أخبار المركز
  • د. كريم القاضي يكتب عن (هل يعطل صعود الجمهوريين المتشددين سياسات "بايدن"؟)
  • د. أمل عبدالله الهدابي تكتب عن (الإمارات 2023.. "عام الاستدامة" ومواجهة تغير المناخ)
  • أستاذ محمد خلفان الصوافي يكتب عن (قمة أبوظبي التشاورية.. رسائل الازدهار والاستقرار بالمنطقة)

سياسات متغيرة:

حكومة إسرائيل الـ 37.. تناقضات ائتلافية تهدد بعدم الاستقرار

06 يناير، 2023


في 29 ديسمبر 2022، أدت الحكومة الإسرائيلية الـ 37 اليمين الدستورية أمام الكنيست، ليعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الوزراء، بعد انقطاع قصير، دام حوالي عام ونصف، لكنه عاد هذه المرة بحكومة تُصنف على أنها الأكثر تطرفاً في التاريخ.

وجاءت عودة نتنياهو بعد انتخابات منحت حزب الليكود وحلفاءه من اليمين المتطرف أغلبية مريحة (64 مقعداً)، ظن البعض أنها قد تجعل مهمة نتنياهو في تشكيل حكومة متجانسة، سهلة، لكن الممارسة العملية أثبتت عدم دقة هذه الفرضية.

فقد واجه نتنياهو صعوبات عديدة في التوفيق بين حلفائه وتلبية مطالبهم، والتوصل إلى اتفاقات ائتلافية تجعل حكومته ترى النور، لدرجة أنه استنزف المدة القانونية المحددة لتشكيل الحكومة (28 يوماً)، وزاد عليها 10 أيام إضافية. وقد رأى البعض أن نتنياهو تعرّض لابتزاز سياسي واسع النطاق من قِبل حلفائه، لدرجة أن رئيس الوزراء السابق، يائير لابيد، وصف نتنياهو بأنه "أضعف رئيس وزراء على الإطلاق"، وأشار إلى حكومته بأنها "حكومة جنون".

مأزق نتنياهو:

بعدما وعد نتنياهو بتشكيل حكومته في مدى لا يتجاوز أسبوعين، وربما أقل، وجد نفسه يخوض معارك سياسية متشابكة مع أطراف تكتله اليميني كافة، فقد منحهم "انتصارهم الكبير" الثقة للتمسك بمطالبهم والمناصب التي تُخوّل لهم تنفيذ برامجهم الانتخابية وطموحاتهم السياسية.

وعلى الرغم من الخبرة الطويلة التي يمتلكها نتنياهو، تشير المعطيات إلى أنه لم ينجح في موازنة المعادلة مع حلفائه، ومنحهم القدر الأكبر من مطالبهم، وهو ما وضعه في مأزق أمام الرأي العام، وصفوف المعارضة، التي رأت في هذا الأمر تنازلاً واضحاً عن ثوابت السياسة الإسرائيلية. بينما رأت بعض دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بمثل هذه الصلاحيات والتوجهات، ستضع عملية السلام في المنطقة على المحك.

وقد احتاج نتنياهو إلى تمرير حزمة من القوانين عبر الكنيست، وذلك حتى يتمكن من تنفيذ اتفاقاته الائتلافية مع شركائه من أحزاب اليمين. ونجح بالفعل في إقرار ثلاثة قوانين: الأول يسمح لأي شخص مُدان بجريمة ولم يُحكم عليه بالسجن، بالحصول على حقيبة وزارية، وقد تمت صياغة هذا القانون حتى يتمكّن أرييه درعي (زعيم حزب "شاس") من تولي حقيبة وزارية، بالرغم من إدانته في وقت سابق بارتكاب مخالفات ضريبية.

والقانون الثاني سمح بتسليم حقيبة وزارية بعينها لوزيرين، وقد صِيغ خصيصاً لإرضاء زعيم "الصهيونية الدينية"، بتسلئيل سموتريتش، الذي بالرغم من توليه حقيبة المالية، رغب في تولي شؤون الإدارة المدنية في الضفة الغربية، وهي مهمة تابعة لوزارة الدفاع، لذا تم تعيينه أيضاً وزيراً في وزارة الدفاع، بجانب الوزير الأساسي الذي تولى هذه الحقيبة وهو يوآف غالانت.

أمّا القانون الثالث فقد منح وزير الأمن الوطني، إيتمار بن غفير (زعيم حزب "القوة اليهودية")، صلاحيات واسعة وغير مسبوقة للتحكم في قوات الأمن الداخلي، مما جعل بن غفير – وفق تقدير صحيفة "هآرتس"- أقوى وزير شرطة في تاريخ إسرائيل من حيث الصلاحيات.

بجانب هذه القوانين فقد نصّت الاتفاقيات الائتلافية على مجموعة من الخطوط العريضة، التي تُوصف بأنها تنسجم مع البرامج المتطرفة التي رفعتها أحزاب اليمين إبان الانتخابات، وفرضتها على أجندة نتنياهو، وربما يتسبب تنفيذها في تعقيد علاقات إسرائيل الخارجية في الفترة القادمة. ومن أبرز ملامح ما نصّت عليه الاتفاقات الائتلافية ما يلي:

1- تعزيز مكانة القدس كعاصمة يهودية: نصت الاتفاقات على أن الحكومة الجديدة ستُركِّز على تكريس القدس كعاصمة لإسرائيل، عن طريق البناء على نطاق واسع، وتطوير البنية التحتية، وستعمل على الحفاظ على السيادة الكاملة وتعزيز الحكم في القدس.

2- تنظيم وزيادة البناء في المستوطنات: تم تأكيد أن الحكومة الإسرائيلية ستُعزِّز وتُطوِّر الاستيطان في جميع أنحاء إسرائيل، بما في ذلك الجليل والنقب والجولان والضفة الغربية، بجانب تنظيم البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتزويدها بالبنى التحتية، مثل المياه والكهرباء، وتخصيص الموارد المطلوبة لهذا الغرض.

3- إعادة النظر في سياسات الضم: وهي السياسات التي كانت إسرائيل بموجبها تضم المناطق الواقعة في المنطقة (ج) داخل الضفة الغربية إلى سيادتها. وعقب تجميد هذه السياسة خلال السنوات السابقة، أعلنت الاتفاقات الائتلافية أن الحكومة الجديدة ستعمل على صياغة وتعزيز سياسة يتم في إطارها بسط سيادة إسرائيل على تلك المناطق، مع اختيار التوقيت المناسب، وموازنة جميع المصالح الوطنية والدولية لإسرائيل.

ظواهر جديدة:

تكوّنت حكومة نتنياهو الجديدة من 30 وزيراً في 32 وزارة، ومن بين هؤلاء 5 نساء، و6 من الحريديم المتطرفين، و8 من الصهيونية الدينية. أمّا أعضاء مجلس الوزراء السياسي – الأمني (الكابينت) فهم بنيامين نتنياهو (رئيساً)، وإيلي كوهين، ويوآف غالانت، وياريف ليفين، وآفي ديختر، ورون ديرمر، وأرييه درعي، وبتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير.

وقد شهدت حكومة نتنياهو ظاهرة فريدة في تاريخ إسرائيل، وهي وجود وزيرين في وزارة الدفاع، الأول، وهو الوزير الأساسي، يوآف غالانت، بينما سيكون بتسلئيل سموتريتش، وزيراً في الوزارة، مسؤولاً فقط عن شؤون الإدارة المدنية في الضفة الغربية.

كذلك سيكون هناك تناوب في وزارات سيادية؛ فبجانب مسؤوليات سموتريتش في وزارة الدفاع، سيتولى حقيبة المالية في النصف الأول من ولاية الحكومة، في مقابل تولي أرييه درعي (زعيم حزب "شاس") حقيبتي الداخلية والصحة. ثم سيتم تبادل المناصب في النصف الثاني من ولاية الحكومة. وهو الأمر الحاصل كذلك في وزارة الرفاه، حيث سيخدم يعقوب مارجي (من حزب "شاس") في النصف الأول من ولاية الحكومة، وبعد عامين، سيتم تعيين عضو الكنيست يوآف بن تسور (من حزب "شاس") في هذا المنصب.

أما الحقيبة الوزارية التي كانت مثيرة للجدل، ولم يتم حسم أمرها إلا قبل ساعات من حلف اليمين، فهي وزارة الخارجية، حيث طالب بها عضوا الليكود؛ إيلي كوهين ويسرائيل كاتس. وخوفاً من أي تمرد محتمل داخل الحزب، أجرى نتنياهو ترتيباً بموجبه سيكون كوهين وزيراً للخارجية لمدة عام، ثم سيحل كاتس محله لمدة عامين، على أن يعود كوهين بعد ذلك للوزارة لمدة عام أخير، إذا استمرت الحكومة حتى ذلك الحين.

ولكن الأمر الأكثر إثارة للجدل، وفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، هو أن مهام وزير الخارجية لن تكون حقاً في يد كوهين أو كاتس، وإنما سيتم منحها عملياً لصديق نتنياهو المُقرّب، وسفير إسرائيل السابق في واشنطن، رون ديرمر، الذي سيتولى وزارة الشؤون الاستراتيجية، وهي وزارة تم إغلاقها في عهد الحكومة السابقة، وكانت تتعامل – في السابق- مع ملف "مراقبة أنشطة المنظمات التي تدعم مقاطعة إسرائيل"، ولكن يبدو أن ديرمر لم يأتِ للتعامل مع هذه الملفات، ومن المتوقع أن يكون مسؤولاً عن القضايا الاستراتيجية، وتحديداً ملف العلاقات الإسرائيلية -الأمريكية، وعلاقات تل أبيب الإقليمية.

تصاعد المعارضة:

على الرغم من الانتصار الواضح الذي حققه نتنياهو وحلفاؤه في انتخابات الكنيست، فإن الرأي العام لا يبدو في صالحه، خاصةً في ضوء التطورات التي استعرضناها أعلاه حول الاتفاقات الائتلافية، والسياسات المتوقعة.

فقد تعرضت حكومة نتنياهو إلى انتقادات مسؤولين حكوميين في الصحافة، بما يشمل رئيس الوزراء السابق، يائير لابيد، والمدعي العام المنتهية ولايتها، غالي باهراف-ميارا، ووزير شؤون الشتات المنتهية ولايته، ناحمان شاي، بجانب ائتلاف من رجال الأعمال، الذين حذروا من أن القوانين الجديدة ستحول إسرائيل إلى دولة غير ليبرالية.

وفي تحرك غير مسبوق، أصدر 78 قاضياً إسرائيلياً متقاعداً، في 27 ديسمبر 2022، بياناً ذكروا فيه أن هذه التشريعات الجديدة ستؤدي إلى تدهور حقوق المواطنين في إسرائيل وتزيل الضوابط والتوازنات بين سلطات نظام الحكم. كما وجّه 1197 من ضباط القوات الجوية المتقاعدين رسالة إلى رئيسة المحكمة العليا الإسرائيلية، إستر حايوت، ومسؤولين قانونيين آخرين، حذّروا فيها من سياسات الحكومة الجديدة.

كذلك خرجت العديد من التظاهرات الرافضة لحكومة نتنياهو، بما في ذلك مظاهرة حاشدة، تضمنت الآلاف أمام مبنى الكنيست، خلال حلف اليمين في 29 ديسمبر 2022. وفي اليوم ذاته، أجرت قناة "News 13" استطلاعاً للرأي، أظهر أن 55% من المُستطلعين غير راضيين عن تشكيل حكومة نتنياهو، بل يرى 39% أنها حكومة "سيئة للغاية". وقد توقع 31% من المُستطلعين أن الحكومة ستستمر من 4 إلى 5 سنوات، مقارنةً بـ 32% يعتقدون أنها ستستمر من سنتين إلى 3 سنوات، و24% يعتقدون أنها لن تستمر أكثر من عام.

ولعل الجانب الأخطر أظهره تقرير نشره موقع "والا" الإسرائيلي، الذي ذكر أن عدداً من المسؤولين الكبار من عدة منظمات يهودية في الولايات المتحدة، قد اجتمعوا في منتصف ديسمبر 2022، في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، لمناقشة تشكيل حكومة نتنياهو وسياساتها المُحتملة. ونقل الموقع أن الحضور عبّروا عن قلقهم الشديد من أن الإجراءات المتطرفة للحكومة الإسرائيلية الجديدة يمكن أن تلحق ضرراً كبيراً بدعم إسرائيل بين يهود أمريكا.

سياسات متوقعة:

في ضوء البرامج الانتخابية التي رفعتها الأحزاب اليمينية المنضمة إلى الحكومة الجديدة، وبعد نشر الاتفاقات الائتلافية التي وقّعها ووعد بها نتنياهو شركاءه الجدد في الحكم، يمكن تناول أبرز السياسات المتوقعة لهذه الحكومة وتداعياتها، على النحو التالي:


1- توسيع الاستيطان وتسريع ضم الضفة الغربية: تشير معظم التقديرات إلى أن رغبة سموتريتش في انتزاع السيطرة على الشؤون المدنية في الضفة الغربية، لم تكن إلا تمهيداً لتنفيذ برنامجه، الذي يهدف في نهاية الأمر إلى "ضم الضفة الغربية بأكملها"، وتهجير الفلسطينيين، وحرمان منْ يتبقى منهم من حقوقهم السياسية كافة.

ومن المتوقع أن يتم في غضون 60 يوماً، اتخاذ قرارات تنظيمية بشأن البؤر الاستيطانية التي تم إنشاؤها في الضفة قبل فبراير 2011، بما في ذلك ضمان وجود بنية تحتية مناسبة ومياه وكهرباء ومرافق عامة. وخلال ستة أشهر، ستتخذ الحكومة قراراً بشأن الأحياء غير القانونية داخل المستوطنات القائمة.

كذلك من المتوقع أن تتغير الطريقة التي تتم بها الموافقة على تصاريح البناء للمستوطنات، فحالياً تتطلب كل مرحلة من مراحل عملية البناء موافقة مُسبقة من وزير الدفاع، ولكن ينوي سموتريتش أن يُغيِّر هذه الطريقة، وذلك ليحد من تدخل السياسيين في هذه العملية، بمن فيهم وزير الدفاع ورئيس الوزراء، ليحصر الموافقات المطلوبة على طلبين فقط، في بداية ونهاية عملية البناء. كذلك من المتوقع أن يشمل برنامج وزارة النقل ميزانية مُخصصة تبلغ 450 مليون دولار سنوياً لتخطيط وبناء الطرق بين المستوطنات في الضفة الغربية.

وهذه السياسات قد تُشعِل الوضع الأمني في الضفة الغربية، وذلك على صعيدين:

أ- توسيع قاعدة الفلسطينيين المشاركين في العمليات العسكرية ضد الإسرائيليين. ففي السابق، كانت القاعدة الرئيسية لهذه العمليات هي شمال الضفة (جنين ونابلس)، ولكن في حال تطبيق السياسات الإسرائيلية المتوقعة، ستدخل معظم مدن الضفة على خط المواجهة، بشكل مكثف ومتواصل.

ب- خلق مهام إضافية للجيش الإسرائيلي، لم يكن معتاداً عليها في السابق، وستلزمه بنشر قوات احتياط كبيرة في المناطق المُعرضة للاضطراب، لحماية المستوطنات. 

وكانت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قد أطلقت تحذيراً قبل عدة سنوات، عبرت فيه عن خشيتها من اشتعال الأوضاع في الضفة الغربية، خاصةً في ظل تراجع قدرة السلطة الفلسطينية على السيطرة على الأوضاع الأمنية في الضفة، وفق تقديراتها.

2- استمرار تجميد عملية السلام: مع تقديم بن غفير وسموتريتش ووزراء آخرين، أنفسهم، على أنهم معادون بشكل صريح للدولة الفلسطينية، فإن فرص استئناف المفاوضات من أجل حل الدولتين في المستقبل القريب تبدو ضئيلة للغاية. ويذهب البعض إلى أن سياسات الحكومة الجديدة ستُضعِف أكثر السلطة الفلسطينية، مما سيخلق بدوره مشاكل في فرض النظام على الأرض وسيضر بكفاءة وشرعية أجهزتها الأمنية. كذلك يبدو أن حكومة نتنياهو ستعمل، عاجلاً أو آجلاً، على تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، والذي طالما كان "مُفجِّر" الانتفاضات الفلسطينية. وقد قام بن غفير باقتحام المسجد الأقصى، في صباح يوم 3 يناير 2022، أي خلال أسبوعه الأول في الوزارة، بالرغم من التحذيرات التي أطلقها الخبراء الإسرائيليون أنفسهم، عندما أعلن بن غفير نيته الإقدام على هذه الخطوة، والتي أثارت ردود فعل إقليمية ودولية غاضبة.

كل ذلك سيُقلل من احتمالية استئناف عملية السلام، وهو أمر سيلقي بظلاله على العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، في ضوء توتر العلاقة الشخصية بين نتنياهو والرئيس الأمريكي، جو بايدن، وعلى خلفية اعتراض جزء كبير من المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة على التشكيل الحكومي الجديد. كذلك سيؤدي التصعيد في الساحة الفلسطينية إلى تسريع الإجراءات الجارية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية (ICC)  ومحكمة العدل الدولية (ICJ) في لاهاي.

3- تغير قواعد العلاقات المدنية - العسكرية في إسرائيل: كانت علاقة الجيش بالحكومة في إسرائيل تقوم دائماً على الإجماع، والذي بموجبه يكون للجيش مكانه ليس فقط في إدارة ملفاته، ولكن أيضاً في وضع السياسة التي يمكن أن تؤثر على الأمن القومي. ولكن يبدو أن تركيبة الحكومة الجديدة وسياساتها قد تُغيِّر من هذه المعادلة.

ومن المقرر أن تخضع قوات حرس الحدود في الضفة الغربية لإمرة وزير الأمن الوطني، بن غفير، وسيكون سموتريتش وزيراً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الإدارة المدنية للضفة الغربية، أي أنه سيُعيِّن الرؤساء المقبلين للإدارة المدنية ورئيس مكتب منسق العمليات الحكومية في الأراضي الفلسطينية (وهم ضباط برتبة عميد ولواء)، وكذلك سيختار المستشارين القانونيين لهذه الهيئات المنوط بها إدارة الحياة في مستوطنات الضفة. كذلك سيتم تكليف الحاخام الشرقي السفاردي بتعيين الحاخام العسكري الرئيسي.

كل هذه الصلاحيات تسلب منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، جوهر صلاحياته في الضفة الغربية. فوفق التسلسل الهرمي الجديد، لن يخضع الجيش لقرارات مجلس الوزراء ووزير الدفاع، فقط، بل سيتعين على الجيش، بقيادة رئيس الأركان الجديد، هرتسي هاليفي، الامتثال للتعليمات المباشرة لبن غفير وسموتريتش.

وهنا قد تنشأ العديد من التناقضات الأساسية، عندما يضطر رئيس الأركان للتنقل بين سياسات رئيس الوزراء ووزير الدفاع وأوامر سموتريتش، أو تنسيق أنشطة الجيش مع وحدات حرس الحدود في الضفة الغربية، التي تخضع لسيطرة بن غفير.

وبالرغم من تطمينات نتنياهو في هذا الشأن، فإنه، بحسب الصحافة الإسرائيلية، لم يقم أي شخص في الحكومة بإبلاغ الجيش أو سماع موقف مسؤوليه فيما يتعلق بالتوزيع الجديد للاختصاصات. وتخشى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من احتمال أن يُطلَب من الجيش العمل في عدة ميادين في نفس الوقت، بما في ذلك ضد إيران وحزب الله اللبناني وحركة حماس، أو في الضفة الغربية. وقد ذكر رئيس الأركان الحالي (الذي تنتهي ولايته في منتصف يناير 2023)، أفيف كوخافي، أن هذه التعيينات الجديدة "قد تُغيِّر وجه الجيش الإسرائيلي".

وترتيباً على ذلك، من المحتمل أن تشهد الفترات القادمة صدامات متكررة بين وزير الدفاع الجديد، يوآف غالانت، وكل من بن غفير وسموتريتش. وكانت البداية، مع إصدار غالانت، تعليماته إلى أفراد الجيش، في يومه الأول في الوزارة، بضرورة خضوعهم لتعليمات رئيس الأركان. ومن المقرر خلال الأيام المقبلة، عقد جلسات في مجلس الوزراء الكابينت، يحضرها كبار ضباط الجيش، للتعبير عن مواقفهم من تقسيم الصلاحيات الجديد.

4- إخضاع الجمهور العلماني لنمط حياة المتدينين: تم تخصيص جزء رئيسي من الاتفاقات الائتلافية لتوسيع سيطرة قادة الأحزاب الدينية والحريدية على أكبر عدد ممكن من مجالات الحياة، وإخضاع الجمهور العلماني الكبير والمتنوع في إسرائيل للنسخة الأرثوذكسية للهوية اليهودية. فقد تم تكليف أوريت ستروك، وزيرة المهام الوطنية، بوضع برنامج لتعميق الهوية، وذلك على مستويي الأسرة والطلاب في المدارس، بميزانية قياسية بنحو 700 مليون دولار في 3 سنوات. كذلك من المتوقع أن تسعى الحكومة إلى الحفاظ على استقلال مجتمع الحريديم، من خلال سن قانون أساسي حول دراسة التوراة، يقول إن الدراسة الدينية هي "قيمة أساسية في تراث الشعب اليهودي". وسيتم مضاعفة مخصصات طلاب المعاهد الدينية، وستزداد قيمة تمويل التعليم الديني الحريدي، ومن المقرر أن تحصل المؤسسات الأرثوذكسية، المسؤولة عن تقديم الخدمات الدينية المحلية، على نحو 141.3 مليون دولار.

وبجانب سعي حكومة نتنياهو خلال فترة ولايتها إلى إصدار قانون نهائي لإعفاء الرجال الحريديم من الخدمة العسكرية، من المتوقع أيضاً توسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية، ومنح القاضي الحاخامي حصانة ضد المحكمة المدنية.

وعلى المستوى الاجتماعي، ستسعى الحكومة الجديدة إلى تحقيق حلم قديم للأحزاب الدينية والحريدية، وهو تعديل قانون مكافحة التمييز في إسرائيل، بحيث يمكن الفصل بين الجنسين في الفعاليات الثقافية والبرامج الدراسية الخاصة بالحريديم والمتدينين، أو أي جهة ترغب في ذلك. كذلك قد تتجه الحكومة إلى إصدار تشريع يسمح للأطباء ومقدمي الخدمات العامة، برفض تقديم خدماتهم لأسباب دينية، وهو ما سيفتح المجال أمام حرمان الجمهور العلماني من هذه الخدمات في بعض الأحيان.

كل هذه الإجراءات والسياسات المتوقعة، والمعلن عنها مسبقاً في الاتفاقات الائتلافية، سواء في حال تطبيقها، أو استمرار إثارتها في الفضاء العام، ستضع المجتمع الإسرائيلي على المحك، وربما تُدخِل الحكومة في موجة جديدة من عدم الاستقرار.

ختاماً، يحمل التشكيل الحكومي الجديد في إسرائيل الكثير من التناقضات، التي انكشفت إبان المفاوضات الائتلافية، حيث يرغب كل طرف في تحقيق أهدافه الأيديولوجية وتلبية تطلعاته السياسية. كذلك تُهدِّد القوانين الجديدة والسياسات المتوقعة صيرورة عمل النظام السياسي الإسرائيلي، وربما ترفع درجات التوتر الاجتماعي. وفي ضوء هذه التناقضات، يصعب الجزم بمستقبل حكومة نتنياهو، فإما أن يكون عمرها قصيراً، أو أنها ستستمر لتُغيِّر وجه إسرائيل السياسي.