التقديرات

تراجع التفاهمات:

دوافع تجدد التصعيد العسكري في إدلب
الأحد، 25 أكتوبر، 2020
تراجع التفاهمات:

تشهد محافظة إدلب تصعيداً عسكرياً ملحوظاً في الفترة الأخيرة انعكس في مؤشرات عديدة منها قيام الجيش السوري بشن غارات على ريف إدلب الجنوبي الغربي، وتوجيه ضربات روسية مكثفة في ريف إدلب الغربي. وتوازى ذلك مع التعزيزات العسكرية الضخمة للجيش التركي في المحافظة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء اعتبارات عديدة يأتي في مقدمتها تعثر التفاهمات التركية- الروسية في شمال سوريا، وتفاقم الخلافات بين أنقرة وواشنطن في سوريا. ومن المتوقع أن تكون إدلب مرشحة لمستوى أعلى من التصعيد في الفترة المقبلة حال استمرار الخلافات العالقة بين القوى المعنية بما يجري فيها. 

مؤشرات مختلفة: 

تجدد التصعيد العسكري مرة أخرى داخل محافظة إدلب، بعد فترة من الهدوء النسبي، على خلفية التباينات الواسعة التي ظهرت بقوة على مدار الأيام الأخيرة بين الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بتطوراتها الميدانية. ويمكن رصد أبرز المؤشرات الدالة على تصاعد حدة التوتر في محافظة إدلب، من خلال ما يلي: 

1- غارات الجيش السوري على ريف إدلب الجنوبي الغربي: قام سلاح الجو السوري، في 14 أكتوبر الجاري، بشن عدة غارات على محور جسر الشغور في ريف إدلب الجنوبي الغربي، وذلك بعد رصد تحركات ومواقع معادية لمسلحي الحزب الإسلامي التركستاني، مما أسفر عن مقتل العشرات من عناصره.

2- ضربات روسية مكثفة في ريف إدلب الغربي: وجه سلاح الجو الروسي، في 14 أكتوبر الحالي، ضربات ضد قرية حرش الحمامة بمنطقة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي، وهو ما أسفر عن سقوط 15 من عناصر هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة" سابقاً بين قتيل وجريح. وتم شن تلك الغارات رغم خضوع تلك المنطقة لوقف إطلاق النار بناءً على الاتفاق الروسي- التركي الذي تم التوصل إليه في بداية مارس الماضي.

3- عمليات أمريكية جديدة ضد "القاعدة": قال المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية بيث ريوردان، في 15 أكتوبر الجاري: "نفذت القوات الأمريكية ضربة ضد تنظيم القاعدة في سوريا في محيط محافظة إدلب السورية"، مضيفاً: "لا يزال التنظيم في سوريا يشكل تهديداً للولايات المتحدة وحلفائنا". جدير بالذكر أن وسائل إعلام سورية أشارت إلى أن المستهدفين كانا أبو ذر المصري الذي كان يعمل قاضياً سابقاً ضمن تنظيم "حراس الدين"، وأبو يوسف المغربي. 

4- تعزيزات عسكرية ضخمة للجيش التركي في المحافظة: أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، في 19 أكتوبر الجاري، بأن رتلاً عسكرياً تركياً دخل من معبر كفرلوسين الحدودي مع لواء اسكندرون شمال إدلب، ويضم نحو 75 آلية محملة بالمعدات اللوجستية والعسكرية. وبحسب المرصد، فإنه مع استمرار تدفق الأرتال التركية، يرتفع بذلك عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت إلى إدلب خلال الفترة الممتدة من 2 فبراير الماضي وحتى الآن إلى أكثر من 10600 شاحنة وآلية عسكرية تركية.

اعتبارات عديدة: 

يمكن تفسير هذا التصعيد في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في: 

1- تعثر التفاهمات التركية- الروسية في شمال سوريا: يتوافق التوتر الحالي في إدلب مع التعثر الراهن في تنفيذ التفاهمات التركية- الروسية في الشمال السوري، حيث أعلنت روسيا، في 14 أغسطس الماضي، أنها أوقفت مشاركة قواتها في تسيير دوريات مع القوات التركية على الطريق الدولي حلب-اللاذقية M4 بريف إدلب، وبررت ذلك بأنه نتيجة للاستفزازات المستمرة من جانب الجماعات المسلحة في المنطقة. 

وقد طالبت موسكو مراراً أنقرة بضبط سلوك تلك الجماعات، وهو الأمر الذي يعنى اتهام الأخيرة بالتقصير في التزاماتها وفقاً للاتفاقات المشتركة. جدير بالذكر أن ما قلص رغبة الطرفين الروسي والتركي في السعى لتجديد تلك التفاهمات هو الخلافات الاقليمية المتصاعدة بينهما، خاصةً في الصراع الحالي بين أذربيجان وأرمينيا بشأن إقليم ناجورني قره باغ. 

2- تصاعد الخلافات بين أنقرة وواشنطن في سوريا: ويبدو ذلك جلياً في حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديد العدوان التركي شمال سوريا للأمن القومي الأمريكي، حيث أمر، في 8 أكتوبر الجاري، بتمديد حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بالأوضاع في سوريا لمدة سنة كاملة، معتبراً أن الوجود التركي في شمال سوريا يشكل تهديداً غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. كما رأى أن تدخل تركيا في سوريا "يقوض حملة هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا، ويعرض المدنيين للخطر، ويهدد كذلك بتقويض السلام والأمن والاستقرار في المنطقة". 

3- دعم دمشق لاحتجاجات شعبية ضد الوجود التركي: أشارت تقارير عديدة، في 11 أكتوبر الجاري، إلى أن عناصر تابعة للجيش السوري تقف وراء التظاهرات الشعبية التي جرت في محيط نقطة المراقبة التاسعة لتركيا في مدينة مورك بحماة. ويدعم ذلك التضييق العسكري من جانب الجيش السوري على حضور أنقرة في تلك النقطة، بشكل دفعها إلى الانسحاب لإدلب. كما يرتبط بذلك تهديد الرئيس السوري بشار الأسد، في 8 أكتوبر الجاري، بـ"إشعال انتفاضة شعبية ضد الحضور التركي في سوريا". 

4- التصعيد المتجدد في ملف استخدام السلاح الكيماوي: لا ينفصل التوتر الحالي في إدلب عن التصعيد الملحوظ والاتهامات المتبادلة بشأن استخدام السلاح الكيماوي. إذ جددت موسكو على مدار الأسابيع الأخيرة تحذيراتها من تحضيرات للمسلحين في ريف إدلب الجنوبي لاستخدام السلاح الكيماوي، وهو الأمر الذي يوجه اتهامات ضمنية لتركيا، خاصةً وأن ريف إدلب الجنوبي تعد منطقة نفوذ رئيسية للأخيرة وحلفائها في المحافظة. ويرتبط بذلك أيضاً الحديث الروسي المتصاعد خلال الأيام الأخيرة عن اتساع نطاق هجمات "جبهة النصرة" في إدلب. 

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن ارتفاع مستوى التصعيد سوف يكون هو الاحتمال الأكثر ترجيحاً في محافظة إدلب خلال المرحلة القادمة، على ضوء عدم توصل روسيا وتركيا إلى تفاهمات حديدة ربما تساعد في احتواء الخلافات العالقة بينهما، وهو ما يعود في المقام الأول إلى تراجع مستوى الثقة بين الطرفين واستمرار دعم تركيا للتنظيمات الإرهابية والمسلحة.

الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات