التقديرات

العقبات العشر:

لماذا تنهار مبادرات تسوية الأزمات الإقليمية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 05 أكتوبر, 2016

العقبات العشر:

  لم تنجح معظم المبادرات التي طُرحت لتسوية الأزمات الإقليمية في تحقيق أهدافها، حتى تلك التي حرصت الأطراف التي طرحتها من البداية على تخفيض سقف التوقعات الخاصة بها. فرغم إجراء مفاوضات عديدة بين الأطراف المعنية بتلك الأزمات لمناقشة هذه المبادرات، ووضع آليات محددة لتحويلها إلى خطوات إجرائية، إلا أن استمرار المواجهات المسلحة وضع عقبات عديدة قلصت من قدرتها على تحقيق نتائج إيجابية.

    وقد عبر المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا عن هذه الإشكالية في أعقاب إجراء جولات تفاوض عديدة انتهت بالفشل، وكان آخرها المفاوضات التي جرت بين وزيري الخارجية الأمريكي جون كيري والروسي سيرجي لافروف في 9 سبتمبر 2016، والتي أسفرت عن الوصول إلى اتفاق لوقف أعمال العنف، وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة، قبل أن تعلن الولايات المتحدة الأمريكية، في 3 أكتوبر 2016، عن تعليق مشاركتها في القنوات الثنائية مع روسيا لتنفيذ هذا الاتفاق، بقوله: "لا يمكن تمهيد طريق التسوية بالقنابل"، في إشارة إلى استمرار المواجهات المسلحة التي باتت أطراف إقليمية ودولية عديدة منخرطة فيها بشكل مباشر، على غرار تركيا وإيران وروسيا التي يبدو أنها تتجه إلى رفع مستوى تدخلها العسكري مرة أخرى في الصراع السوري بعد تصاعد حدة خلافاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية حول التعامل مع التطورات الميدانية والسياسية في آن واحد.

صعوبات عديدة

ربما يمكن القول إن ثمة عقبات عديدة قلصت من قدرة المبادرات التي طُرحت على الوصول إلى تسوية للأزمات الإقليمية المختلفة، يتمثل أبرزها فيما يلي: 

1- تعقد الصراعات: تتسم الصراعات الإقليمية الراهنة بالتعقيد الشديد في كل أبعادها، فقد ارتبطت بظواهر أمن غير تقليدية جراء حالة الانهيار أو التصدع التي طالت الدولة القومية التي انهارت في ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وهو ما فرض تداعيات عديدة، يتمثل أهمها في صعود أحدث نسخ الأجيال الإرهابية التي تعبر عنها تنظيمات مثل "داعش" و"جبهة النصرة" (التي قامت بتغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام")، واتساع نطاق الصراعات الهجينة بين الميليشيات المسلحة والجيوش النظامية والمناطقية، فضلا عن تصاعد حدة الاستقطابات الثلاثية بين أطراف محلية وقوى إقليمية ودولية مختلفة، وهيمنة الأبعاد الطائفية والعرقية على تلك الصراعات.

2- تباين الأهداف: يرتبط نجاح المبادرات التي تُطرح للوصول إلى تسوية سياسية لإحدى الأزمات بمدى قدرتها على الوصول إلى توافق بين الأطراف المعنية بها، وهو ما تفتقده معظم المبادرات التي قُدمت لتسوية الأزمة السورية على سبيل المثال، حيث ما زالت مساحة الخلافات بين الأطراف المنخرطة فيها واسعة بشكل كبير، وهو ما يبدو جليًّا في الخلافات الروسية- الأمريكية الحالية التي تهدد بتصعيد حدة الأزمة، لا سيما بعد التهديدات التي وجهتها موسكو إلى واشنطن بأن "استهداف الجيش النظامي السوري سوف يؤدي إلى زلزال في الشرق الأوسط"، خاصة بعد الانتقادات القوية التي وجهتها الأخيرة إلى موسكو ونظام الأسد بسبب العمليات العسكرية الأخيرة التي شنها النظام مدعومًا بغطاء جوي روسي في مدينة حلب.

لكن اللافت هنا، هو أن تباين الأهداف ربما يمتد إلى الحلفاء أيضًا، وهو ما يبدو جليًّا، على سبيل المثال، في المخاوف التي تُبديها إيران تجاه المحادثات التي جرت بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، والتي أسفرت عن الوصول إلى اتفاق وقف أعمال العنف قبل تعليقها من جانب الأخيرة، وفي الانتقادات التي وجهتها إيران لتعمد روسيا الإعلان عن انطلاق بعض قاذفاتها ومقاتلاتها من قاعدة "نوجه" الجوية بمدينة همدان الإيرانية.

كما يبدو ذلك واضحًا أيضًا في الخلافات العالقة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، سواء حول إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، أو حول الدعم الذي تقدمه الأخيرة للميليشيات الكردية التي تشارك في المواجهات المسلحة ضد تنظيم "داعش".

3- هيمنة البعد الأمني: تنطوي معظم مبادرات التسوية التي طُرحت في الفترة الماضية على أكثر من شق أو مسار، أبرزها بطبيعة الحال المسار السياسي والأمني أو العسكري، لكن من الواضح أن البعد الأمني يحظى بالأولوية في كافة الجهود التي تُبذل للوصول إلى تسوية.

وهنا، ربما يُمكن القول إن الخلافات الأمنية بين الأطراف السياسية الليبية على سبيل المثال، لا سيما بين المجلس الأعلى للدولة، وهو أحد الكيانات المنبثقة عن الاتفاق السياسي، والجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر تمثل عقبة أمام تسوية الأزمة، خاصة بعد أن دعا الأول، في 20 سبتمبر 2016، القوات التابعة لوزارة الدفاع وهيئة الأركان بحكومة الوفاق الوطني إلى توحيد صفوفها من أجل مواجهة ما أطلق عليه "خطر الانقلاب العسكري"، بعد سيطرة قوات حفتر على منطقة "الهلال النفطي".

4- اختلاف الأولويات: لا يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تسعى إلى إجراء تغيير في السياسة التي تبنتها للتعامل مع الأزمات الإقليمية المختلفة، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى ترجيح اتجاه أوباما إلى نقل "عبء" إدارة تلك الأزمات إلى الرئيس الأمريكي القادم، بشكل أثر على التعامل الأمريكي مع التطورات التي تشهدها تلك الأزمات، وسمح لقوى وأطراف دولية أخرى -مثل روسيا- برفع مستوى انخراطها السياسي والعسكري، لا سيما في الأزمة السورية، وهو ما ساهم في تحولها إلى الطرف الرئيسي الذي يمتلك القدرة على تحديد المسارات المحتملة لتلك الأزمة خلال المرحلة القادمة.

ومن دون شك، فإن اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا يبدو أنه السبب الوحيد الذي دفع إدارة أوباما إلى الإصرار على عدم تغيير سياستها إزاء تلك الأزمات، فهناك أسباب أخرى يتمثل أبرزها في حرصها على منح الأولوية للحرب ضد الإرهاب، لا سيما تنظيم "داعش"، والاتفاق النووي مع إيران، والذي كان يمكن أن يتأثر -في رؤية اتجاهات عديدة- في حالة إذا ما اتجهت تلك الإدارة إلى إجراء تغيير في موقفها من الأزمة السورية باتجاه التصعيد ضد نظام الأسد.

5- القواسم المشتركة للصراعات: يبدو من خريطة الصراعات الإقليمية المختلفة أن هناك قواسم مشتركة فيما بينها، يتمثل أبرزها في الأدوار السلبية التي تمارسها بعض القوى الإقليمية المنخرطة فيها، على غرار إيران مثلا التي ساهمت في إفشال إبرام اتفاق تسوية للصراع في اليمن، خاصة في ظل حرصها على ربطه بتطورات الصراع في سوريا التي تراجع نفوذها فيها بشكل واضح لصالح روسيا، وهو ما يبدو أنه دفعها -وفقًا لرؤية اتجاهات عديدة- إلى عرقلة الوصول إلى تسوية في اليمن ربما تمهيدًا لمحاولة توظيفها لخدمة مصالحها في ملفات أخرى في المنطقة.

6- غياب آليات الإلزام: افتقدت مبادرات التسوية في الأزمات المختلفة إلى الآليات التي يمكن أن تلزم أطرافها بتنفيذها، بشكل أدى إلى تقليص قدرتها على تحقيق نتائج بارزة، وهو ما يبدو جليًّا في اتفاق "الصخيرات" الذي لم ينجح في التعامل مع العقبات العديدة التي تواجه جهود تسوية الأزمة في ليبيا، على غرار الانقسام الحكومي وانتشار الميليشيات المسلحة. 

7- افتقاد الإرادة السياسية: رغم ادعاء بعض الأطراف المنخرطة في الصراعات الإقليمية المختلفة برغبتها في الوصول إلى تسوية سياسية لها، إلا أنها تتبنى توجهات مناقضة في الواقع، بشكل يشير إلى أنها تسعى من خلال ذلك إلى تقليص حدة الضغوط التي تفرضها أطراف داخلية أو قوى إقليمية ودولية، وتجنب التعرض لعقوبات دولية بسبب عرقلتها للجهود التي تبذل في هذا السياق، على غرار ما يحدث من جانب نظام الأسد في سوريا وحركة الحوثيين في اليمن.

8- تراجع دور الأمم المتحدة: وهو أمر يبدو واضحًا في كافة الأزمات الإقليمية، بسبب تناقض أهداف القوى الدولية المعنية بتلك الأزمات، بشكل أدى إلى عرقلة الجهود التي يبذلها المبعوثون الدوليون في تلك الأزمات.

9- التسويات المرحلية: تكشف دراسة أغلب المبادرات التي طُرحت في معظم الأزمات الإقليمية عن أنها تستهدف الوصول إلى تسويات مرحلية لا تنهي الصراعات ولا تعالج المشكلات الأساسية، بما يعني أنها تمثل في أغلبها أطروحات تكتيكية، على غرار ما حدث في الأزمة السورية، حيث تركزت التفاهمات السابقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على تأسيس مركز للتنسيق العسكري المشترك، وترسيم حدود الجبهات لوقف الأعمال العدائية، دون التطرق إلى المشكلات الجوهرية التي تعرقل تسوية الأزمة.

10- تداخل الملفات: أدى حرص بعض الأطراف المعنية على منح الأولوية لبعض الملفات، على غرار الحرب ضد الإرهاب مثلا، إلى تقليص اهتمامها بالأزمات الإقليمية الرئيسية، وهو ما يبدو جليًّا في السياسة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم في الأساس على مواجهة تنظيم "داعش" لمنعه من تهديد المصالح الأمريكية، وعدم الانخراط بشكل مباشر في الأزمات الإقليمية المختلفة، لا سيما الأزمة في سوريا، التي يمكن أن تفرض تداعيات سلبية عديدة على تلك المصالح وفقًا لرؤية إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

مخاطر الفشل

وفي ضوء ذلك، ربما يمكن القول إن عدم نجاح المبادرات التي طُرحت في تحقيق أهدافها في الوصول إلى تسويات سياسية للأزمات الإقليمية المختلفة قد لا يمثل المشكلة الوحيدة في هذا السياق، إذ إن "مخاطر الفشل" تمثل تحديًا آخر لا يقل أهمية، على اعتبار أن عدم تحقيق نتائج إيجابية من خلال تلك المبادرات يدفع الأطراف المنخرطة في تلك الأزمات إلى التصعيد العسكري من جديد.

لقراءة النص كاملاَ رجاءً الضغط هنا