته. كما أعلن رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، استنكاره لمحاصرة أعضاء مجلس الدولة من قبل مجموعات مسلحة، مطالباً النائب العام بضرورة التحقيق في الواقعة ومحاسبة المسؤولين عنها.

تفاقم المشهد الداخلي:

عكست التوترات المتصاعدة بين المشري والدبيبة جملة من الدلالات المهمة والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- انقسامات مجلس الدولة: رصدت بعض التقارير المحلية في ليبيا وجود انقسامات حادة بين أعضاء مجلس الدولة بشأن ملفي توحيد السلطة التنفيذية والمناصب السيادية، في ظل وجود تيار داخل المجلس يدعم التوجه نحو التوافق في الملفين مع مجلس النواب الليبي، برئاسة عقيلة صالح، فيما يدافع تيار آخر داخل مجلس الدولة عن فكرة ضرورة إقرار القاعدة الدستورية كأولوية لهذه المرحلة.

2- تسريبات حول صفقة محتملة: جاءت محاصرة مجلس الدولة في أعقاب نشر تسريبات غير مؤكدة بوجود توافقات بين رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بشأن تسمية شاغلي المناصب السيادية، وتحديداً تغيير رئيس هيئة الرقابة الإدارية الحالي، مقابل استبعاد رئيس الهيئة العليا للانتخابات، عماد السائح، فضلاً عن الدفع لتشكيل حكومة جديدة موحدة بديلة عن حكومتي الدبيبة وباشاغا.

3- تراجع لافت للدبيبة: أدت الانتقادات الخارجية الحادة لحصار الدبيبة لمقر مجلس الدولة إلى دفع الأخير للتراجع نسبياً، فبعدما عمد الدبيبة في البداية إلى تبني لهجة حادة ضد المشري، عاد رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايته إلى تخفيف لغة خطابه والتلويح بأنه وجه أوامره لقوات جهاز الردع، الذي يتبع وزارة الداخلية بحكومته، لتأمين اجتماعات مجلس الدولة، مع تكليفه وزارة الدفاع بالتحقيق في الواقعة.

4- تعثر التحركات التركية: ألمحت بعض التقارير أن تركيا كانت تستعد الأسبوع الماضي لاستضافة اجتماعات غير معلنة للأطراف الليبية، بما في ذلك رئيسا مجلسي النواب والدولة، لمحاولة التوصل إلى تفاهمات مشتركة تضمن استمرار الدبيبة في السلطة وتأمين مصالحها، بيد أن عدم الإعلان عن أي مخرجات لهذه المشاورات يدفع لترجيح تعثر المساعي التركية. ولكن يبدو أن أنقرة لا تزال تسعى لإيجاد صفقة تضمن لها مصالحها في ليبيا، وهو ما جسدته المشاورات التي عقدها سفير تركيا في ليبيا، كنعان يلماز، في 16 نوفمبر الجاري، مع المشري.

5- تخوفات من تراجع الشرعية: عكست تصريحات المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، لأعضاء مجلس الأمن الدولي، في 15 نوفمبر الجاري، تخوفات متزايدة لدى القوى الدولية من أزمة الشرعية التي باتت تواجه الكيانات السياسية المختلفة في الداخل الليبي، حيث طالب باتيلي بضرورة التعامل معها بشكل عاجل، وهو ما قد يعتبر بمنزلة دعم أممي لفكرة تشكيل حكومة موحدة جديدة تحظى بشرعية داخلية وخارجية.

ومن ناحية أخرى، يرتبط القلق الدولي في ليبيا من دور الميليشيات المسلحة، إذ هددت ميليشيا الصمود المشري، ومليشيات مدينة الزاوية، الداعمة له، مما أعاد طرح احتمالية تأجيج مواجهات مسلحة بين ميليشيات غرب ليبيا، وهو ما أشارت إليه "غرفة العمليات المشتركة لميليشيات الزاوية"، والتي تحدثت عن وجود مساع راهنة لإبعادها عن طرابلس.

انعكاسات محتملة:

يبدو أن هناك جملة من الانعكاسات المحتملة التي قد تتمخض عن التطورات الأخيرة، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- حوار شامل لتوحيد السلطة التنفيذية: دعا المشري إلى ضرورة عقد حوار شامل، يتضمن مجلسي النواب والدولة، برعاية البعثة الأممية، للاتفاق على توحيد السلطة التنفيذية، وقد يتم توظيف واقعة محاصرة مجلس الدولة من قبل ميليشيات تابعة للدبيبة من أجل الإسراع بالإعلان عن تشكيل حكومة جديدة في ليبيا، وتحدثت هذه التقديرات عن مقترح حالي يجري بحثه بشأن تشكيل حكومة تتألف من 18 وزيراً، يتوقع أن يتولى فتحي باشاغا أحد الوزارات بهذه الحكومة المرتقبة، ربما تكون وزارة الدافع أو الداخلية.

وفي هذا السياق، ربطت بعض التقديرات بين هذا الطرح واللقاءات الأخيرة التي يجريها رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، مؤخراً، بما في ذلك لقاؤه الأخير مع السفير الفرنسي في ليبيا، مصطفى مهراج، ومحاولة الحصول على دعم الفواعل الدولية للحكومة الجديدة المرتقبة.

2- المضي قدماً في ملف المناصب السيادية: يبدو أن التوافقات التي توصل أليها صالح والمشري بشأن المناصب السيادية تسير نحو تحقيق اختراق مهم في هذا الملف، وهو ما يتسق مع التسريبات المتعلقة بالاتفاق على تسمية بعض شاغلي المناصب السيادية بين الرجلين. وربما يدعم هذا الطرح إعلان مجلس الدولة، في 15 نوفمبر 2022، فتح الباب أمام المرشحين للمناصب السيادية اعتباراً من 24 من الشهر ذاته. 

3- تنسيق المبادرات الدبلوماسية المطروحة: عكست التصريحات الأخيرة للمبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، لأعضاء مجلس الأمن عن وجود توجهات راهنة بين القوى الدولية المختلفة من أجل تنسيق المبادرات الداخلية والخارجية المتعلقة بصياغة مسارات جديدة للمشهد الليبي، بغية طرح خريطة طريق مشتركة برعاية الأمم المتحدة، تحظى بدعم واسع داخلياً وخارجياً.

وفي الختام، تأتي التطورات التي شهدتها ليبيا خلال الأيام الأخيرة في إطار المشاورات الموسعة التي تجري بين القوى الإقليمية والدولية حالياً بشأن صياغة ترتيبات جديدة للعملية السياسية في الأزمة الليبية، لكن يبدو أن ملامح هذه الترتيبات لا تزال تفتقر إلى التوافقات بين الأطراف الخارجية الفاعلة. ومع ذلك تستمر تحركات البعثة الأممية في ليبيا لإحياء المسارات الثلاثية لتسوية الأزمة الليبية، الأمنية، والاقتصادية، والسياسية – الدستورية. ويبدو أن هناك تخوفات متزايدة لدى الدبيبة من أن تكون التحركات الأممية الراهنة تأتي تمهيداً لإقرار حكومة جديدة.