أخبار المركز
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • هدير طلعت سعيد تكتب: (مشروع ممر TUTIT: محفزات ومعوقات تنفيذ ممر جديد لربط آسيا وأوروبا)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)
  • عادل علي يكتب: (تأمين الجوار: دوافع وقيود تبادل السفراء بين الصين وحكومة طالبان الأفغانية)

تحالفات هشة:

تراجع فرص نجاح مبادرة الرئاسي الليبي في تجاوز الانقسام السياسي

14 ديسمبر، 2022


عادت الخلافات مرة أخرى بين رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة، خالد المشري، على خلفية إقرار البرلمان لقانون المحكمة الدستورية، وهو ما دفع الأخير، في 7 ديسمبر 2022، إلى وقف التواصل مع النواب لحين إلغاء القانون، فضلاً عن طرح رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، مبادرة جديدة، لمحاولة تسوية الأزمة الليبية المتفاقمة.

مبادرة لتجاوز الخلافات:

طرح رئيس المجلس الرئاسي، في 8 ديسمبر 2022، مبادرة جديدة تستهدف تهيئة المجال لحوار دستوري ينهي المرحلة الانتقالية، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

1- لقاء تشاوري بين المجالس الثلاثة: تستند مبادرة المنفي إلى فكرة عقد لقاء تشاوري يتضمن المجالس الثلاثة، النواب والدولة والرئاسي، تحت رعاية المبعوث الأممي، عبد الله باتيلي، وهو ما يتسق مع الدعوة التي كان الأخير قد أطلقها، في 3 ديسمبر 2022، والتي طالب خلالها بضرورة إطلاق حوار مشترك للمجالس الثلاثة.

وأشار البيان الصادر عن الرئاسي إلى أنه ستتم مناقشة المبادرات والأفكار كافة التي طرحتها الأحزاب والقوى السياسية مؤخراً على المجلس الرئاسي، في إطار المبادرة الجديدة، في محاولة لضمان مشاركة الأطراف الفاعلة كافة في المشهد السياسي في التوافق على بنود هذه المبادرة، بما يوسع من نطاق الدعم الداخلي لها.

2- عودة الخلافات بين مجلسي النواب والدولة: جاء الإعلان عن المبادرة بعد يوم واحد من عودة الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، على خلفية إقرار الأول قانون إنشاء محكمة دستورية، يكون مقرها بمدينة بنغازي، ويوكل إليها اختصاصات الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وهي الخطوة التي رفضها المشري، حيث أعلن تعليق التواصل مع رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وتعليق أعمال اللجان المشتركة بين المجلسين، والتمسك بإلغاء هذا القانون كشرط مسبق لعودة الاتصالات مع البرلمان.

وكانت الأسابيع الأخيرة شهدت تفاهمات غير مسبوقة بين رئيسي مجلسي النواب والدولة، بعد اللقاءات المتعددة التي جمعت بينهما في المغرب ومصر وتركيا، حيث تم الاتفاق بشكل مبدئي بين الجانبين على تشكيل حكومة جديدة، وكذا تسمية شاغلي المناصب السيادية، وإيجاد توافقات بشأن المواد الخلافية في القاعدة الدستورية، بل أن هناك تقديرات ألمحت إلى استعداد الطرفين لعقد لقاء آخر في إحدى المدن الليبية، برعاية أممية، للإعلان عن مخرجات التوافقات بينهما بشكل رسمي.

3- تحركات موازية للرئاسي: كان المجلس الرئاسي يمضي قدماً في ملف المصالحة الوطنية، من خلال اللقاءات والاجتماعات المكثفة التي يعقدها المجلس مع الأطراف كافة في الداخل الليبي، في محاولة للتحضير لمؤتمر المصالحة الوطنية الشاملة، وذلك بالتوازي مع التفاهمات التي كانت قد شهدتها علاقة مجلسي النواب والدولة خلال الفترة الماضية.

4- صمت داخلي على مضمون المبادرة: لم يبد أي طرف داخلي، حتى الآن، أي موقف واضح إزاء المبادرة الجديدة التي طرحها الرئاسي، وعلى الرغم من أن التزام هذه الأطراف الصمت ربما يفسر على أنه عدم اعتراض صريح من قبل هذه الأطراف المعنية، فإن بعض التقديرات الأخرى اعتبرته بمنزلة رفض ضمني للمبادرة، وهو ما يضفي على المشهد حالة من الغموض.

تعزيز دور "الرئاسي":

تعكس المبادرة المطروحة من قبل المجلس الرئاسي الليبي جملة من الدلالات المهمة المتعلقة بالمتغيرات المتلاحقة التي تطرأ على هذه الأزمة، ويمكن عرضها على النحو التالي:

1- تمسك الرئاسي بالاستمرار في المشهد: يستهدف الرئاسي من هذه المبادرة استثمار الخلافات الأخيرة بين مجلسي النواب والدولة لتعزيز دوره في الداخل الليبي والحيلولة دون تنحيته من المشهد، خاصةً أن اللقاء الذي كان يفترض تنظيمه بين صالح والمشري في مدينة الزنتان كان يتوقع أن يفرز اتفاقاً جديداً بإعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وهو ما يهدد استمرارية المجلس الرئاسي الحالي، لذا ربما يسعى المنفي من هذه المبادرة المطروحة التمسك بحظوظه في البقاء في المشهد.

2- زيادة الضغوط على الدبيبة: عززت هذه المبادرة المطروحة من قبل الرئاسي الليبي من الإرهاصات التي كانت تشير إلى وجود توترات مكتومة بين المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايته، عبد الحميد الدبيبة، والتي ظهرت بعض ملامحها في الأزمة الدبلوماسية الأخيرة الخاصة بزيارة وزير الخارجية اليوناني إلى طرابلس، والتي تم إلغاؤها.

وفي هذا السياق، تعكس المبادرة تصاعد الضغوط على الدبيبة، في ظل اتساع نطاق الأطراف الداعمة لفكرة تغيير حكومته وتشكيل حكومة موحدة جديدة، تتولى مسؤولية المرحلة الانتقالية والتحضير للانتخابات المقبلة، واحتمالية انخراط المجلس الرئاسي في تحركات مجلسي النواب والدولة لتشكيل حكومة جديدة.

3- دعم أممي لتغيير السلطة التنفيذية: عكست المتغيرات الأخيرة التي شهدتها ليبيا وجود دعم أممي للتوافقات بين رئيسي مجلسي النواب والدولة خلال الفترة الماضية، بما في ذلك الاتفاق على ضرورة تشكيل حكومة موحدة جديدة، وهو ما انعكس في تحركات البعثة الأممية لرعاية الاجتماع الداخلي الذي كان سيجمع صالح والمشري للإعلان عن هذه التوافقات.

ولكن في المقابل، يبدو أن هناك تحفظات لدى البعثة الأممية على فكرة تشكيل مجلس رئاسي جديد، حيث ألمحت تقديرات إلى أن المبعوث الأممي لدى ليبيا يفضل استمرار المجلس الرئاسي الحالي، برئاسة المنفي، والدفع بدلاً من ذلك نحو التركيز على تشكيل حكومة مصغرة بديلة للحكومتين المتنافستين.

4- الضغط على مجلسي النواب والدولة: تلقى مبادرة الرئاسي دعماً أممياً، وذلك للضغط على مجلسي النواب والدولة لتسوية الخلافات الأخيرة التي انبثقت عن ملف قانون المحكمة الدستورية الجديدة. وعلى المنوال ذاته، أشارت تقديرات إلى أن المبادرة الجديدة التي طرحها الرئاسي مؤخراً، والتي يرجح أن تكون مدعومة من قبل البعثة الأممية، ربما تستهدف محاولة سحب ملف القاعدة الدستورية من مجلسي النواب والدولة، وذلك بعدما تعثرت مساعي الطرفين كافة في التوصل إلى توافقات بشأن المواد الخلافية وإنجاز هذا الملف، وبالتالي ربما يسعى المجلس الرئاسي إلى إعادة إحياء مبادرته السابقة المتعلقة بتقديم قاعدة دستورية، وإقناع مجلسي النواب والدولة بها.

فرص نجاح محدودة:

في إطار مبادرة المنفي، وطبيعة السياقات الداخلية والخارجية المتعلقة بهذه المبادرة، يبدو أن هناك جملة من الانعكاسات التي ربما تتمخض عن المتغيرات الراهنة، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

1- إخفاق محتمل لمبادرة الرئاسي: تعددت، في السابق، المبادرات التي أعلن عنها الرئاسي الليبي، سواء فيما يتعلق بملف المصالحة الوطنية، أو المبادرة السابقة التي كان قد طرحها الرئاسي لتقديم قاعدة دستورية جديدة، والتي باءت جميعها بالفشل، وهو ما يثير شكوكاً حول نجاح المبادرة الجديدة، لاسيما في ظل حالة الصمت التي تلتزمها الأطراف الليبية، حتى الآن، إزاء هذا المبادرة.

وألمحت تقديرات أخرى إلى أن الدعم الأممي لمبادرة المجلس الرئاسي، والذي ربما يعني ضمنياً وجود دعم من قبل بعض الأطراف الخارجية لها، يمكن أن يشكل محدداً مهماً في ترجيح احتمالية نجاح هذه المبادرة.

2- دخول القضاء على خط الأزمة: عكست التوترات الأخيرة بين مجلسي النواب والدولة على أثر إقرار قانون إنشاء أول محكمة دستورية في ليبيا احتمالات انزلاق السلطة القضائية نحو الصراعات السياسية الراهنة، خاصةً مع دعوة رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، للقضاة بمقاطعة المحكمة، وهو ما يثير تخوفات عديدة من إمكانية تحول السلطة القضائية إلى طرف في الصراع. 

وربما يعزز هذا التخوف الطعن الذي تقدم به عدد من المحاميين، في 5 ديسمبر الجاري، أمام القضاء الإداري بمحكمة استئناف طرابلس، ضد مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة الدبيبة مع تركيا، في أكتوبر 2022.

3- استمرار التحالفات الهشة: عكست الخلافات الراهنة بين مجلسي النواب والدولة مدى الهشاشة التي تتسم بها التحالفات الداخلية في المشهد الليبي، وارتباطها بمصالح ظرفية، مما يجعل هذه التحالفات متغيرة بشكل مستمر. وفي هذا السياق، لم تستبعد بعض التقديرات أن تشهد الفترة المقبلة تطورات جديدة تتعلق بخريطة التحالفات الداخلية، لا سيما في ظل الظهور المتكرر لقائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، خلال الآونة الأخيرة، وتلويحه إلى التمسك برفض أي قاعدة دستورية تستبعد ترشح العسكريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفي الختام، يتضح من التطورات السابقة أن التقديرات التي سادت خلال الفترة الماضية، ورجحت تراجعاً نسبياً في الدور الإقليمي في إدارة الملف الليبي، تبدو غير صحيحة، إذ إن هذا العامل عاد مرة أخرى ليشكل المحدد الأبرز في مسارات المشهد الليبي، خاصةً مع انشغال القوى الدولية الفاعلة بأزماتها الداخلية، فضلاً عن غياب رؤية مشتركة بين هذه الدول لتضارب مصالحها في كثير من الأحيان. وبالتالي يبدو أن التعويل حالياً بات مرتكزاً على البعد الإقليمي مرة أخرى، وهو ما انعكس في اللقاءات المتعددة التي أجراها باتيلي خلال الفترة الأخيرة مع عدة دول إقليمية، ناهيك عن الاجتماعات التي رعتها القوى الإقليمية بين الأطراف الداخلية للأزمة الليبية، لذا يمكن أن تشكل التحركات الإقليمية الراهنة محدداً حاسماً في تحديد مسارات الأزمة الليبية، بما في ذلك فرص نجاح مبادرة المجلس الرئاسي الأخيرة.