التحليلات - التغيرات السياسية

اختبار الشعبية:

من يحسم انتخابات المغرب.. الإسلاميون أم الأصالة والمعاصرة؟

د. سعيد الصديقي

الإثنين, 10 أكتوبر, 2016

اختبار الشعبية:

تحظى الانتخابات البرلمانية المغربية المقررة في 7 أكتوبر الجاري، باهتمام كبير، حيث سيجرى التنافس فيها على 395 مقعداً ترشح لها 6992 مرشحاً. وهذه هي ثاني انتخابات تشريعية للغرفة الأولى للبرلمان المغربي (مجلس النواب) منذ اندلاع احتجاجات في عام 2011، والتي دفعت العاهل المغربي محمد السادس إلى وضع دستور جديد ينزع فتيل الاضطرابات ويمنح مزيداً من الصلاحيات للحكومة المنتخبة.

وتمثل الانتخابات الحالية اختباراً لشعبية الإسلاميين ولقدرة حزب العدالة والتنمية على الاحتفاظ بالتأييد الذي حظي به في انتخابات عام 2011، ومكَّنه من قيادة الحكومة المغربية لمدة خمس سنوات. ولم تكن هذه التجربة هينة على حزب العدالة والتنمية، حيث تعرضت حكومته لهزات كثيرة كادت تعصف بها، لاسيما عندما قرر حزب الاستقلال الانسحاب منها في يوليو 2013.

كما يأتي هذا الاستحقاق الانتخابي الجديد في أعقاب انعقاد الانتخابات المحلية والجهوية في سبتمبر 2015، والتي ربما تكون نتائجها "ترمومتراً" يُمكن من خلاله توقع بوصلة الانتخابات البرلمانية، وهو ما يعني أن التنافس سيكون على أشده بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة (حزب وسط مقرب من النظام الملكي، ويمثل المعارضة)، فيما يتوقع أن تنحصر أدوار الأحزاب الأخرى في بناء التحالفات المقبلة التي سيحتاج إليها الحزب الفائز في مجلس النواب.

تحالفات هشة

تتسم الانتخابات الحالية لمجلس النواب المغربي بغياب تحالفات مهمة بين الأحزاب الكبرى التي أجَّلت حسم خريطة تحالفاتها إلى ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، عكس انتخابات عام 2011 التي شهدت تحالفاً واسعاً بين ثمانية أحزاب سياسية، وسُمي آنذاك (التحالف من أجل الديموقراطية) أو (G8) الذي تشكل من أحزاب مختلفة في توجهاتها الفكرية والسياسية، وهي حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الدستوري وحزب النهضة والفضيلة والحزب العمالي والحزب الاشتراكي وحزب اليسار الأخضر. وقد انفرط عقد هذا التحالف مباشرة بعد ظهور نتائج الانتخابات نظراً لفشله في الحصول على المرتبة الأولى.

لكن في المحطة الانتخابية الحالية، ليس هناك أي تحالفات ذات شأن حتى الآن. فالتحالف الأهم المُعلن عنه في بعض الملتقيات الحزبية والتصريحات الصحفية هو بين حزبي العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، لكنه يظل مجرد إعلان للنوايا، ولا يتعلق بمرحلة الانتخابات، بل يتوجه إلى ما بعد الإعلان عن نتائجها. فقد أعلن زعيما الحزبين أنهما اتفقا على استمرار تحالفهما سواء في الحكومة إذا حازوا على الأغلبية أو الانتقال إلى المعارضة في حالة عدم احتلال العدالة والتنمية المرتبة الأولى.

وثمة تحالف انتخابي أخر بين حزبين صغيرين، وهما حزب العهد الجديد وحزب التجديد والإنصاف، حيث قدم الحزبان قوائم انتخابية موحدة. لكن هذا التحالف لن تكون له أي آثار تُذكر على نتائج الانتخابات، ولن يؤثر على المشهد السياسي نظراً لضعف القاعدة الانتخابية لهذين الحزبين. وبالمقابل، فقد أعلن الحزبان الكبيران، حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، في أكثر من مناسبة عدم استعدادهما لعقد أي تحالف بينهما عند تشكيل الحكومة القادمة. وما عدا هذا، فكل شيء وارد، بما يعني أن التحافات القادمة ستتمحور حول أحد هذين القطبين الرئيسيين.

صراع الأحزاب الكبيرة

ينحصر التنافس في هذه الانتخابات التشريعية بين ثلاثة أحزاب سياسية، وهي العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال. فمن جهته، يسعى حزب العدالة والتنمية إلى جعل هذه الانتخابات استقتاءً على تجربته الحكومية الحالية، وقد دشن حملته الانتخابية بتجمعات شعبية في المدن الكبرى، ويطمح إلى تجديد الثقة فيه وقيادة الحكومة القادمة. وثمة ترجيحات لكفة هذا الحزب في المحطة الانتخابية الحالية لكونه لا يزال يحتفظ برصيد انتخابي مهم يؤهله لتكرار سيناريو انتخابات عام 2011.

فيما يسعى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أُنشأ أصلاً لمواجهة الإسلاميين، أيضاً للفوز بهذه الانتخابات، ويقدم نفسه بديلاً لحزب العدالة والتنمية. فبالرغم من أن الدولة راهنت كثيراً، ولا تزال، على حزب الأصالة والمعاصرة في تحقيق التوازن السياسي وكبح حزب العدالة والتنمية من توسيع الفجوة بينه وبين باقي الأحزاب، إلا أنه من المرجح أن حاجة الدولة إلى الاستقرار الاجتماعي تقتضي في هذه المرحلة عدم الدفع بحزب الأصالة والمعاصرة إلى تصدر نتائج انتخابات مجلس النواب وقيادة الحكومة القادمة.

أما حزب الاستقلال، الذي يحدوه الأمل في قيادة الحكومة القادمة، فيتوفر على حظوظ محدودة في الظفر بالمرتبة الأولى، نظراً لتراجع قاعدته الانتخابية نسبياً، وأيضاً بسبب الهزات التنظيمية التي تعرض لها بعد مؤتمره العام في صيف عام 2012، لكن يُرجح أن ينخرط في الحكومة القادمة ويحصل على حقائب وزارية مهمة، خاصةً بعد أن أظهرت مؤشرات كثيرة عودة الود بينه وبين حزب العدالة والتنمية خلال الشهور الماضية.

وعلى صعيد الأحزاب المتوسطة، فهي تشمل كل من حزب الحركة الشعبية، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب التقدم والاشتراكية. وبالرغم من أنها تتفق في استراتيجية تعزيز مركزها السياسي حتى تستطيع الحصول على حقائب وزارية مهمة إذا شاركت في الحكومة القادمة، فإنها تختلف من حيث طبيعة تحالفاتها المحتملة. فإذا كان حزب التقدم والاشتراكية حسم خياره بالانحياز إلى حزب العدالة والتنمية، ومواجهة استراتيجية حزب الأصالة والمعاصرة، فإن كلاً من حزب الحركة الشعبية وحزب التجمع الوطني للأحرار المشاركين في الحكومة الحالية فضلا ترك المجال مفتوحاً لكل الخيارات، وانتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات. ومن المرجح أن يكونا حاضرين في الحكومة القادمة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، سواء جُددت الثقة في حزب العدالة والتنمية، أو تزعم حزب الأصالة والمعاصرة الحكومة المقبلة، لاسيما وأن الحزبين يبقيان من الناحية السياسية أقرب إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

حضور رمزي للسلفيين

أصبح إدماج السلفيين في الحياة السياسية المغربية محوراً للنقاش والجدل السياسي خلال الأسابيع الماضية التي سبقت الانتخابات الحالية، لكن هذا الجدل لا يعكس حجم مشاركتهم الفعلية في الانتخابات، والذي يظل ضعيفاً. فإذا استثنينا مشاركة أحد رموز السلفية في قائمة زعيم حزب الاستقلال بمدينة فاس والذي تبقى حظوظه ضعيفة جدًّا بالفوز بمقعد انتخابي نظراً لكونه وُضع في المرتبة الثانية في القائمة الانتخابية وفي دائرة شهدت تراجاً كبيراً لشعبية هذا الحزب في الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة في عام 2015؛ وأيضاً محاولة حزب العدالة والتنمية ترشيح أحد الدعاة السلفيين بمدينة مراكش وهو "حماد القباج" الذي رفضت السلطات المحلية ملف ترشيحه، فلا يوجد أي ترشيح لرموز السلفية المعروفة في هذه الانتخابات، يمكن أن يضفر بمقعد في مجلس النواب القادم.

وبالرغم من ترشيح حزب النهضة والفضيلة لأكثر من 20 سلفياً، بعضهم تصدر قوائم انتخابية في بعض الدوائر، فإن حظوظهم في الوصول إلى قبة البرلمان تبقى محدودة جداً بسبب ضعف القاعدة الانتخابية لهذا الحزب.

وبالتالي فإن العدد المحدود من السلفيين المشاركين في هذه الانتخابات، وتشتت أصواتهم على أحزاب مختلفة وليس لها شعبية، ومن ثم ضعف حظوظهم في الفوز ببعض المقاعد، يجعل الحديث عن مشاركة أو بالأحرى إشراك التيار السلفي في الحياة السياسية المغربية حتى الآن أمراً مُبالغاً فيه، ويتعلق الأمر فقط بمشاركة نخبوية ورمزية لبعض رموز هذا التيار. وهذا معناه أن مجلس النواب القادم سيكون خالياً من أي وجه من وجوه السلفية المعروفة.

لذلك يبدو وكأن الأحزاب التي انفتحت على التيار السلفي تهدف بالدرجة الأولى إلى الاستفادة من أصوات هذا التيار والمتعاطفين معه، وليس تمكينه من تمثيلية فعلية في مجلس النواب القادم. فباستثناء الداعية السلفي "حماد القباج" الذي رفضت السلطات المحلية ملف ترشيحه باسم حزب العدالة التنمية في مدينة مراكش والذي كان فوزه محققاً بالنظر إلى شعبيته والقاعدة الانتخابية للحزب في تلك الدائرة، فإن غيره من السلفيين المرشحين تكاد تكون حظوظهم منعدمة إما لأنهم لم يتم وضعهم على رأس القوائم الانتخابية، أو لأنهم ترشحوا في أحزاب صغيرة.

الخيار الثالث

أنشأ التيار اليساري تحالفاً في عام 2014 باسم (فيدرالية اليسار الديموقراطي) بين ثلاثة أحزاب، وهي: حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحد. وجاءت هذه الصيغة الجديدة للتحالف بعد سنوات من الحوار في إطار ما يُعرف بـ"تحالف اليسار الديمقراطي" الذي أُعلن عنه عام 2007 بغرض تقوية صفوف اليسار في الساحة السياسية.

ويقدم التيار اليساري نفسه في هذه الانتخابات بصفته خياراً ثالثاً، بمعنى أنه يختلف من جهة عن الإسلاميين في حزب العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى عن حزب الأصالة والمعاصرة الليبرالي. وبالرغم من كون هذا التيار يعرض شعارات متميزة عن باقي الأحزاب السياسية، ويحظى بدعم عدد مهم من النخبة المثقفة لاسيما ذات التوجه اليساري، فإنه لم يستطع حتى الآن أن يتحول إلى ظاهرة جماهرية، ولا تزال قوته الانتخابية ضعيفة، ويستبعد أن يٌحدث اختراقاً مهماً في الخارطة الانتخابية المغربية. وتعود أسباب ضعف ذلك التيار إلى عوامل كثيرة، لعل أهمها غياب وحدة صفه، وعدم وجود زعامات كاريزمية، وعجزه حتى الآن عن التغلغل في الأوساط الشعبية التي تشكل الخزان الانتخابي للأحزاب الكبرى، وهذا ما يضيق كثيراً من أفق طموحاته.

تحالفات ما بعد الانتخابات

يبدو من خلال العديد من المؤشرات، لاسيما نتائج الانتخابات المحلية والجهوية في سبتمبر 2015، وبعض استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال الشهور الماضية، أن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة الحالية سيحصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الجديدة، ما سيسمح له برئاسة الحكومة لولاية ثانية. وفيما يتعلق بالتحالفات المُمكنة، فإن أقرب الأحزاب للتحالف مع حزب العدالة والتنمية حالياً هي أحزاب التحالف الحكومي الحالي وتحديداً حزب التقدم والاشتراكية وحزب الحركة الشعبية. وسيسعى العدالة والتنمية إلى ضم حزب الاستقلال إلى التحالف الجديد خاصةً بعد التقارب المهم بين الحزبين بعد الانتخابات الجهوية الأخيرة.

وحتى يضمن حزب العدالة والتنمية استمرار الحكومة خلال السنوات الخمس القادمة، فمن المرجح أيضاً أن يحافظ على تحالفه مع حزب الأحرار الذي انضم إلى الحكومة المنتهية ولايتها بعد انسحاب حزب الاستقلال منها في يوليو 2013.

وتكمن المعادلة الصعبة لحزب العدالة والتنمية في التوفيق بين رغبته في توسيع دائرة التحالف الحكومي حتى لا يرهن مصير الحكومة بيد حزب واحد إذا انسحب منها كما حدث مع حزب الاستقلال في النسخة الأولى من الحكومة المنتهية ولايتها، وبين تعزيز موقعه في الحكومة الجديدة من خلال الحصول على حقائب وزارية كثيرة وذات ثقل، لأن توسيع التحالف ليضم خمسة أحزاب أو أكثر يعني تنازل العدالة والتنمية على حقائب وزارية لصالح حلفائه.

إقرأ أيضاً