التقديرات

ظاهرة متجددة:

التحريض على العنف بشبكات التواصل الاجتماعي في الإقليم

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 29 سبتمبر, 2016

ظاهرة متجددة:

على الرغم من الآفاق الواسعة لتبادل الأفكار والآراء التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي على اختلافها منذ إطلاقها، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة تداعيات سلبيات بدأت تفرضها داخل بعض الدول والمجتمعات، يتمثل أبرزها في تحولها، في بعض الأحيان، إلى آلية لنشر الأفكار المتطرفة، والتي لا تخلو من التحريض على العنف.

وقد تسببت إساءة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي من خلال التعبير الفظ عن وجهة نظر الفرد، وكذلك توظيفها من قبل التيارات المتطرفة، في العديد من الأزمات، لا سيما في ظل غياب منظومة قوانين تحمي وتنظِّم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في العديد من الدول، وهو أمر نتج عنه إما تقييد مبالغ فيه من قبل بعض الدول، أو تساهل أدى إلى انتقال العنف من الفضاء الإليكتروني إلى الواقع على الأرض.

ولعل حادث اغتيال الكاتب الأردني ناهض حتّر، في 25 سبتمبر 2016، يُعيد إلى الأذهان دلالات ظاهرة التحريض على العنف على شبكات التواصل الاجتماعي، لا سيما وأن هذه الظاهرة قد تبلورت إلى حد كبير خلال الفترة الماضية، وانتشرت بفعل السيولة التي تشهدها المنطقة عقب الثورات العربية، في ظل صعوبة السيطرة -في الوقت ذاته- على الفضاءات الإليكترونية التي أجادت استغلالها ولا تزال الجماعات المتشددة والمتطرفة.

نماذج متعددة:

لا يمكن اعتبار اغتيال الكاتب الأردني ناهض حتّر الحادث الوحيد الناتج عن التحريض على القتل على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وإن كان هو الحادث الأبرز في هذا الإطار حاليًّا، نظرًا لكون موقع "فيس بوك" بمثابة ساحة للجدل الذي سبق اغتيال الكاتب؛ حيث قام الأخير بنشر كاريكاتير على صفحته الخاصة على "فيس بوك" بعنوان "رب الدواعش" اعتُبِر، في رؤية بعض التيارات والجهات، "رسمًا مسيئًا للذات الإلهية"، وقُوبل بحملة سخط كبيرة أدت إلى حذف الكاتب للرسم، والاعتذار عن نشره، مؤكدًا أنه لم يقصد هذه الإهانة، وإنما قصد السخرية من الإرهابيين، وقد تعرض حتّر في هذا الإطار للمساءلة القانونية قبل أن يُفرج عنه بكفالة.

وقد استمرت حملة الانتقاد ضد الكاريكاتير على موقع "فيس بوك" من قبل بعض الصفحات الدينية المتطرفة، والتي ربما لاقت تجاوبًا من جانب منفذ جريمة الاغتيال، الذي أشار إلى أنه تأثر بما نشرته تلك الصفحات.

وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل حوادث اغتيال رموز من المعارضة التونسية على سبيل المثال، عن حملات التحريض على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان لافتًا أن اغتيال كلٍّ من شكري بلعيد المنسق العام لحزب "الوطنيين الديمقراطيين" وعضو "الجبهة الشعبية" التي تضم أحزابًا يسارية وقومية، في فبراير 2013، ومحمد البراهيمي العضو في حزب "التيار الشعبي"، في يوليو من العام نفسه، قد سبقته حملات لتشويه المعارضة التونسية ورموزها، والأحزاب الشيوعية واليسارية، واتهامها بـ"معاداة الدين" و"الخيانة"، من قبل صفحات تعبر عن أفكار دينية متطرفة، لا سيما الصفحات التابعة لتنظيم "أنصار الشريعة" المحظور في تونس.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن الجالية اليهودية في تونس قد تعرضت في وقت سابق لعدد من حملات التحريض على العنف والقتل بحقهم على شبكات التواصل الاجتماعي، بعد فتوى تدعو الشباب التونسي إلى "قتل اليهود والتهيؤ لدخول الجنة" وذلك خلال عام 2012، وقد تم تداول مقاطع الفيديو الخاصة بالفتوى، وبالتظاهرة التي خرجت لدعم هذا الرأى في العاصمة التونسية، على مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و"يوتيوب" بكثافة.

وقد شهدت الجزائر أيضًا عددًا من الحملات المشابهة للتحريض على العنف بحق أشخاص بأعينهم، حيث ظهرت دعوات لقتل واستباحة دم الكاتب كمال داود عقب صدور فتوى بحقه في هذا الشأن من قبل أحد الشيوخ (نشرها على صفحته الرسمية على موقع "فيس بوك") بتهمة "تطاوله على القرآن ومحاربة الإسلام وتمجيد الأعداء". كما دعا صاحب الفتوى "النظام الجزائري إلى الحكم عليه بالإعدام علنًا". وقد صدر بحق الأخير حكم قضائي، في مارس 2016، بالحبس لمدة ستة أشهر بينها ثلاثة مع النفاذ بتهمة التحريض على القتل.

كما صدر تقرير عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، في أغسطس 2016، تطالب فيه السلطات الجزائرية بحماية عبدو سمار رئيس تحرير الموقع الإخباري algérie-focus من تهديدات بالقتل تنتشر على صفحات "فيس بوك"، وذلك على خلفية قيام الموقع بنشر مقال عن منح فيلا لابن وزير السكن والعمران.

وكانت مصر قد شهدت حملات مماثلة خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، طالت عددًا من رموز السياسة والإعلام، حيث نشطت بعض الصفحات في هذا الإطار، ونشرت صور الأشخاص الذين توجه ضدهم انتقادات قوية، وذلك إلى جانب نوع آخر من التحريض ضد الدولة ومؤسساتها الرسمية.

كذلك أقدمت السلطات التركية على غلق وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من مرة خلال العامين الماضيين، لأسباب تتعلق بانتشار دعوات للعنف والاحتجاجات، وتشويه صورة مؤسسات الدولة، والاستفاضة في نشر صور ومعلومات حول التفجيرات الإرهابية المتتالية التي شهدتها المدن والمحافظات التركية، بل والدعوة إلى مواصلتها في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال؛ أصدرت محكمة الصلح والجزاء في سوروج، في يوليو 2015، قرارًا بحجب موقعى التواصل الاجتماعي "تويتر" و"فيس بوك" نظرًا لعدم تطبيقهما قرارًا قد أصدرته يقضي بحذف كل ما يتصل بتفجير منطقة سوروج الحدودية مع سوريا، لا سيما وأن تغريدات ومشاركات ذات صلة بالحادث قد تضمنت الدعوة إلى القيام بأعمال احتجاجية. وقد تكرر ذلك الحجب للأسباب نفسها لأكثر من مرة، كان آخرها أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، عندما استخدم الموقعان للتشجيع على النزول وتأييد محاولة الانقلاب قبل السيطرة عليها.

عوامل الانتشار:

يمكن القول إن ثمة اعتبارات عديدة ساهمت في انتشار ظاهرة التحريض على العنف من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتتمثل في:

1- اتساع نطاق استخدام التنظيمات الإرهابية لمواقع التواصل الاجتماعي: يمثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها لنشر أفكار متطرفة ودعوات للعنف امتدادًا طبيعيًّا لتوظيف الجماعات المتطرفة للمواقع الإليكترونية والمنتديات لخدمة توجهاتها، وفي مقدمتها تنظيم "القاعدة" الذي استطاع استخدام الإنترنت لتجنيد عدد من عناصره حول العالم من خلال منتديات ومواقع إليكترونية خاصة.

2- تصاعد حدة عدم الاستقرار في دول الأزمات: ساهم تدهور الأوضاع الأمنية والاضطرابات السياسية التي تشهدها دول الأزمات في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، في نقل دعوات العنف والتحريض عليه من فضائها الإليكتروني إلى مستوى التنفيذ والممارسة، لا سيما مع إعلان عدد من التنظيمات الإرهابية مبايعتها لتنظيم "داعش"، الذي تمكن، وفقًا لاتجاهات عديدة، من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تجنيد أعضائه وزيادة عدد مؤيديه.

3- وصول بعض قوى الإسلام السياسي إلى السلطة في عدد من دول المنطقة: تزامن مع صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في تونس، عودة ظهور بعض التيارات المتطرفة، التي استطاعت حشد مؤيدين لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وظهر على صفحاتها العديد من فتاوى التكفير والتخوين وإهدار الدم والتمييز الطائفي.

4- غياب الأطر القانونية المنظمة لاستخدام الإنترنت: أدى عدم توافر أطر تشريعية في بعض دول المنطقة إلى انتشار ظاهرة التحريض على العنف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن جهودًا ملحوظةً في هذا الشأن في عدد من الدول قد بدأت في العمل على مواجهة دعوات العنف ضد أشخاص أو مؤسسات، واتخاذ الإجراءات القانونية لمعاقبة مرتكبيها. 

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تبني استراتيجية واضحة وقابلة للتطبيق للحد من دعوات العنف والتحريض عليه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتسم بصعوبة السيطرة على محتواها، ولعل إحدى أهم آليات هذه الاستراتيجية تتمثل في ضمان اتخاذ إجراءات عقابية بحق المحرضين على العنف.