العروض - الدراسات

"جهاد" عابر للحدود:

مخاطر وتهديدات المقاتلين الأجانب في سوريا

الأحد، 22 يونيو، 2014
"جهاد" عابر للحدود:

إعداد: أحمد عاطف

أصبح تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا منذ بداية الصراع المسلح في عام 201 يشكل قلق متزايد ليس فقط للدول الإقليمية، بل أيضاً للمجتمع الدولي، فثمة مخاوف من انتقال هؤلاء المقاتلين إلى دول أخرى في المنطقة أو عودتهم إلى وطنهم بنزعة يغلب عليها العنف والتطرف، خاصةً أن الغالبية العظمى منهم انضموا إلى الجماعات المتطرفة والمتشددة في سوريا، وإن كان البعض منهم، وتحديداً القادمون من دول إيران والعراق ولبنان، التحق بالقوات الموالية لنظام الأسد.

في هذا السياق نشر مركز الأبحاث الأمريكي (صوفان جروب) دراسة أعدها "ريتشارد باريت" نائب رئيس المركز، تحت عنوان: "المقاتلون الأجانب في سوريا"، تحاول الإجابة عن عدة أسئلة، منها: لماذا ذهب المقاتلون الأجانب إلى سوريا؟ وما خصائصهم الديموغرافية والدول القادمين منها؟ وما حجم المخاطر التي يشكلونها؟

1- عدد المقاتلين الأجانب في سوريا وجنسياتهم

ثمة تقديرات رسمية متاحة من بعض الدول عن عدد مواطنيها الذين ذهبوا للقتال في سوريا، وتستند هذه الأرقام عموماً إلى المعلومات التي تم جمعها من وسائل الإعلام الاجتماعي أو من خلال التحقيقات.

وبشكل عام، يذكر "باريت" أن هناك أدلة قوية على أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا قدموا من 81 دولة على الأقل، من بينها 25 دولة فقط لديها أرقام رسمية معلنة تعطي بعض المؤشرات الكمية. وفيما يلي بعض هذه الأرقام المتاحة من حكومات تلك الدول:

الدول التي ينتمي لها المقاتلون الأجانب

عدد المقاتلين

تونس

حوالي 3000

السعودية

حوالي 2500

المغرب

حوالي 1500

روسيا

أكثر من 800

فرنسا

أكثر من 700

تركيا

حوالي 400

بريطانيا

حوالي 400

ألمانيا

270

أستراليا

حوالي 250

بلجيكا

حوالي 250

الجزائر

حوالي 200

هولندا

120

كوسوفو

100- 120

الدنمارك

100

الولايات المتحدة

أكثر من 70

إندونيسيا

30-60

إسبانيا

51

النرويج

40- 50

فنلندا

أكثر من 30

كندا

30

إيرلندا

25-30

السويد

حوالي 30

سويسرا

حوالي 10

سنغافورا

شخص واحد






























وبالإضافة إلى الدول الموضحة أعلاه، تشير الدراسة إلى دول أخرى لديها مقاتلون في سوريا دون أرقام محددة، وهي: (أفغانستان، وألبانيا، وأرمينيا، والنمسا، وأذربيجان، والبحرين، وبنجلاديش، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا،  وتشاد، وشيلي، والصين، وكوت ديفوار، والتشيك، ومصر، وإريتريا، وإستونيا، وجورجيا، والمجر، والهند، وإيران، والعراق، وإسرائيل، وإيطاليا، واليابان، والأردن، وكازاخستان، والكويت، ولبنان، وليبيا، ولوكسمبورج، ويوغوسلافيا، ومقدونيا، وماليزيا، وموريتانيا، ومونتينيجرو، ونيوزيلاندا، وعمان، وباكستان، وفلسطين، والفلبين، وبولندا، والبرتغال، وقطر، ورومانيا، والسنغال، وصربيا، والصومال، والسودان، وطاجكستان، وترينداد وتوباجو، وأوكرانيا، والإمارات العربية المتحدة، وأوزبكستان، واليمن).

وإجمالاً، تُقدر الدراسة عدد المقاتلين الأجانب في سوريا بنحو 12 ألف مقاتل جلهم موغل بالتطرف بهدف الانضمام إلى من يماثلهم من المقاتلين في هذا البلد، ومعظمهم جاء من الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما يُقدر المقاتلون القادمون من الدول الغربية بنحو 3000 فرد.

ويزيد إجمالي عدد المقاتلين الأجانب في سوريا في هذه الدراسة عما قدرته الاستخبارات الأمريكية (7 آلاف مقاتل) في مطلع عام 2014، كما يقارن "باريت" ذلك العدد مع تقدير غير دقيق لإجمالي 10 آلاف شخص استقطبتهم أفغانستان إبان الاحتلال السوفيتي لها في ثمانينيات القرن المنصرم، حيث شاركوا خلالها في صراع دام قرابة عقد من الزمن، وهو ما أفضى لاحقاً إلى تفريخ تنظيم القاعدة.‏

2- الخصائص الديموغرافية للمقاتلين الأجانب

استناداً إلى البيانات الشخصية للأفراد الذين عُرف أنهم ذهبوا إلى القتال في سوريا، تشير الدراسة إلى أن الفئة العمرية لهؤلاء المقاتلين تتراوح بين (18 و29 سنة)، وهو ما يعني أن متوسط أعمارهم أصغر مما كانت عليه إبان "الجهاد" في وقت سابق بأفغانستان، إذ تراوحت أعمار المتطوعين حينها ما بين 25 و35 سنة.

وبالنسبة للنوع، فإن غالبية المقاتلين في سوريا من الذكور، وإن كان هناك أيضاً نساء خصوصاً من الدول الغربية انضممن إلى أصدقائهن أو ذهبن مع أزواجهن، ومنهن من سافرن إلى سوريا على نفقاتهن.

ويرى "باريت" أن "الجهاد" هو الدافع الأساسي وراء توجه هؤلاء المقاتلين إلى سوريا، وهو ما يفسر تحول نحو 6% من المتمردين الأجانب القادمين من دول الاتحاد الأوروبي إلى الإسلام، كما يوضح "باريت" أن العديد من المقاتلين من الدول الغربية هم من الجيل الثاني أو الثالث للمهاجرين، وقليل منهم كان لديه اتصال مسبق مع جهات في سوريا، ويضيف أنه "تم رصد انضمام غالبية هؤلاء الأجانب للجماعات المتطرفة، والبعض الآخر إلى "الجيش السوري الحر".

ويصل معظم المقاتلين الأجانب دون أي تدريب عسكري أو خبرة سابقة من القتال، ومع ذلك يوجد ما أسمته الدراسة "النواة الأساسية" من المقاتلين من كبار السن الذين قاتلوا على جبهات أخرى، فعلى سبيل المثال ثمة حوالي 500 سعودي يقاتلون مع اثنتين من الجماعات المتطرفة الرئيسية، وهما "جبهة النصرة" و"تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وبالمثل هناك أيضاً العديد من الروس الذين سبق أن حاربوا في القوقاز.

كما أن بعض المقاتلين الأجانب الأصغر سناً يصلون إلى سوريا بعد الحصول على تدريبات، فعلى سبيل المثال هناك تقارير عديدة تتحدث عن وجود معسكرات تدريب في ليبيا تحت إشراف "جماعة أنصار الشريعة" التي توفر مهارات بدائية للمتطوعين القادمين من تونس وليبيا. كما يتم تدريب مقاتلي حزب الله جيداً قبل وصولهم، وكذلك الحال بالنسبة لأعضاء "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني.

3- دوافع القتال في سوريا

تشير الدراسة إلى عدد من الدوافع أو الأسباب الكامنة وراء ذهاب العديد من المقاتلين الأجانب إلى سوريا، ومنها افتقار هؤلاء "الساخطين" –على حد وصف السلطات الفرنسية- إلى الإحساس بالهوية والانتماء إلى بلدانهم، كما أن النظر إلى سوريا باعتبارها "أرض الجهاد" يحتل مكانة بارزة في الدعاية للجماعات المتطرفة عبر تعليقات شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى وجود رغبة لدى بعض هؤلاء المقاتلين للموت كـ"شهداء"، استجابةً لدعوات "شيوخ التطرف" –على حد وصف الدراسة– إلى محاربة "العدو الكافر".

ويرتبط أيضاً مع الدوافع "الجهادية" الرغبة في مساعدة مسلمي سوريا الذين يتعرضون إلى الهجوم والاعتداءات، ويساعد على ذلك قصص الحرب الأهلية والجرائم التي تُنشر من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يعتمد المقاتلون الأجانب على هذه المنصات الإعلامية في متابعة ما يحدث في سوريا، وبدا ملحوظاً رد فعل المتابعين على الأخبار ذات الصلة بسوريا، ليس فقط عن طريق إعادة إرسال هذه الأخبار أو نشرها إلى الآخرين، ولكن أيضاً من خلال التعليق على محتواها، لذا تلفت الدراسة الانتباه إلى تأثير وسائل الإعلام الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) في نشر الأيديولوجيات المتطرفة، وتجنيد المقاتلين، وجمع الأموال للجماعات المتشددة.

وثمة عامل جذب آخر للإسلاميين لخوض الحرب السورية، وهو فرصة العيش في مكان يخضع كاملاً لقواعد وتعاليم الدين الإسلامي من وجهة نظرهم.

4- المخاطر والتهديدات

يتوقع "ريتشارد باريت" ألا يشكل بعض الأجانب العائدين من القتال في سوريا أي تهديد إرهابي أو يستمروا في اتباع ذات المسار، ولكن تبقى الصعوبة في كيفية تمييز أولئك عن غيرهم ممن يمثلون خطراً فور عودتهم إلى دولهم، خاصةً أن هؤلاء المقاتلين تبنوا وجهة نظر راديكالية تنظر إلى كل من يعارض مفهومهم للإسلام باعتباره العدو الذي يجب القضاء عليه. وتدلل الدراسة على ذلك بعدد من الحوادث الإرهابية مؤخراً تعكس حجم التهديد الذي يمثله المقاتلون الأجانب في سوريا، وحدة التطرف الذي وصلوا إليه، ومنها وفاة مواطن أمريكي كان عضواً في "جبهة النصرة" خلال مايو 2014 في تفجير انتحاري ضد قوات النظام في سوريا، وأيضاً الهجوم اللاحق في ذات الشهر والذي استهدف المتحف اليهودي في بروكسل، ونفذه مقاتل كان عضواً في تنظيم "دول العراق الإسلامية في العراق والشام" والمعروف اختصاراً باسم "داعش".

وتحذر الدراسة من أن قادة هذه الجماعات المتطرفة ليس لديهم أي تردد في القيام بأعمال إرهابية تهدد المجتمعات، سواء المسلمة أو غير المسلمة، فهذا الأمر ليس موضع شك. كما تحذر من أن المقاتلين الأجانب في سوريا أكثر عرضة لقبول عقيدة تنظيم "القاعدة" والجماعات المرتبطة به، مقارنةً بأسلافهم في أفغانستان القرن الماضي.

ولهذا فمن المرجح أن تكون الحرب الدائرة في سوريا حاضنة لجيل جديد من الإرهابيين، خاصةً في ظل عدم وجود أي سياسة فعالة لوضع نهاية للحرب هناك، وتزايد الانقسام داخل سوريا بما يجعها ملاذاً آمناً للجماعات المتطرفة التي ثبتت جذورها، فضلا عن عدم وجود استراتيجية لإعادة المقاتلين الذين من جانبهم ليس لديهم أي نية أو رغبة للعودة إلى ديارهم أو حتى ترك سوريا، وهناك الكثير الشواهد على ذلك منها قيامهم بحرق جوازات سفرهم في رفض رمزي من جانبهم لحياتهم السابقة، إضافة إلى أخبار الفشل بشأن إثناء المتطوعين عن السفر إلى سوريا؛ وهو ما يعني استمرار المخاوف الدولية من المشكلات التي يطرحها التطرف الديني.

وتشير الدراسة إلى الجماعات الثلاثة التي جذبت معظم المقاتلين الأجانب، وهم (أحرار الشام، وجبهة النصرة، وداعش)، وجميعها أسسها مقاتلون كانوا أعضاء في تنظيم القاعدة، ومن ثم فمن المتوقع – إن لم يكن الآن فمستقبلاً - أن تلجأ هذه الجماعات إلى اتباع نهج "القاعدة" في تنفيذ هجمات إرهابية في كل مكان، فعلى سبيل المثال شهدت تركيا حادثين في مارس الماضي أحدهما في إسطنبول والآخر في الجنوب، حيث اشتبكت الشرطة خلالها مع مسلحين من أعضاء تنظيم "داعش"، الأمر الذي قد يؤكد بأن هذا التنظيم أصبح له فروع بالفعل خارج بلاد الشام.

وقد أولت قيادة "القاعدة" أيضاً اهتماماً وثيقاً بسوريا، حيث رأى قادة التنظيم أن الوضع في سوريا يعد فرصة للتعافي مما عانته "القاعدة" منذ عام 2001، لذلك أرسلوا كبار الناشطين هناك للعمل مع الجماعات التابعة للتنظيم، وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت بوادر خلاف بين "أيمن الظواهري" زعيم "القاعدة"، و"أبو بكر البغدادي" زعيم "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام".

ونتيجة للأعمال الوحشية التي ارتكبت من "داعش" وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، لجأت الجماعات الأخرى مثل "جبهة النصرة" إلى اتباع نصيحة "الظواهري" بتجنب الكشف عن نفسها بشكل كامل حتى ترسخ وضعها هناك وتكتسب الدعم الشعبي، ومن ثم دعا "الظواهري" أنصاره إلى عدم مهاجمة المساجد والأسواق أو غيرها من الأهداف المدنية، وتجنب الحديث عن الخطط المستقبلية لمهاجمة أهداف غربية خارج سوريا، مشدداً على أن المهمة العاجلة هي الإطاحة بنظام الأسد.

ويؤكد "باريت" أنه إذا تركنا جانباً ما يمكن أن يحدث في سوريا، فإن تنظيم "القاعدة" لو استطاع الحفاظ على شبكة من المقاتلين لتنفيذ أجندته الإرهابية، فإن ذلك سيشكل تهديداً عالمياً كبيراً، وثمة احتمال آخر هو أن عدداً من المقاتلين الأجانب والسوريين لن تنتهي ممارستهم عند توقف الحرب؛ بل سوف يتحرك هؤلاء كـ"جيش متجول من المتطرفين" إلى منطقة صراع أخرى لجعل الوضع فهيا أكثر سوءاً، وهو ما يتيح الفرصة للجماعات الإرهابية لتوسيع نشاطها.

ومن المثير للقلق أنه مع استمرار الحرب في سوريا، فإن المزيد من المقاتلين الأجانب يتحول ولائهم من الجماعات المتمردة إلى الأخرى الأكثر تطرفاً والأفضل تنظيماً وتمويلاً مثل تنظيم "داعش"، فهذا التنظيم عندما تكُون التحق به 40% من المقاتلين الأجانب، كما أن ما بين 60% و70% من المقاتلين الذين كانوا أعضاء في "جبهة النصرة" انضموا بعد ذلك إلى "داعش"، وانضم إليه ما بين 30% و40% ممن كانوا أعضاء في تنظيم "أحرار الشام"، ليصبح "داعش" أكثر تركيزاً صوب بناء دولة إسلامية بدلاً من هزيمة النظام في سوريا، ومن ثم فإن أهداف المقاتلين الأجانب قد تخضع لعملية تغيير مماثلة.

وثمة مؤشر آخر على وجود تهديد خارجي محتمل هو زيادة الشبكات التي أٌنشئت لنقل المقاتلين إلى سوريا، ففي النصف الأول من عام 2014، أعلنت الشرطة في الجزائر وبلجيكا وفرنسا وماليزيا والمغرب والسعودية وإسبانيا وتركيا وغيرها، أنها فككت شبكات لتجنيد وتعبئة المقاتلين.

5- التخفيف من حدة التهديدات

يرى "ريتشارد باريت" أن وقف الحرب في سوريا وبذل الجهود في هذا الشأن هو الخيار الأفضل – وإن كان لا يحظى بشعبية - للمجتمع الدولي للتصدي للتهديد المتزايد جراء عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم، فلا شك أنه كلما استمرت الحرب كانت العواقب وخيمة، ليس فقط على مستوى زيادة المقاتلين الأجانب الوافدين إلى سوريا، بل أيضاً على مستوى الشبكات التي تجندهم، حيث تصبح أكثر قدرة على نشرهم في أماكن أخرى.

وتشدد الدراسة على أن طريقة التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين من قبل سلطات وطنهم سيكون لها تأثير هام على سلوكهم في المستقبل، فالعائدون الذين كانت "الدوافع الإنسانية" وراء ذهابهم إلى سوريا ولم يتورطوا في أي قتال، قد يلجأون إلى التطرف حال التعامل معهم بعنف وقسوة فور وصولهم إلى بلدانهم، ومع ذلك فإنه سيكون من الصعوبة بمكان على الحكومات أن تجاوب على ثلاثة أسئلة هامة للغاية تمثل محور مواجهة هذه المخاطر، ومفادها: لماذا ذهب المقاتلون؟ وماذا فعلوا هناك؟ ولماذا عادوا مرة أخرى؟

6- التدابير المتخذة حالياً من الدول

يعتقد "باريت" أن ثمة آليتان بصفة عامة لمنع المقاتلين من الذهاب إلى سوريا أو التعامل معهم عندما يعودون، وتتمثل الآلية الأولى في تهديد أولئك الذين يذهبون للقتال بالعواقب القانونية أو الإدارية المترتبة على ذلك، ومنها مصادرة جوازات السفر أو حتى إلغاء الجنسية. أما الآلية الثانية فهي أن تبذل الدول ما في وسعها لمساعدة العائدين على الاندماج في مجتمعاتهم.

وهناك بعض البلدان التي تطبق هاتين الآليتان معاً، فالعديد من دول أوروبا وروسيا لديها بالفعل قوانين تفرض عقوبات على كل من يثبت انضمامه إلى جماعات مسلحة تهدد المصالح الوطنية مثل تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة"، وإن كان جمع الأدلة الموثوق بها في هذه الحالة أمر صعب.

وعلى المستوى العربي، حاولت السعودية منع مواطنيها من مغادرة المملكة إلى سوريا، وأيضاً تشجيع الموجودين بالفعل هناك على العودة، وذلك من خلال سن قانون جديد وتقديم فترة للعفو قبل بدء سريانه، حيث صدر مرسوم ملكي يوم 3 فبراير 2014 ينص على فرض عقوبات على أي شخص يشارك في حروب خارج المملكة، أو ينتمي إلى جماعات راديكالية دينية، أو منظمات تصنف على أنها إرهابية سواء محلياً أو دولياً، أو من يدعم أو يتبنى أيديولوجيتها أو يعرب عن تعاطفه معها بأي وسيلة، أو يقدم أي دعم مالي أو معنوي لذلك شفوياً أو كتابةً.

ومنذ صدور ذلك المرسوم الملكي، عاد على الأقل 300 مقاتل سعودي من سوريا، وخضعوا إلى "برنامج الرعاية" الذي صمم لهؤلاء المقاتلين الذين سبق أن انضموا إلى الجماعات المتطرفة.

كما قدمت الجزائر، التي لديها خبرة طويلة في التعامل مع العنف منذ تسعينيات القرن المنصرم، مبادرة تقوم على النقاش مع عائلة المقاتلين الجزائرين بمجرد أن يرد إلى علم السلطات الجزائرية أنهم ذهبوا إلى سوريا، حيث يكون لدى هذه الأسر استعداداً للتباحث مع السلطات حول أسباب ذهاب المقاتلين، وما الذي ينبغي فعله عندما يعودون.

وتؤكد الدراسة على حاجة المجتمع الدولي إلى جمع وتبادل المعلومات حول المقاتلين الأجانب، وتطوير الآليات اللازمة لهذا الغرض، لأن المتاح منها حالياً ليس على المستوى المطلوب.

7- ماذا يتعين اتخاذه من إجراءات؟

تشير الدراسة إلى عدد من الإجراءات أو التدابير التي يتعين على الدول اتخاذها لتفادي التهديدات الناجمة عن وجود مواطنين لها يقاتلون في سوريا، وتتمثل في الآتي:ـ

- الدور المجتمعي في إعادة الإدماج الناجح للمقاتلين العائدين، وتحديد هويتهم ومن الذي يمثل تهديداً، حيث لا يرجح أن تكون سلطات الدول قادرة على القيام بذلك وحدها، كما أنها سوف تحتاج أيضاً إلى مساعدة المجتمع في أي عمليات طويلة الأجل تستهدف رصد تصرفات هؤلاء المقاتلين العائدين. وقد سلكت العديد من الدول الأوروبية (مثل بلجيكا والدنمارك وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة) هذا النهج، كما دشنت فرنسا "مركز اتصال" للأسر للإبلاغ عن أي مخاوف بشأن تطرف أفرادها.

- استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في رفع مستوى الوعي عن الواقع في سوريا، وإزالة صورة "الجهاد" المرتبطة بالحرب، وأيضاً في تقويض قوة الجماعات المتطرفة وتوسيع الانقسامات فيما بينها مثلما الحال بين "داعش" وغيره من التنظميات المتطرفة، وفي هذا الشأن من المفيد معرفة أين تبحث هذه الجماعات عن الدعم، فعلى سبيل تميل "جبهة النصرة" و"القاعدة" إلى استخدام اللغة العربية في تويتر وفيسبوك، عكس تنظيم "داعش" الذي يستخدم لغات متعددة في نشر مواده الإعلامية لأكبر عدد من مستخدمي هذه الشبكات، كما يعد فيسبوك الوسيلة الأكثر رواجاً في بلاد الشام، في حين ينتشر تويتر في الخليج، ومن ثم يجب الاستفادة من هذه العوامل وإيجاد طرق لاختراق دوائر الاتصالات المغلقة للمقاتلين المحتملين، كما يمكن أن تكون هذه الوسائل الإعلامية أدوات فعالة للإعلان عن الخلاف السياسي داخل الجماعات المتطرفة، فعلى سبيل المثال يمكن الترويج إلى أن تنظيم "داعش" أكثر تركيزاً الآن على السيطرة على الأراضي في العراق وسوريا بدلاً من إسقاط نظام الأسد، كما يتم اتهامه بالتواطؤ مع الحكومة هناك لأنه نادراً ما يشارك في محاربتها. (المحرر: تأكدت هذه المقولة مع سيطرة "داعش" على بعض المدن العراقية منتصف شهر يونيو الجاري)

- تكوين قاعدة بيانات عن المقاتلين الأجانب، حيث يمكن الاستفادة من نظام تسجيل الأشخاص العاملين في الوكالات الإنسانية أو المنظمات غير الحكومية النشطة في سوريا، وذلك للمساعدة في فرز المقاتلين هناك، كما يجب على الدول أن تبذل مزيداً من الجهود في عقد حوارات مع العائدين للحديث عن تجاربهم.

- الأخذ في الاعتبار التهديد الذي يشكله عودة المقاتلين الأجانب، وتحديد سياسات التعامل معهم، ويمكن الاستفادة أيضاً من دراسة التجربة المماثلة للمقاتلين الذين عادوا من أفغانستان والبلقان والعراق ومالي والصومال واليمن، حتى لو كان الوضع في سوريا له ما يميزه.

ختاماً، تؤكد الدراسة على أن مواجهة هذا التحدي يتطلب سياسة حكومية شاملة تتضمن تطبيق القانون والإجراءات الأمنية والخدمات الاجتماعية، وهذه السياسة يجب أن تراعي الدوافع الرئيسية وراء ذهاب المقاتلين الأجانب إلى سوريا.

* عرض لدراسة تحت عنوان: "المقاتلون الأجانب في سوريا"، المنشورة في 2 يونيو 2014 عن مركز الأبحاث الأمريكي (صوفان جروب) المتخصص في تقديم الاستشارات الأمنية.

المصدر:

Richard Barrett, foreign fighters in Syria (New York: The Soufan Group, 2 June 2014).

الكلمات المفتاحية: داعشسورياإرهابجهادمقاتلين أجانب

إقرأ أيضاً

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات