أخبار المركز
  • د. كريم القاضي يكتب عن (هل يعطل صعود الجمهوريين المتشددين سياسات "بايدن"؟)
  • د. أمل عبدالله الهدابي تكتب عن (الإمارات 2023.. "عام الاستدامة" ومواجهة تغير المناخ)
  • أستاذ محمد خلفان الصوافي يكتب عن (قمة أبوظبي التشاورية.. رسائل الازدهار والاستقرار بالمنطقة)

عودة الاستقطاب:

تأثير مذكرة الطاقة بين تركيا وحكومة الدبيبة في أزمة ليبيا

13 أكتوبر، 2022


وقعت تركيا، في 3 أكتوبر 2022، ثلاث مذكرات تفاهم مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايتها، برئاسة عبدالحميد الدبيبة، في مجالات الطاقة والأمن والإعلام، وذلك خلال الزيارة التي قام بها وفد تركي رفيع المستوى إلى طرابلس، والذي تضمن وزراء الخارجية، مولود جاويش أوغلو، والدفاع، خلوصي آكار، والتجارة، محمد موش، والطاقة، فاتح دونماز، فضلاً عن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن. بيد أن أهم هذه المذكرات هي تلك المتعلقة بالسماح لأنقرة بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الليبية، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني السابقة.

تمدد تركي:

أعلن وزير الخارجية التركي، جاويش أوغلو، عن التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية المنتهية ولايتها، مُشيراً إلى أن الصفقة الخاصة بالتنقيب التركي عن الطاقة في ليبيا تمثل إحدى الاتفاقات العديدة التي تم التوصل إليها مع حكومة الدبيبة بشأن التعاون في عدد من القضايا الاقتصادية. وعلى الرغم من أن الطرفين لم يفصحا بوضوح عن مضمون المذكرة، وما إذا كانت تتضمن مشاريع ملموسة للتنقيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا، فإن الاعتراضات الداخلية والخارجية الحادة على هذه المذكرة تعزز صحة هذه الفرضية، كما ألمحت بعض التقارير إلى أن الشركات التركية ستبدأ العمل مع نظيرتها الليبية في المناطق الغنية بالنفط والغاز. 

ويبدو أن أنقرة تستهدف تعزيز حضورها في غرب ليبيا خلال الفترة المقبلة، في ظل اتجاهها لزيادة انخراطها في عملية التنقيب على الغاز والنفط قبالة السواحل الليبية. وفي هذا السياق، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، في 6 أكتوبر الجاري، إلى اتجاه تركيا لإرسال دفعة جديدة من المرتزقة السوريين إلى غرب ليبيا، فضلاً عن استئناف جسرها الجوي لهذه المنطقة، لترسيخ نفوذها وحضورها وحماية مصالحها هناك، على حد ذكره.

مواقف رافضة:

أثارت مذكرة التفاهم التي أبرمتها تركيا مؤخراً مع حكومة الدبيبة بشأن التنقيب عن الغاز والنفط، ردود فعل كبيرة من قِبل العديد من الدول الأخرى، وكذلك الأطراف الداخلية الليبية. فقد أعلنت مصر واليونان عن رفضهما لهذه المذكرة، ومعارضتهما أي نشاط في المناطق المتنازع عليها في شرق المتوسط، وأكدت الخارجية المصرية أن حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا لا تملك حق إبرام أي اتفاقيات دولية أو مذكرات تفاهم. فيما أعلنت وزارة الخارجية اليونانية أن لأثينا حقوقاً سيادية في المناطق التي تنتوي أنقرة التنقيب فيها، وأنها ستدافع عنها بالوسائل القانونية كافة، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ووصل وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ديندياس، إلى القاهرة، في 9 أكتوبر الجاري، من أجل إجراء مباحثات مع نظيره المصري، سامح شكري، بشأن التحركات التركية الأخيرة في ليبيا، حيث أشار الوزير اليوناني إلى أن المذكرة الموقعة بين تركيا وحكومة الدبيبة غير قانونية وتمثل انتهاكاً للسيادة اليونانية.

كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن رفضه لمذكرة التفاهم، والتي جاءت مستندة إلى الاتفاق الذي وقعته تركيا مع حكومة الوفاق السابقة قبل نحو ثلاث سنوات، معتبراً أنها تشكل انتهاكاً لقانون الأمم المتحدة للبحار، والحقوق السيادية لعدة دول، كما دعا الاتحاد إلى ضرورة تجنب أي أعمال تهدد الاستقرار الاقليمي، لافتاً إلى أن ثمة حاجة إلى نشر تفاصيل أكثر بشأن مضمون هذه المذكرة.

وداخلياً في ليبيا، أعلن البرلمان عن رفضه مذكرة التفاهم بين حكومة الدبيبة وأنقرة، وأرسل رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، رسائل إلى كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، أكد خلالها أن هذه الصفقة غير ملزمة للدولة الليبية، وطالب بعدم الاعتداد بها، كونها صادرة عن حكومة منتهية ولايتها، محذراً من أن هذه المذكرة تشكل تهديداً للاستقرار في منطقة شرق المتوسط. كما أصدر العديد من أعضاء مجلس النواب بيانات أدانت المذكرة، مؤكدين خلالها عدم شرعيتها. وفي الإطار نفسه، عبّر رئيس حكومة الاستقرار الوطني المكلفة من قِبل البرلمان، فتحي باشاغا، عن عدم الاعتراف بهذه المذكرة، واصفاً إياها بأنها تمثل تهديداً للسلم والاستقرار في ليبيا. وعلى المنوال ذاته، اعتبر المجلس الرئاسي الليبي، برئاسة محمد المنفي، أن أي اتفاقيات دولية يجب أن تُبرم من خلال المجلس، فضلاً عن اعتراض نحو ثُلثي أعضاء المجلس الأعلى للدولة على هذه الصفقة أيضاً.

دوافع أنقرة:

ثمة دوافع عديدة يمكن أن تفسر توقيع تركيا مذكرة التفاهم مع حكومة الدبيبة، خاصةً في مجال الطاقة، تتمثل فيما يلي: 


1- استغلال الانقسامات بين حكومتي الدبيبة وباشاغا: رجحت العديد من التقديرات أن تركيا عمدت إلى استغلال الضغوطات الحادة التي تعاني منها حكومة الدبيبة ومساعيها لضمان استمراريتها في السلطة، من أجل الحصول على تنازلات عديدة تعزز نفوذ أنقرة في ليبيا. ولعل هذا ما انعكس بوضوح في اعتراض وزير النفط بحكومة الدبيبة، محمد عون، على بعض بنود هذه المذكرة، معتبراً أن الحكومة عمدت إلى استغلال زيارته لجنوب أفريقيا من أجل تمرير هذه الصفقة، حيث عمد الدبيبة إلى تكليف وزير الاقتصاد، محمد الحويج، بتولي وزارة النفط بالإنابة بغية توقيع على المذكرة مع الوفد التركي.

2- تأمين احتياجات أنقرة من الطاقة: تسعى تركيا لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز خلال الفترة المقبلة، لاسيما في ظل أزمة الطاقة العالمية والأسعار المرتفعة بشكل مطرد، وبالتالي يمكن أن توفر هذه المذكرة الإمدادات التي تحتاجها أنقرة من الطاقة.

3- توظيف أزمة الطاقة في علاقة تركيا مع أوروبا: في ظل أزمة الطاقة العالمية التي تمخضت عن الحرب الروسية - الأوكرانية، يبدو أن أنقرة تسعى لاستغلال هذه الأزمة في تكريس دورها كمورد رئيس للطاقة إلى أوروبا، لاسيما في ظل الوضعية المتفاقمة التي تعانيها الدول الأوروبية، حيث تستهدف تركيا استغلال موارد ليبيا من الطاقة واستخدامها كورقة ضغط في علاقتها بالغرب.

4- قلق أنقرة من تنامي الحضور البريطاني في غرب ليبيا: تتجه بريطانيا في الوقت الراهن لتعزيز حضورها في القارة الأفريقية بشكل عام وليبيا بشكل خاص، والتي انعكست بوضوح في زيارة سفينة الإنزال العسكرية البريطانية "آليبون" لقاعدة "أبوستة" البحرية في طرابلس، لأول مرة منذ نحو 8 سنوات، والحديث عن مساعي لندن لتعزيز التعاون الأمني مع طرابلس. وقد أثارت هذه التحركات البريطانية قلق أنقرة بشأن تهديد نفوذها في غرب ليبيا، وهو ما قد يفسر إعلان تركيا عن تدريبات بحرية مع نظيرتها الليبية قبالة السواحل الليبية، قبل أن يقوم وفد وزاري تركي رفيع المستوى بزيارة لطرابلس.

5- ترسيخ النفوذ التركي الممتد في ليبيا: في ظل الحديث عن ترتيبات جديدة يجري التحضير لها تتعلق بمسارات المشهد الليبي خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع الجهود التي سيبدأ بها المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا، عبدالله باتيلي، يبدو أن ثمة مساعٍ تركية راهنة لتعزيز نفوذها على المدى الطويل في ليبيا. وبالتالي فإن مذكرة الطاقة التي وقعتها أنقرة مع حكومة الدبيبة تعني أن الأولى تسعى لضمان استمرارية وجودها في ليبيا مستقبلاً، بغض النظر عن السلطة المقبلة أو أي ترتيبات يتم التوصل إليها.

دلالات كاشفة:

عكست مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الدبيبة، العديد من الدلالات، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:


1- الانحياز التركي لحكومة الدبيبة: يمثل توقيع أنقرة مذكرة التفاهم الخاصة بالتنقيب عن الطاقة في المياه الإقليمية الليبية، تغيراً كبيراً في سياسة أنقرة تجاه الملف الليبي. فبعدما تبنت تركيا خلال الآونة الأخيرة الحياد تقريباً في علاقتها مع الأطراف الليبية، وعمدت إلى الحفاظ على علاقتها بمختلف هذه الأطراف، وظلت تحافظ على اتصالاتها بالحكومتين المتنافستين، بل سعت مؤخراً إلى لعب دور الوساطة بين باشاغا والدبيبة؛ جاءت التحركات التركية الأخيرة لتضع حداً لهذا التوازن، إن جاز التعبير، ولتكشف عن الخيار التركي المفضل في ليبيا، وهو الانحياز لحكومة الدبيبة.

2- تأكيد رهانات أنقرة على الغرب الليبي: شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكثفة لتركيا للانفتاح على شرق ليبيا، وانعكست بوضوح في دعوتها لرئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، لزيارة تركيا، في سبتمبر الماضي. وقد تؤدي زيارة الوفد التركي الأخيرة إلى طرابلس والتوقيع على عدد من مذكرات التفاهم مع حكومة الدبيبة، إلى عرقلة جهود الانفتاح التركي على شرق ليبيا، وبالتالي استمرار أنقرة في وضع ثقلها ودعمها لحكومة الدبيبة.

3- انعكاس للتوترات التركية - اليونانية في بحر إيجة: كانت اليونان قد نشرت مؤخراً عشرات المدرعات الأمريكية الصُنع في بحر إيجة، وذلك في جزيرتي "ساموس" و"ليسبوس"، الأمر الذي مثّل إزعاجاً بالنسبة لتركيا، حيث اعتبرته تهديداً لمصالحها في شرق المتوسط. ومن ثم فإن التحركات التركية الراهنة في ليبيا قد ترتبط بالأساس بسياقات التوتر مع أثينا، أكثر من ارتباطها بمتغيرات المشهد الداخلي الليبي.

تأثيرات محتملة:

يمكن رصد عدد من الانعكاسات المحتملة لمذكرة التفاهم الأخيرة بين تركيا وحكومة الدبيبة في ليبيا، كما يلي: 


1- تكريس التنافس والاستقطاب الإقليمي: في ظل الرفض الواسع لمذكرة التفاهم هذه، يُرجح أن تواجه أنقرة تحديات كبيرة في منطقة شرق المتوسط، لاسيما مع الانتقادات الأوروبية والأمريكية الأخيرة. ويبدو أن ليبيا ستشكل بؤرة للتنافس الإقليمي الحاد خلال الفترة المقبلة، وتكريس لحالة من الاستقطاب بين دول المنطقة، عبر تشكيل تكتل إقليمي داعم لحكومة باشاغا، مقابل تكتل آخر تقوده تركيا لدعم حكومة الدبيبة.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن التحركات التركية الأخيرة في طرابلس قد تنعكس سلباً على مستقبل التقارب التركي- المصري، والذي كان قد شهد بعض التقدم خلال الفترة الماضية، يرى البعض أن أنقرة لا تزال متمسكة بالتقارب مع القاهرة، وربما يدعم هذا الطرح تصريحات المسؤولين الأتراك، الذين عمدوا إلى توجيه الانتقادات بالأساس إلى اليونان والاتحاد الأوروبي، رداً على رفضهما لمذكرة التفاهم مع حكومة الدبيبة، بينما تجنبت أنقرة توجيه انتقادات للموقف المصري.

من ناحية أخرى، ثمة تحذيرات من الانعكاسات المحتملة لتصاعد التوترات الراهنة بين تركيا واليونان، العضوان في حلف الناتو، وهو ما قد يزيد من حدة الاستقطاب بين دول الحلف، في ظل توقع تصاعد وتيرة الخلافات بين القوى الأوروبية والولايات المتحدة من ناحية، وتركيا من ناحية أخرى، لاسيما بعدما كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد أعلن مؤخراً نشر طائرات بدون طيار في قبرص التركية، مؤكداً أن أنقرة ستعمل على زيادة وجودها العسكري في قبرص، وذلك بعدما رفعت واشنطن الحظر على إمدادات الأسلحة إلى قبرص اليونانية، وذلك في مؤشر ضمني على دعم واشنطن لموقف أثينا في مواجهة أنقرة، في ظل التوترات المتصاعدة بين الجانبين في بحر إيجة.

2- تعميق الانقسامات الداخلية في ليبيا: ربما تؤدي مذكرة التفاهم التركية - الليبية إلى تعميق الانقسامات والتوترات بين الأطراف الليبية، خاصةً مع إعلان غالبية هذه الأطراف رفضهم لهذا الاتفاق، وهو ما ينذر بتأجيج مزيد من الصراعات الداخلية، وعرقلة محاولات التسوية السياسية للأزمة الحالية.

3- تعزيز التنسيق بين دول منظمة "غاز شرق المتوسط": تعكس التحركات اليونانية الراهنة والرفض الخارجي الموسع لمذكرة التفاهم التي وقعتها أنقرة مع حكومة الدبيبة، مؤشرات على احتمالية أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التنسيق بين دول منظمة "غاز شرق المتوسط"، للحيلولة دون فرض تركيا لسياسة الأمر الواقع، حيث يُتوقع أن تسعى دول المنظمة إلى صياغة موقف جماعي تجاه التحركات التركية.

مجمل القول إن المشهد الليبي قد يتجه نحو مزيد من التعقيد، لاسيما في ظل انعكاسات المتغيرات الراهنة في الداخل الليبي على السياقات الإقليمية، من خلال تحول ليبيا إلى بؤرة لمزيد من التنافس الإقليمي، وخلق حالة من الاصطفاف بالنسبة للقوى الخارجية، وهو ما قد يزيد من تفاقم التوترات الداخلية واستمرار حالة الركود بالنسبة للمسار السياسي.