العروض - المقالات

المواجهة مع إيران بعد مؤتمر وارسو


الأربعاء، 20 فبراير، 2019
المواجهة مع إيران بعد مؤتمر وارسو

تتخذ المواجهة مع إيران منحىً جديداً بعد مؤتمر وارسو. لن يكون هناك تحالف دولي ضدّها بل تحالف الراغبين في وقف نهجها العدواني والتخريبي في محيطها العربي، وفي أساس هذا التحالف المتضرّرون من ذلك النهج. الدول الأخرى لا تشارك لأسباب شتّى تتعلّق بمصالح تحقّقت أو يمكن أن تتحقّق لها مع إيران، أو تُعزى إلى صراعات متفاوتة مع سياسات الرئيس دونالد ترامب. وفي تعذّر التوافق الدولي الواسع ضدّ إيران ما يتيح لها الاعتقاد بأن اللعبة الدولية تجري بحسب توقّعاتها، ووفقاً لتخطيطها، فكلّما زاد استهدافها أميركياً كلّما فرضت ندّيتها الإقليمية والدولية، بمعزلٍ عن انهيار اقتصادها ومعاناة شعبها وتعميق مستقبل من التحاقد بينها وبين محيطها، بل بمعزلٍ عن احتمال واقعي بأن لا تكون نتائج المواجهة مع الولايات المتحدة كما تتصوّرها، فحتى التغيير في البيت الأبيض بعد سنتين لا يضمن لها رضوخ الرئيس الجديد لتحدٍّ إيراني. 

لم يروّج مؤتمر «وارسو» صراحةً لحرب قادمة أو حتمية، لكن صيغته العامة وتحفّظات الأوروبيين وغياب الصين وروسيا أعادت إلى الأذهان تلك الإشكالية التي طرحت نفسها عشية الحرب الأميركية على العراق، إذ انقسم العالم آنذاك بين دعم الحرب ورفضها، وكان لكلٍّ من الاتجاهين حججٌ لا تخلو من الصواب. كان الكلّ متفقاً على أن في العراق نظاماً لا يمكن الدفاع عن سلوكه، لكن الخلاف على كيفية تخليص البلد منه. لذا ساد جدل محموم في الردّ على السؤال: ما العمل حيال نظام راكم تاريخاً من القمع الدموي لشعبه وأثبت بغزوه الكويت أنه تهديد دائم لجيرانه؟ اعتبر رافضو تغييره وإسقاطه أن الحرب عمل متهوّر لا يمكن التكهّن بنتائجه اللاحقة، ودافعوا عن وسائل أو ضغوط ديبلوماسية، فيما قدّم المؤيدون حربهم على أنها عمل نبيل لتمكين العراقيين من استعادة حرّيتهم لكنهم اضطرّوا للارتكاز إلى ملفات نووية ملفقة واتهامات تتعلّق بإرهاب 11 سبتمبر لتبرير العمل العسكري.

مع إيران لا داعي لأي تلفيق، وأكثر من مرّة أكّدت واشنطن بكلام مباشر أنها لا تحضّر لحرب على إيران ولا تعمل لتغيير نظامها بل تضغط عليه لتغيير سلوكه الداخلي والخارجي، وبدلاً من الحرب التي قد تدفع نظام الملالي إلى تعمّد استهداف كل دول المنطقة وتهديد استقرارها، فإن العقوبات تبدو الوسيلة الوحيدة لمواجهته من دون عمل عسكري. لكن سبق لهذا النظام أن رفض بوضوح تغيير سياساته/ سلوكه، ذاك أن إلغاء نهج «تصدير الثورة» والإحجام عن التدخّلات في الدول الأخرى ووقف اختراق المجتمعات بالشحن المذهبي ستعني في نهاية المطاف تغييراً للنظام. وسبق أيضاً لهذا النظام أن اعتبر العقوبات بمثابة إعلان حرب عليه، ولأنه لا يستطيع الردّ عليها بعقوبات مماثلة فإنه سيردّ بالحرب. وبين هذين التوجّهين لا تستطيع الدول الواقفة في الوسط التأثير في مجرى الأحداث.

استخدمت إيران على الدوام أخطاء أميركا وإسرائيل، ومن أبرزها انعدام إرادتهما لبناء سلام مع سوريا والفلسطينيين، فتسلّلت إلى هذا الملف الذي كبّل المنطقة العربية لنصف قرن ونيّف، وتوصّلت عبر النظام السوري وحركتي «حماس» و«الجهاد» الفلسطينيتين و«حزب الله» اللبناني، ولاحقاً عبر الميليشيات العراقية الموالية لها، إلى تجديد الصراع وقيادته. شكّل ذلك في نظرها النجاح الأهمّ لـ«تصدير الثورة»، فلولا إخفاق أميركا في إقامة سلام عربي - إسرائيلي كان في رعايتها ثم في إدارة عراق ما بعد غزوٍ واحتلالٍ كانا بقيادتها، ولولا تعنّت إسرائيل وإصرارها على إدامة احتلالها لأراضٍ فلسطينية وعربية، لما استطاعت إيران إيهام المتضرّرين بأنها بديلهم الوحيد للمقاومة. ومع بدء مرحلة «الربيع العربي»، انتقلت إيران إلى المرحلة التالية، سواء باستثمار إيوائها لفلول «القاعدة» وتفعيل الإرهاب كواحدٍ من أسلحتها، أو بتحويل الثورة المصدّرة إلى مشاريع لتدمير العمران والاقتصاد، وكذلك لتفكيك الدول والجيوش والمؤسسات.

تفرض طبيعة المشروع التخريبي الإيراني وحتمية صدّه وإخراجه من الدول العربية ضرورة وجود قوة دولية كالولايات المتحدة، وهي لا تستطيع العمل من دون التعاون مع قوة إقليمية مثل إسرائيل خصوصاً لأنها تقع جغرافياً على مقربة من الانتشار الإيراني في سوريا. هذا الأمر الواقع تتعامل الدول العربية معه بغية التوصل إلى نتيجة في مواجهة خطر إيراني لم يعد خافياً. لكن بإمكان الدول العربية أن لا تعطي شرعية لـ«صفقة القرن» إذا كانت مجحفة بحقوق الشعب الفلسطيني ولا تصنع سلاماً حقيقياً ودائماً، ففي هذه الحال يخسر العرب على الجهتين، تحصل إسرائيل على ما لا تستحقّه وتخرج إيران مستفيدة بإذكاء صراعات عربية - عربية.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد

الكلمات المفتاحية: إيران

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات