أخبار المركز
  • مركز "المستقبل" يُطلق نسخة جديدة لموقعه الإلكتروني
  • تنظيم حلقة نقاش عن العلاقات الأمريكية - الصينية بحضور د. كريم القاضي، باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية في كلية فليتشر الأمريكية
  • كتاب جديد صادر عن مركز المستقبل بعنوان (جيوبوليتيك الغاز: مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في القرن الحادي والعشرين)
  • مركز المستقبل يصدر العدد 34 من دورية "اتجاهات الأحداث"
  • أصدر مركز "المستقبل" كتاباً جديداً بعنوان (الحرب الروسية – الأوكرانية.. عودة الصراعات الكبرى بين القوى الدولية)

"الهويات العنصرية":

دوافع صعود "اللا ليبرالية" في الثقافة السياسية الأمريكية

29 مارس، 2022

image

عرض: هدير أبو زيد

ساهمت أحداث كل من مسيرة "وحدوا اليمين" التي حدثت في مدينة شارلوتسفيل بفرجينيا في أغسطس 2017، واقتحام مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة في 6 يناير 2021، في التأكيد أنه لا يزال لليمين البديل، والأيديولوجيات غير الليبرالية ذات الصِلة، من حيث الجوهر والأسلوب، حضور رئيسي في الثقافة السياسية الأمريكية، وهو ما يسمى "بصعود اللا ليبرالية". وبناءً عليه، ستستمر مسيرة التطرف الطويلة عبر الثقافة السياسية الأمريكية وصولاً إلى مستقبل غامض وسلطوي.

في هذا السياق، أكد "توماس ماين"، أستاذ الشؤون العامة والدولية بكلية باروخ، جامعة مدينة نيويورك في كتابه المعنون "صعود اللا ليبرالية"، ضرورة التعامل مع هذا المفهوم على أنه أيديولوجية سياسية. وعليه، يجب استكشاف الأسس الفلسفية والأصول الفكرية والاجتماعية لهذه الأيديولوجية، وكذلك التطورات السياسية التي سهلت من انتشارها، فضلاً عن توثيق كيفية اختراقها للخطاب السياسي السائد في الولايات المتحدة، وأخيراً السعي لمعرفة لماذا وجدت هذه الرؤية السياسية جمهوراً كبيراً، وتمارس تأثيراً طوال الوقت، وكيف يمكن الحد من تطورها والعمل على تحجيمها وإعادة مبادئ الديمقراطية الليبرالية مرة أخرى. 

ماهية اللا ليبرالية؟

سعى الكاتب لتقديم تعريف لمفهوم اللا ليبرالية (عدم الليبرالية)، موضحاً أنها أيديولوجية سياسية، أي مجموعة أفكار ثابتة ومتسقة إلى حد ما حول السياسة، بالتالي يمكن تعريفها على أنها أيديولوجية سياسية ترفض صراحة الديمقراطية الليبرالية أو بعض المبادئ المركزية للديمقراطية الليبرالية، كالمساواة السياسية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية الانتخابية، وسيادة القانون، والأخلاق المستنيرة، والتسامح. بناءً عليه، تشمل الأيديولوجيات غير الليبرالية جميع المتطرفين اليمينيين، بالإضافة إلى الحركات اليسارية غير الليبرالية مثل، المدارس الشيوعية والفوضوية، وبعض أنواع الحركات المعادية للفاشية.

وفقاً للكاتب، تستند الديمقراطية الليبرالية إلى أهمية وجود حكومة قوية مستقلة لحماية حقوق المواطنين، كما يجب أن تستمد صلاحياتها العادلة من "رضا المحكومين"، وهو أمر غير وارد لدى مبادئ اللا ليبرالية، فضلاً عن رفضها إمكانية التغيير أو الثورة، وذلك بخلاف الديمقراطية الليبرالية التي ترى أن هذا الأمر يضمن حرية التعبير وضمان عدم انتهاك الحكومة لمبادئ الديمقراطية. بالنسبة للمساواة السياسية، التي تعد واحدة من أهم أركان الديمقراطية الليبرالية، فهي غير واردة أيضاً لدى مبادئ اللا ليبرالية لأنها تقوم بالأساس على رفض فكرة أن كل الناس خلقوا متساوين.

علاوة على ما سبق، انتقد الكاتب محتوى أيديولوجية اليمين غير الليبرالي المتشدد – أحد مظاهر صعود اللا ليبرالية – واصفاً إياها بالراديكالية، لأنها أشد تطرفاً من التيار المحافظ الذي سيطر على السياسة الأمريكية خلال الثمانينيات من القرن العشرين، فهي انفصال صريح وجذري عن الديمقراطية الليبرالية لأنها تتضمن فاشية متشددة، ومبادئ رجعية عنصرية ترفض المساواة وتقوم على معاداة السامية والمبادئ الديمقراطية كافة. 

ناهيك عن الأسلوب الخطابي لهذه الأيديولوجية والذي يقوم على الازدراء الصريح للتسامح، والإصرار على أن السياسة هي الحرب، واحتضان مفهوم الصديق مقابل العدو، واتهام جميع المعارضين السياسيين بالخيانة، فضلاً عن النقد اللاذع، علاوة على ما سبق، يرفض اليمين غير الليبرالي فكرة أن الخطاب السياسي يجب أن يقوم على الجدل العقلاني والحقائق الثابتة، والبحث عن أرضية مشتركة، وبدلاً من ذلك، يتم مواجهة الحقائق بأفعال ووقائع وأخبار مزيفة كالاعتماد على نشر نظريات المؤامرة.

مظاهر اللا ليبرالية:

قدَّم الكاتب مجموعة من المظاهر والمؤشرات الكمية والنوعية لصعود مفهوم اللا ليبرالية وانتشار مبادئه، حيث قام بإجراء تحليل كمي للمنافذ غير الليبرالية للرأي السياسي على شبكة الإنترنت والذي شمل تحليل حوالي 1952 موقعاً إلكترونياً، ليتوصل الكاتب من خلالها بأن هناك زيادة في حجم الجماهير المؤيدة لمنافذ اللا ليبرالية كأيديولوجية سياسية. ليس هذا فحسب، فجمهور المواقع اليمينية غير الليبرالية أكثر تفاعلاً مع مواقع الويب المفضلة، ويزورونها في كثير من الأحيان أكثر مما هي الحال مع مواقع الويب الخاصة بالتوجهات الأخرى، وهو ما سيسهل من انتشار أفكار ومبادئ اللا ليبرالية لدى الثقافة السياسية الأمريكية.

وعلى النقيض مما يراه البعض، بأن مسيرة "وحدوا اليمين" في أغسطس 2017، والتي ضمت أعضاء من اليمين المتطرف واليمين البديل، والقوميين البيض، للدعوة من أجل توحيد البيض، ساهمت في خلق اعتقاد قوى بأن حركات اليمين البديل باتت تتراجع، أشار الكاتب إلى أن حركات اليمين البديل والمتطرف مازالت مهمة وسيزداد حجم مؤيديها في العقود المقبلة، وهو ما سيؤثر بالسلب على مستقبل السياسة الثقافية الأمريكية، والتي ستكون أكثر ميلاً للسلطوية.

ومن الأدلة على ذلك، منصة "NewsBreitbart" والتي وصفها محررها السابق "ستيف بانون" بأنها "منصة اليمين البديل الأولى"، لأنها تحتوي على أكبر جمهور مقارنةً، بأي مجلة سياسية أخرى على شبكة الإنترنت، بإجمالي حوالي 51 مليون زيارة و5.5 مليون زائر في المتوسط الشهري.

وعليه، بات السؤال الأهم من وجهة نظر الكاتب، لماذا يجب أن يكون استمرار وجود اليمين البديل أمراً مثيراً للقلق؟. السبب هنا لا علاقة له بدعم الحركة لدونالد ترامب، أو الحمائية، أو القومية، أو تقييد الهجرة، أو أي قضية أخرى قابلة للنقاش في نطاق واسع من السياسات الأمريكية التقليدية، بل يتعلق بالعناصر الأساسية لأيديولوجية اليمين البديل، كحركة غير ليبرالية ومعادية للديمقراطية، تعتمد على العنصرية والتطرف الأبيض ومعاداة أمريكا والاعتماد على الخطاب اللاذع والتعصب.

علاوة على ما سبق، أشار الكاتب لمجموعة من المظاهر بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، حيث ساهمت البيانات والتحليلات التي تم إجراؤها، وجمعها قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2020، في خلق حالة من التفاؤل بأن ترامب سيُهزم بشكلٍ ساحق، كما سيتمكن الديمقراطيون من تشكيل حكومة موحدة بعد السيطرة على البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، وأخيراً، ستبدأ عملية إعادة الاصطفاف السياسي بعيداً عن المبادئ غير الليبرالية لترامب، الذي حصل على أكثر من 74 مليون صوت، ولا يزال يحتفظ بقبضته على الحزب الجمهوري، وهو الرجل الأكثر شعبية في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة.

بالفعل، حقق الديمقراطيون حكومة موحدة، لكنهم عجزوا عن القيام بعملية إعادة التنظيم والاصطفاف السياسي، لأن قبضة اللا ليبرالية على الثقافة السياسية الأمريكية باتت، وفقاً لبعض المعايير، أقوى من أي وقت مضى، فقد كان المشهد المذهل للحشود الغاضبة من مؤيدي ترامب، والتي عصفت بمبنى الكابيتول الأمريكي نتيجة للأخبار المزيفة القائلة بوجود تزوير بالانتخابات، من أهم المظاهر الدالة على انتشار المشاعر غير الليبرالية في التاريخ الأمريكي الحديث.

في هذا السياق، أشار استطلاع PBS NewsHour / Marist الذي أُجري في 6 يناير 2021 أن 8٪ من البالغين و18٪ من الجمهوريين عبروا عن دعمهم لتعطيل عملية التصويت الانتخابي في الكابيتول. أضف لما سبق، الاستطلاع الذي أجرته وكالة "رويترز"، حيث اعتقد 52% من الجمهوريين أن ترامب "فاز بحق" في انتخابات 2020، و68% كانوا قلقين من أن الانتخابات كانت "مزورة"، كما أشار، إلى أن المزيد من الأمريكيين كانوا أكثر تشككاً بشأن عملية الانتخابات الأمريكية مما كانوا عليه قبل أربع سنوات، حيث اعتقد 28٪ من الناخبين أن الانتخابات كانت نتيجة تصويت غير قانوني أو تزوير انتخابي، وبالتالي، ارتفعت النسبة بمقدار 12 نقطة عما كانت عليه الحال قبل أربع سنوات.

أركان الثقافة الأمريكية:

وفقاً للكاتب، هناك ثلاثة أركان رئيسية للثقافة السياسية الأمريكية وهي الهوية، والأفكار، وأخيراً المصالح. وعلى الرغم، من أن الهوية، ويُقصد بها هوية النظام السياسي، تمثَّل جانباً ضرورياً من جوانب الحياة السياسية، والتي ينبغي تطويرها بشكل يتوافق مع الديمقراطية الليبرالية، نجحت الأيديولوجيات غير الليبرالية اليمينية في استغلال نظرية الهوية العنصرية في رأس هجومهم على الديمقراطية الليبرالية.

جاء ذلك من خلال الاعتماد على ما يسمى بــ "أطروحة الانقلاب"، والتي ترى أن الأشخاص الغرباء أو أصحاب الطبقات الدنيا أو الخاسرين يحصلون على الأفضلية والاهتمام من جانب منظري الرأي السائد، حيث تمكن غير الليبراليين من تعريف أنفسهم - بدلاً من الأمريكيين الأفارقة والنساء – على أنهم الغرباء الحقيقيون للمجتمع الليبرالي الديمقراطي، وأنهم منبوذون من الديمقراطية الأمريكية، وبالتالي المجموعة الوحيدة التي تمتلك مسافة نقدية من المجتمع وقادرة على إحداث تغيير جذري.

على الجانب الآخر، لعبت الأفكار - وهي الحجج التي تشكل مسار الخطاب السياسي- دوراً مهماً في الثقافة السياسية الأمريكية، حيث تمكنت الولايات المتحدة خلال الفترة من سبعينيات القرن الماضي إلى مطلع الألفية، من خلق نظام لإنتاج ونشر الأفكار العامة التي كانت بسيطة بما يكفي ليتم استيعابها من قبل الجماهير، ولكن بسبب التطورات السياسية والاجتماعية المؤلمة في أوائل القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن انتشار تقنيات الاتصال الرقمي التي قوضت وظائف الحفاظ على الثقافة العامة للمفكرين، تحطم هذا النظام بالكامل، ما ساهم في انتشار المبادئ غير الليبرالية في جوانب الحياة السياسية الأمريكية كافة.

 لذا، يرى الكاتب أنه يجب على المفكرين أن يتخلوا عن بعض العقائد التي أضعفت موقفهم حتى قبل التغيرات التحولية في القرن الحادي والعشرين، لأن الثورة الرقمية باتت أمراً لا يمكن الرجوع عنه. وأخيراً، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في القضايا المتعلقة بسياسات الهوية وأعادت إحياء قدرتها على تطوير أفكار عامة مفيدة، ستظل المصالح هي الدافع الرئيسي وراء أي عمل سياسي، وهو أمر في غاية الخطورة، فما زالت جماعات المصالح حاضرة بقوة في المشهد الأمريكي، ناهيك عن المشكلات المعروفة للتعددية، ما سيؤدي لخلق مشاكل عديدة لاسيما مع الدستور الأمريكي المجزأ بشكل مثير للقلق، لأنه يقيد من فعالية العمل الجماعي، وكلها أمور ستسعى الأيديولوجيات اللا ليبرالية لاستغلالها.

ذلك أن الأفكار العامة لمعظم الخبراء قد حلت محلها "الميمات الرقمية"، وهي ما أطلق عليها الكاتب "استراتيجية السخرية"، حيث دعا إلى ضرورة موازنة خطاب السخرية المسلحة الذي يهيمن على احتياجات الويب بخطاب حقيقي يساعد على بناء إجماع اجتماعي حول أفكار الخبراء والمحللين الذين يستندون لمعرفة حقيقية، ولتحقيق ذلك، يجب الضغط على مقدمي خدمات الإنترنت لتعديل المحتوى الفكري لمواقعهم الإلكترونية.

ختاماً، دعا الكاتب إلى ضرورة إعادة التنظيم الديمقراطي مرة أخرى في الولايات المتحدة من خلال تنشيط الهوية الأمريكية القائمة على مبادئ الديمقراطية الليبرالية، كالمساواة واحترام حقوق الإنسان وغيرها، وهو ما أطلق عليه الكاتب اسم "سياسات الهوية الإيجابية"، أي خلق إحساس مشترك على نطاق واسع بالمجتمع للتأكيد على الأهمية المتساوية لجميع قطاعات المجتمع وإعادة ثقة الجمهور في الحكومة، مع العلم أن تحقيق هذا الهدف سيشكل تحدياً هائلاً في المستقبل، كما أكد الكاتب أهمية الإصلاح الدستوري، من خلال إجراء تعديلات دستورية لتحسين عملية صنع القرارات والسياسات والحد من الانقسام. 

المصدر:

Thomas J. Main, The Rise of Illiberalism, (Washington, D.C: Brookings Institution Press, January 4, 2022)