أخبار المركز
  • أجمل التهاني وأطيب التمنيات بحلول شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليُمن والبركات
  • أ. د. أحمد يوسف أحمد يكتب لمركز المستقبل عن (الخلاف المغربي الجزائري.. هل من مخرج للتسوية؟)
  • السفير الدكتور/ عزت سعد يكتب عن (تقييم مسارات الحرب الأوكرانية في عامها الثاني)
  • ورشة عمل لمركز المستقبل بالتعاون مع المجلس المصري للشؤون الخارجية بعنوان "التحولات الاستراتيجية في آسيا وآثارها على منطقة الخليج"
  • متاح على الموقع الإلكتروني لمركز المستقبل ملف بعنوان (اتجاهات 2023: مسارات التعاون والصراع في الشرق الأوسط والعالم)

الولايات المتحدة والصين.. تصادم أم تعاون؟

15 فبراير، 2023


شهد المجتمع الدولي، في السنوات الأخيرة، مواجهة متزايدة من ناحية؛ وتعاوناً جديراً بالاعتبار من ناحية أخرى بين الولايات المتحدة والصين. وقد جاء هذا بعد أن اكتسبت الأخيرة حصة أكبر في سوق الاقتصاد العالمي وطوّرت قدراتها العسكرية. وبالنظر إلى مستقبل العلاقة بين القوتين في المستقبل، نجد أن الخبراء والمحللين قد انقسموا إلى فريقين، حيث يدعم الفريق الأول فكرة أن التعاون هو ما سيقود العلاقة بين البلدين، أما الفريق الثاني فيميل نحو فكرة أن المواجهة بين الطرفين هي ما ستسود العلاقة بينهما، آملاً أن تتغير وجهة النظر هذه مستقبلاً. 

إن الحجم الهائل لهذين البلدين، وخاصة ثقلهما الاقتصادي، يجعل من غير الممكن تجاهلهما. وترتبط شهيتهما المفتوحة للنمو الاقتصادي بطموحاتهما واعتباراتهما السياسية، مما يضعهما غالبية الوقت إما في منافسة أو في صراع مستمر مع بعضهما البعض. وبالتالي، فمن الأرجح أن المواجهة والتعاون بين هذين العملاقين سيكونان متلازمين فيما يخص شكل العلاقة بينهما.

كثيراً ما تجذب لعبة المواجهة بين القوى الكبرى فاعلين دوليين أو إقليميين آخرين. ولذا نلاحظ أن آسيا اليوم تشهد سباقاً للتسلح أكثر من أي وقت مضى، فلم يعد يقتصر سباق التسلح على الصين والولايات المتحدة فحسب، بل يشمل أيضاً حلفاء مباشرين وغير مباشرين، مثل اليابان، والكوريتين الجنوبية والشمالية، وكذلك روسيا. وقد انعكس هذا السباق في عدة أنشطة منها الأنشطة العسكرية في بحر الصين الشرقي، وإطلاق العديد من الأطراف للصواريخ البالستية، وتوسيع الترسانات النووية في المنطقة، ومضاعفة الميزانيات العسكرية، وكذلك رفع القدرات العسكرية، والسعي لامتلاك صواريخ متنقلة مضادة للسفن، والتطوير في خطط نشر مشاة البحرية الأمريكية. كل فعل من هذه الأفعال قوبل بالذعر والقلق من الآخرين في المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، وقعت سلسلة من الأحداث المتتالية أدت إلى تفاقم القلق على مستقبل العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. فقد تمت مناورات بين السفن اليابانية والصينية في مناطق متجاورة. وكذلك انضمت السفن الحربية الروسية إلى السفن والطائرات الصينية في تدريبات بالذخيرة الحية في بحر الصين الشرقي. وأجرت الصين تدريبات عسكرية غير مسبوقة حول الجزيرة وعبر خط الوسط. ومن ناحية أخرى، وافقت الولايات المتحدة على قائمة متزايدة من المبيعات العسكرية لتايوان. وبالتوازي مع كل هذه الأحداث، أكدت كوريا الشمالية خططاً لزيادة كبيرة في القدرة النووية وأنظمة التسليح الخاصة بها. ويتصور البعض أن إعلان كوريا الشمالية هذا من شأنه أن يضعها في مرتبة متقدمة على مرتبتي فرنسا وبريطانيا في المجال النووي، مما سيزيد من الالتزامات الأمنية الجوهرية من قبل الولايات المتحدة تجاه حلفائها في المنطقة. ويشمل هذا الالتزام الأمني وجود حاملة طائرات أمريكية كبرى في الفناء الخلفي لكوريا الشمالية، وهو ما يُنظر إليه على أنه تهديد للصين. أضف إلى ذلك أن الإعلان الكوري الشمالي قد أوجد احتمالات لرفع القدرة العسكرية من قبل كوريا الجنوبية أيضاً. وكنتيجة لكل هذه الأحداث، تزايد القلق بشكل مباشر في المنطقة، وأصبحت هناك توقعات بأن المواجهة الأمريكية الصينية صارت أمراً لا مفر منه. 

لا شك أن تصعيد الأمور على المستويين العسكري والأمني يزيد من احتمالية المواجهة، وكذلك يفعل فرط التهويل بشأن تصورات كل طرف عن حجم التهديد المرتبط بالجانب الآخر، مما يزيد من مخاطر الاشتباك الفعلي. وهذا التصعيد غالباً ما ينعكس بشكل أكبر في اللهجات العدوانية بين المتحاورين في النقاشات السياسية. ومن الأمور الموثقة الآن أن الولايات المتحدة ترى في الصين تهديداً وجودياً استراتيجياً يسبق بكثير حتى التهديد الروسي لها.

التعامل مع أوكرانيا

الصين والولايات المتحدة قوتان رئيسيتان تهتمان اهتماماً كبيراً بالأحداث الدولية، واهتمامهما بالحرب في أوكرانيا هو أحد أمثلة ذلك. فبالنسبة للجانب الصيني، يُلاحظ أن الصين كانت شديدة الحذر في هذا الصدد. فمن ناحية، كان من الواضح أنها غير مرتاحة لسياسية الهيمنة الغربية المتزايدة. ولم تكن في الوقت نفسه مرتاحة لقيام روسيا بعمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي الأوكرانية. ومن هذا المنطلق تحدثت الصين عن الحاجة إلى نظام عالمي جديد. وفي الوقت نفسه، فقد حرصت الصين على عدم الانجرار إلى تقديم الدعم العسكري لروسيا، ومن المفهوم أيضاً أنها حثت بوتين في محادثات خاصة على أهمية إنهاء العمليات العسكرية في أوكرانيا. كما أنها حذرت علانية كلاً من المستشار الألماني شولتز، والرئيس الأمريكي بايدن، من التهديد باستخدام الأسلحة النووية؛ وأكدت بشدة أنه لا ينبغي خوض حرب نووية أبداً. ولقد اتخذت الصين هذا الموقف علناً على الرغم من حديث بايدن بعدائية شديدة فيما يتعلق بقضية تايوان، وقد جاء رد الإدارة الصينية بسرعة معلناً أنها لم تغير موقف "الصين الواحدة". 

وتظل الحقيقة المفروغ منها هي أن الصين قد تابعت بعناية العمليات السياسية والعسكرية والاقتصادية المرتبطة بأزمة أوكرانيا. فالمنهج الذي تسلكه روسيا في هذه الحرب هو إحدى النقاط التي يجب أن تجذب اهتمام الصين، لأنها ستؤثر في وزن روسيا كشريك للصين. وهناك حقيقة أخرى أكثر أهمية ألا وهي قدرة الغرب الكبيرة على دعم أوكرانيا عسكرياً، عن طريق الأسلحة وأجهزة الاستخبارات، وكذلك اقتصادياً. ومع ذلك، لا يمكن إخفاء حقيقة أن توفير قوات برية أو أفراد عسكريين نشطين في مسارح العمليات العسكرية بأوكرانيا لم يكن خياراً أمام الغرب بشكل عام.

كما أن الخطوات التي يتخذها الغرب لفرض عقوبات على روسيا وشل أو على الأقل خنق اقتصادها (بجعل الأصول المالية غير متوفرة) لن تمر مرور الكرام على الصين. وكل هذا سيؤثر في حسابات ردود الأفعال الأمريكية والغربية المحتملة في آسيا. وسيؤكد أهمية قيام الصين بتعزيز نمط اقتصاد مضاد للعقوبات، من خلال تعزيز مكانة اليوان الدولية وزيادة حصة العملة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.

ولذلك، فأنا أؤكد أن هناك إمكانية كبيرة لحدوث مواجهة بين الولايات المتحدة والصين، سواء كان بناءً على نيّة مسبقة أو غير مقصودة، وينطبق هذا بشكل خاص أيضاً على ما يتعلق بالوضع في تايوان وإعادة التوحيد مع الصين الأم.

هل تتعاون القوى العظمى؟

وعلى صعيد آخر، فبالرغم من المنافسة الشديدة والمتزايدة في المجال الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة، إلا أن هناك قدراً كبيراً من التفاعل والاعتماد المتبادل بين البلدين. ويُبشر هذا التفاعل والاعتماد المتبادلين باحتمالية حدوث تعاون بين البلدين أو على الأقل إمكانية احتواء المنافسة الاقتصادية الشرسة –ذات المنفعة المتبادلة- بينهما. فلقد زادت قيمة واردات الولايات المتحدة من الصين بنسبة 500% خلال العقدين الماضيين لتصل إلى 500 مليار دولار في عام 2021. وتعد الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري للصين بقيمة 759.4 مليار دولار، وتحتل المرتبة الثانية بعد الاتحاد الأوروبي الذي يصل تعاونه مع الصين إلى 847.3 مليار دولار. كما تعد الصين أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة فيما يخص السلع، حيث بلغ إجمالي تجارة السلع بينهما 559.2 مليار دولار أمريكي من إجمالي تجارة السلع بعام 2020. وتخلق الصادرات إلى الصين ما يقرب من 900 ألف فرصة عمل بالولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال توظف الشركات الصينية وحدها في الولايات المتحدة حوالي 160 ألف عامل.

لا تزال معطيات وأرقام معاملات التجارة والاستثمار تشير إلى عمق الترابط بين الولايات المتحدة والصين. ولكن في الغالب، سيظل كلاهما يحتل نسباً متباينة في النظام الدولي وهو يمضي قدماً. فكلاهما يمتلك قطاعات تقنية حيوية، ورؤوس أموال ضخمة، وبيانات وفيرة، وأنظمة بيئية مبتكرة عالية التنافسية، وإن كان بنسب مختلفة. فعلى سبيل المثال، ما يقرب من نصف عدد شركات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، والبالغ عددها 4500، تعمل في الولايات المتحدة، والثلث يعمل في الصين. 

  ويرى المدقق في أحوال العلاقات بين الولايات المتحدة والصين أن التوتر بينهما يزداد أحياناً؛ ولكن من ناحية أخرى، لا يمكن أن تذهب عقود من الترابط بينهما سدى. ولكن يظل الواقع الحالي أن كلا البلدين يحاول أن يتخذ خطوات للحد من تأثير وسيطرة الآخر. ولذا نجد أن الصين تعمل على تنظيم المصادر التي تحصل بها شركاتها على رأس المال الأجنبي. وفي الوقت نفسه نجد أن الولايات المتحدة حساسة للغاية وحريصة على تقييد وصول الصين إلى قطاع التكنولوجيا لديها؛ وبخاصة إلى الرقائق الإلكترونية الدقيقة، وبالتالي فلا تشجع شركاتها على الاستثمار في الصين.

وبالرغم من هذه الحساسية الأمريكية تجاه الصين إلا أن شركات الاستثمار الأمريكية الكبرى قد زادت من وجودها في الصين. وتشير التقديرات إلى أن المستثمرين الأمريكيين يمتلكون 1.1 تريليون دولار من الأسهم في الشركات الصينية، وأن هناك 3.3 تريليون دولار مستثمرين في الأسهم والسندات ثنائية الاتجاه بين الولايات المتحدة والصين منذ نهاية عام 2020. ومن أهم مجالات الترابط بين الولايات المتحدة والصين مجال إنتاج المعرفة، خاصة عبر الشركات التي تعمل على إنشاء مراكز بحثية.

ومن المتوقع في المستقبل القريب أن تؤدي الخطابات لاذعة اللهجة، وتبادل التدابير المضادة، إلى إبطاء وتيرة التعاون الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين، خاصة مع وجود البيئة الجيوسياسية المتوترة المحيطة بهما. فعلى سبيل المثال، تأتي خطابات وأفعال الرئيس بايدن دائماً حادة في هذا الصدد. وبالتالي فمن غير المرجح حدوث تحسن في العلاقات الصينية الأمريكية في المدى القريب، وغالباً ما ستظل متوترة. ومع ذلك، فإن كلاهما سوف يعمل على التحكم في دوافعه العدائية تجاه الآخر، مع الاستمرار في منافسة قوية لمواجهة تحديات عصرنا.

من الممكن أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين مواجهة عسكرية في المستقبل، وإن كانت على الأرجح ستكون مواجهة ذات طبيعة احتوائية. ولكن الأكثر ترجيحاً أن يحمل المستقبل القريب علاقة بين البلدين تتميز بالمشاركة التصادمية حتى يستقر نظام عالمي جديد. وستتطلب هذه الأوضاع غير المستقرة بين الولايات المتحدة والصين تقييماً مستمراً ودقيقاً من قبل الفاعلين الدوليين الآخرين، الذين ستخدمهم على أفضل وجه العلاقات المفتوحة والمتنوعة مع هاتين القوتين العظيمتين إذا التزاموا بعدم الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على واحدة من دون الأخرى.