أخبار المركز
  • إبراهيم فوزي يكتب: (معاقبة أردوغان: لماذا خسر حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية التركية 2024؟)
  • شريف هريدي يكتب: (مخاطر الانفلات: خيارات إيران للرد على استهداف قنصليتها في دمشق)
  • أ. د. حمدي عبدالرحمن يكتب: (زلزال انتخاب فاي.. اتجاهات التغيير القادم في السنغال)
  • سعيد عكاشة يكتب: (سيناريو التأخير: مستقبل عملية رفح بين تهديدات إسرائيل وضغوط أمريكية)
  • د. فاطمة الزهراء عبدالفتاح يكتب: (التزييف الاصطناعي: استراتيجيات وسائل التواصل الاجتماعي لمكافحة التضليل الانتخابي)

مصالح متشابكة :

أسباب التقارب الراهن بين الصين وكوت ديفوار

23 فبراير، 2023


على الرغم من أن الصين شرعت في إقامة علاقات دبلوماسية مع كوت ديفوار منذ مارس 1983، بيد أن الآونة الأخيرة شهدت تنامياً ملحوظاً في وتيرة التقارب بين البلدين، وذلك في ظل المساعي الصينية لتعزيز حضورها في القارة الإفريقية.

مؤشرات التقارب بين البلدين

ثمة مؤشرات عدة تدعم وجود تقارب متنامٍ بين الصين وكوت ديفوار، ويمكن عرضها على النحو التالي: 

1- تصاعد التعاون الاقتصادي: يشكل البعد الاقتصادي المحدد الأبرز في علاقة الصين وكوت ديفوار، وشهد حجم التبادل التجاري بين البلدين زيادة واضحة، إذ ارتفع حجم واردات ياموسوكرو من بكين من حوالي 100 مليون دولار في عام 2002، إلى 1.57 مليار دولار في عام 2020، وثمة اتفاق بين البلدين لزيادة حجم التبادل التجاري بينهما، وذلك من خلال غرفة التجارة للشركات الصينية في كوت ديفوار.

ويقدر حجم الاستثمارات الصينية في كوت ديفوار بنحو 7.5 مليار دولار، ترتكز غالبيتها في البنية التحتية، ففي سبتمر الماضي، حصلت شركة الصين لهندسة الموانئ على عقد جديد لبناء طريق "أكوابا السريع" بأبيدجان، بقيمة تقدر بنحو 26 مليار فرنك إفريقي (حوالي 42 مليون دولار)، كما حصلت شركات صينية أخرى، على غرار شركتي هندسة البناء الحكومية الصينية وسينوهيدرو، على عقود أخرى لمشروعات خاصة بالبنية التحتية في الداخل الإيفواري. 

2- تعاون عسكري متنامٍ: تزايدت وتيرة التعاون العسكري بين الصين وكوت ديفوار خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس في توقيع الجيش الإيفواري لعقد مع شركة نورينكو الصينية العسكرية للحصول على نحو 50 مركبة قتال مشاة صينية، بغية تعزيز القدرات الدفاعية للجيش الإيفواري في مواجهة التهديدات الإرهابية المتزايدة، كما تعمل الصين خلال الفترة المقبلة على توسيع حضورها في السوق الإيفواري للاستفادة من الطلب المتزايد على المعدات العسكرية، في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية في منطقة غرب إفريقيا، واتساع رقعة انتشار المجموعات الإرهابية في هذه المنطقة. 

3- اتصالات دبلوماسية متزايدة: شهدت السنوات الأخيرة تنامياً ملحوظاً في وتيرة الاتصالات الدبلوماسية بين بكين وياموسوكرو، كان آخرها الاتصال الذي أجراه رئيس كوت ديفوار، الحسن واتارا، مع نظيره الصيني، شي جين بينغ، نهاية ديسمبر 2022، حيث تم بحث سبل توسيع نطاق التعاون بين البلدين. كما عبّر بينغ عن تقديره لالتزام كوت ديفوار بمبدأ الصين الواحدة، مؤكداً استعداد بلاده لتطوير التعاون المتبادل مع الجانب الإيفواري في مختلف المجالات.

وزار الحسن واتارا الصين، في 2018، وشكلت تلك الزيارة محطة مهمة نحو تعزيز التقارب بين البلدين. كذلك عقد وزير الخارجية الصيني السابق، وانغ يي، اجتماعاً مطولاً مع نظيرته الإيفوارية، كانديا كامارا، على هامش المؤتمر الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي، في نوفمبر 2021، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في مختلف المجالات.

مصالح إيفوارية متعددة 

أشارت تقديرات إلى أن ثمة تطلعات إيفوارية متزايدة لتعزيز التقارب مع الصين لتحقيق جملة من المصالح الرئيسية لياموسوكرو، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- استكمال المشروعات الصينية: تسعى كوت ديفوار إلى تعزيز شراكاتها الخارجية لتنشيط اقتصادها الذي عانى كثيراً منذ أزمة "كورونا"، حيث أعلنت الحكومة الإيفوارية، في فبراير 2023، إعادة فتح حدودها البرية والجوية بعد نحو ثلاث سنوات من الإغلاق بسبب الجائحة.

وفي هذا السياق، تستهدف الحكومة الإيفوارية استئناف الشركات الصينية لمشروعاتها التي كانت تنفذها في كوت ديفوار، التي توقفت بسبب "كورونا"، كما تعول ياموسوكرو على تعزيز العلاقات مع بكين لاستقطاب شركات صينية إضافية للاستثمار في الداخل الإيفواري، لاسيما في مجال الاقتصاد الرقمي والطاقة.

2- حاجة كوت ديفوار للتمويل: تستهدف كوت ديفوار الحصول على تمويل صيني لكثير من مشروعاتها، لاسيما تلك المتعلقة بالبنية التحتية الاستراتيجية، إذ تحولت بكين لمصدر رئيسي لتمويل هذه المشروعات الإيفوارية خلال السنوات الماضية، بيد أن وتيرة التمويل الصيني تراجعت مع أزمة "كورونا". لذلك تسعى ياموسوكرو لزيادة التمويل الصيني لمشروعاتها.

وبلغت ديون كوت ديفوار السيادية للصين في عام 2020 نحو 3.1 مليار دولار، أي حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي لياموسوكرو، حيث تم تمويل غالبية مشروعات البنية التحتية التي شيدتها الشركات الصينية من خلال القروض. وأشارت تقارير غربية إلى أن بكين تعتمد على وضع استثناءات لأنماط الإقراض للدول الإفريقية التي تشكل أهمية استراتيجية لها، على غرار كوت ديفوار، من أجل تحفيزها على الاقتراض وتعزيز التقارب معها.

3- دعم صيني لصناعة الكاكاو: يسعى الرئيس الحسن واتارا للحصول على دعم الصين لتطوير قطاع الكاكاو، حيث تعد ياموسوكرو أكبر منتج للكاكاو في العالم بنحو 2.2 مليون طن سنوياً، وتستهدف تنمية هذه الصناعة بدلاً من الاعتماد فقط على تصدير المواد الخام. وتستهدف كوت ديفوار زيادة نسبة معالجة إنتاجها من الكاكاو من حوالي 35 إلى 40% حالياً إلى حوالي 50% خلال الفترة المقبلة.

حرص بكين على تعزيز التعاون 

في المقابل، تتعدد المحفزات التي تدفع الصين لتعزيز تقاربها مع كوت ديفوار، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- منفذ مهم لغرب إفريقيا: تشكل كوت ديفوار بوابة استراتيجية بالنسبة للصين نحو دول غرب إفريقيا، لاسيما بعد تحديث ميناء أبيدجان، حيث تم افتتاح محطة حاويات ثانية للشحن في هذا الميناء، في مارس 2022، بتكلفة بلغت حوالي 596 مليار فرنك (953 مليون دولار). 

وتم تمويل هذا المشروع من قبل بنك "إكزيم بانك" الصيني بنحو 85%، وهو يمهد الطريق لتصبح كوت ديفوار مركزاً إقليمياً للشحن، وستكون المحطة الجديدة قادرة على استقبال حاويات الشحن الكبيرة من آسيا وأوروبا وأمريكا، والتي كانت سابقاً مضطرة إلى إنزال بضائعها في جنوب إفريقيا، ومن ثم يتم نقلها بسفن صغيرة إلى غرب إفريقيا.

2- مواجهة النفوذ التايواني: تهدف الصين من تعزيز تقاربها مع كوت ديفوار إلى مواجهة النفوذ التايواني في ياموسوكرو، حيث أعادت تايبيه، في نوفمبر 2022، فتح مكتبها التمثيلي في كوت ديفوار، بعدما كان مغلقاً منذ عام 2017، حيث تستهدف تايوان توسيع استثماراتها في السوق الإيفوارية، وهو ما تمخض عنه إنزاعاج صيني متزايد، وبالتالي تسعى الأخيرة لمحاولة محاصرة النفوذ التايواني من خلال توسيع انخراط بكين في كوت ديفوار.

3- تعزيز النفوذ الصيني: ثمة مساعٍ صينية لتعزيز النفوذ في غرب إفريقيا، في ظل المصالح المتعددة لبكين في هذه المنطقة، سواء فيما يتعلق بحاجتها لتأمين الوصول إلى الثروات المعدنية والنفطية التي تزخر بها دول المنطقة، لاسيما بعدما رفعت الصين القيود التي كانت تفرضها بسبب جائحة "كورونا"، ومن ثم حاجتها خلال الفترة المقبلة لكميات كبيرة من هذه الثروات، أو للمصالح الجيواستراتيجية لبكين هناك، بسبب الموقع الحيوي لغرب إفريقيا على المحيط الأطلسي، في ظل أهمية الأمن البحري بالنسبة للصين ومساعيها لتأمين مصالحها الاقتصادية والتجارية، ناهيك عن تطلعاتها للحصول على موطئ قدم عسكري في هذه المنطقة الحيوية.

انعكاسات محتملة 

يفرز التقارب الراهن بين الصين وكوت ديفوار جملة من الانعكاسات المحتملة خلال الفترة المقبلة، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- توسيع الحضور الصيني: يرجح أن تشهد الفترة المقبلة حضوراً صينياً متصاعداً في كوت ديفوار، وهو ما ينعكس في الإعلان عن التحضير للمعرض التجاري الصيني الإيفواري "أيام التجارة الصينية"، خلال الفترة من 3 إلى 5 مارس 2023، وذلك احتفالاً بمرور 40 عاماً على بداية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ويستهدف هذا المعرض تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وفتح مجالات جديدة للشراكة والتعاون بين الشركات الصينية والإيفوارية.

كما يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الاستثمارات الصينية في قطاع الكاكاو في كوت ديفوار، وكذلك غانا، في ظل حجم الإنتاج الهائل للدولتين من الكاكاو الخام، وتبدو كوت ديفوار في حاجة ملحة للاستثمارات الصينية في هذا المجال، وهو ما يرجح أن يتم توظيفه من قبل بكين لتعزيز حضورها في الداخل الإيفواري.

2- تمدد صيني في إفريقيا: قد تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التحركات الصينية في القارة الإفريقية، وهو الطرح الذي دعمته الجولة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني، تشين جانغ، في يناير 2023، إلى القارة الإفريقية، حيث تضمنت هذه الجولة خمس دول من مختلف مناطق القارة، شملت مصر وإثيوبيا وبنين وأنغولا والغابون. 

وعلى الرغم من أن الجولة الإفريقية مطلع كل عام باتت تشكل عُرفاً دبلوماسياً لوزراء الخارجية الصينيين خلال السنوات الأخيرة، فإن جولة تشين جانغ الأخيرة تمتعت بأهمية خاصة، لأنها جاءت بعد نحو أسبوع واحد من تولي الأخير وزارة الخارجية الصينية، في مؤشر مهم لمدى تطلع بكين لتعزيز حضورها في القارة الإفريقية.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن تشكل الأبعاد العسكرية والأمنية مدخلاً آخر للتعاون بين الصين ودول منطقة غرب إفريقيا، وفي مقدمتها كوت ديفوار، خلال الفترة المقبلة، في ظل التهديدات الإرهابية المتزايدة في هذه المنطقة، وتمدد النشاط الإرهابي من منطقة الساحل والصحراء تجاه خليج غينيا، وهو ما قد يشكل فرصة أمام توسع الانخراط الصيني.

وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيين، لاسيما فرنسا، لمواجهة التمدد الصيني في غرب إفريقيا، وهو ما قد يزيد من حدة التنافس الدولي هناك، باعتبار أن توسيع النفوذ الصيني يشكل تهديداً للمصالح الغربية والأمريكية هناك.

وفي الختام، ربما تشكل كوت ديفوار بؤرة تنافس رئيسة بين بكين والغرب في غرب إفريقيا، خاصة في ظل الاستراتيجية الجديدة لفرنسا في هذه المنطقة، والتي عكست مساعي باريس توسيع نشاطها العسكري باتجاه منطقة خليج غينيا، بما في ذلك كوت ديفوار، حيث تحتفظ فرنسا بنحو 900 جندي هناك. وعكست زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية، كاترين كولونا، إلى ياموسوكرو، في ديسمبر 2022، تطلع باريس لتعزيز نفوذها المتراجع في غرب إفريقيا، وهو ما قد يزيد من وتيرة التنافس الدولي هناك.