أخبار المركز

فرص وتحديات:

مستقبل الاقتصاد الإبداعي في عصر الذكاء الاصطناعي

11 يونيو، 2024


صك البروفيسور والكاتب البريطاني جون هوكينز مصطلح "الاقتصاد الإبداعي" (Creative Economy) وأضحى الأب الروحي له، ويرتكز هذا المفهوم على حقيقة أن الإمكانات الإبداعية البشرية لا حدود لها، على نقيض الموارد التقليدية المادية الأخرى –مثل: الأرض والموارد الطبيعية ورأس المال- التي تتسم بمحدوديتها، وسيتم استنزافها في وقت ما لا محالة؛ إنه ذلك الاقتصاد الذي يعتمد على مساهمة الأصول الإبداعية وإمكاناتها للمساهمة في تعزيز النمو والتنمية الاقتصادية. لذلك، خلص هوكنيز إلى أن الدمج بين المواهب الإبداعية والقيم الثقافية الفريدة سيقود التقدم والازدهار العالمي في القرن الحادي والعشرين. 

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف مُوحد مقبول عالمياً، فإن منظمة "مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (الأونكتاد) تصف "الاقتصاد الإبداعي" –والذي يُشار إليه أيضاً بمصطلح "الاقتصاد البرتقالي"– باعتباره مجموعة من الأنشطة التي تُحوِّل الأفكار إلى مُنتجات وخدمات ثقافية وإبداعية ذات قيمة، تتم (أو تُمكن) حمايتها بموجب حقوق الملكية الفكرية. ويؤكد كل من "الأونكتاد" و"برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" أن عناصر الإنتاج الحاسمة لهذا الاقتصاد تتلخص في الأفكار الإبداعية ورأس المال الفكري، والتي يتم استخدامها عبر عملية يتفاعل بموجبها الإبداع مع الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا. فكيف يُعزز هذا الاقتصاد النمو والاستدامة، وما مستقبله في عصر الذكاء الاصطناعي؟

ماهية الاقتصاد الإبداعي وديناميكيته:

في مؤلفه "الاقتصاد الإبداعي: كيف يُحول المُبدعون الأفكار إلى أموال؟" –الصادر عام 2001– حدد هوكينز خمسة عشر قطاعاً تنتمي إلى الاقتصاد الإبداعي. تتمثَّل هذه القطاعات في: الإعلان، والهندسة المعمارية، والفنون البصرية، والحرف اليدوية، والتصميم، والأزياء، والأفلام، والموسيقى، والفنون الأدائية، والنشر، والبحث والتطوير، والبرمجيات، ولعب الأطفال والألعاب، والراديو والتلفاز، وألعاب الفيديو. ومنذ عام 2004، عكفت منظمة "الأونكتاد" على تعزيز الوعي العالمي المؤيد للاقتصاد الإبداعي؛ لتحسين جهود التنمية من خلال الإبداع. ومن جانبها، قامت المُنظمة بتصنيف الاقتصاد البرتقالي إلى أربع مجموعات تنطوي كل منها على عدد من الأنشطة الاقتصادية على النحو الموضح بالشكل رقم (1) وهي التراث، والفنون، والإعلان، والإبداعات الوظيفية؛ الأمر الذي يُسلط الضوء على أهمية التفاعل بين الإبداع والثقافة؛ على النحو التالي:


1. منطق الإبداع: يصف عالم الفيزياء الأشهر ألبرت آينشتاين الإبداع بأنه "رؤية ما يراه الآخرون، والتفكير بما لم يُفكر فيه أحد من قبل"، ولتحقيق ذلك، وصف ستيف جوبز، الرئيس التنفيذي الأسبق لشركة "آبل" ديناميكية العملية الإبداعية بأنها إيجاد روابط ما بين عدة أمور مختلفة بطريقة غير تقليدية. بعبارة أخرى، يرى المُبدع شيئاً ما يُلهمه ويقوده لصُنع توليفة أو مزيج مُبتكر من العناصر التي لا يتوقعها الآخرون. 

2. نسج الروابط المؤيدة بالمعرفة: حتى يتسنى للمُبدع تأسيس هذه الروابط بين أمور عدة مُختلفة، فإنه يحتاج إلى امتلاك رصيد كبير من الخبرات والمعارف وأن يقوم بالتفكير فيها بشكل أعمق من الآخرين. إنه يقوم بتحري أمور عدة واستكشافها، حتى لو بدت عديمة الأهمية في بادئ الأمر. وهكذا، تتحول هذه الخبرات والمعارف إلى مجموعة كبيرة من نقاط المعرفة التي غالباً ما تستمد روافدها من تخصصات علمية وممارسات متعددة؛ ما يفتح المجال لمسارات غير مطروقة لم يتصورها أحد من قبل. 

3. الثقافة وقود الإبداع: تُعد الثقافة رافداً لا ينضب للخبرات والمعارف الإنسانية؛ ومن ثم العملية الإبداعية. إنها بمثابة المُحفز الذي يُنمي الخيال ويُطلق العنان للأفكار. وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تبني مفهوم أكثر رحابة للثقافة؛ لأنها لا تقتصر فقط على الفنون والآداب، بل تتسع لتشمل أنماط الحياة المُعاشة، وأنظمة القيم والتقاليد والمعتقدات والسلوكيات والطموحات، كما تمتد لتشمل ثقافات الآخرين في المحيط الدولي؛ التي باتت ذات تأثير عميق في المجتمعات المحلية.

4. العلاقة التكافلية بين الثقافة والإبداع: يُمكن القول إن ثمة علاقة سببية إيجابية ثُنائية الاتجاه بين الثقافة والإبداع. فمن جهة، عندما يستكشف الأفراد مجموعة أوسع وأكثر تنوعاً من التدفقات والروافد الثقافية، فإن أفكارهم الإبداعية تنمو وتتكاثر؛ مما يؤدي إلى إثراء المجتمع ككل. ومن جهة أخرى، تسهم الأفكار الإبداعية في تعزيز المشهد الثقافي الوطني والدولي، خاصة في ظل عالم مُعوْلم؛ مما يزيد من المحتوى الثقافي المُتاح. وهكذا، تضمن هذه العلاقة تلازم النمو الديناميكي والتطور الأصيل لكل من الثقافة والإبداع.

الدور التنموي للاقتصاد الإبداعي:

لما كان الاقتصاد الإبداعي نِتاجاً للتفاعل بين الإبداع والثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا، فإن المُكون الاقتصادي يؤدي دوراً رئيساً في ازدهاره، بوصفه المسؤول عن تحويل الأفكار الإبداعية إلى مُنتجات وخدمات ذات قيمة وقابلة للتداول عبر أنشطة ريادية، ويُعرف الاتحاد الأوروبي ريادة الأعمال بأنها أسلوب تفكير وعملية إنتاجية تجمع بين تحمل المُخاطرة والإبداع مع الإدارة الحصيفة، وهو ما يتماشى مع تفسير الاقتصادي جوزيف شومبيتر، حين أوضح خمسة أنماط لريادة الأعمال، وهي: تقديم منتج جديد إلى السوق، وتنفيذ أسلوب جديد لعملية إنتاجية، وفتح سوق جديدة، واستخدام مصدر جديد لإمدادات المواد الخام، وإنشاء منظمة/ منشأة جديدة في صناعة ما. وفي هذا السياق، يُمكن الإشارة إلى ما يلي:

1. قاعدة الارتكاز: يستند الاقتصاد الإبداعي إلى نظرية "الفرصة وريادة الأعمال" التي طرحها أستاذ الإدارة والاقتصادي بيتر دراكر؛ إذ يخوض رائد الأعمال المخاطر لإحداث تغيير ما، أو استغلال فرصة ناشئة عن تغيير ما، ويتوافق ذلك مع نظرية "ريادة الأعمال والابتكار" للاقتصادي شومبيتر، والتي تخلص إلى أن الوظيفة الفعلية لرائد الأعمال تتمثل في العمل كمُنسق للإنتاج وعامل للتغيير.

2. المساهمة الاقتصادية والأثر الاجتماعي: يؤدي الاقتصاد الإبداعي دوراً مهماً في تعزيز الاقتصادات وازدهارها، فضلاً عن معالجة عدم المساواة والتفاوتات في الدخول في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء؛ إذ:

وفقاً لتقديرات الأمم المُتحدة، يُسهم هذا الاقتصاد بما يتراوح بين 2 إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتتوقع مجموعة العشرين أن ترتفع النسبة إلى 10% بحلول عام 2030.

يُوفر الاقتصاد الإبداعي ما يقرب من 50 مليون وظيفة في جميع أنحاء العالم، نصفها تقريباً للنساء، كما أن غالبية العاملين به ينتمون للفئة العمرية (15 إلى 29 عاماً).

يتميَّز الاقتصاد الإبداعي بارتفاع العائد على الاستثمار في صناعاته؛ إذ إن كل دولار أمريكي يتم استثماره فيه يُولد 2.5 دولار أمريكي في المتوسط.

أسهمت التكنولوجيات الحديثة في "التحول اللامادي" لبعض المنتجات الإبداعية لتصبح في هيئة خدمات إبداعية؛ مما أدى إلى زيادة قيمة الصادرات العالمية من الخدمات الإبداعية من 487 مليار دولار أمريكي عام 2010 إلى ما يقرب من 1.1 تريليون دولار أمريكي عام 2020، وفي الفترة نفسها، ارتفعت فيمة الصادرات العالمية من المنتجات الإبداعية من 419 مليار دولار إلى 524 مليار دولار أمريكي، وذلك وفقاً لإحصاءات منظمة "الأونكتاد"، واللافت للانتباه أن منتجات التصميم (Design products) تُهيمن على صادرات المُنتجات الإبداعية؛ إذ تُمثِّل 62.9% من الإجمالي العالمي في عام 2020، تليها منتجات الوسائط المتعددة بنسبة 13.4% من الإجمالي.