أخبار المركز
  • مركز "المستقبل" يُطلق نسخة جديدة لموقعه الإلكتروني
  • كتاب جديد صادر عن مركز المستقبل بعنوان (جيوبوليتيك الغاز: مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في القرن الحادي والعشرين)
  • مركز المستقبل يصدر العدد 34 من دورية "اتجاهات الأحداث"
  • أصدر مركز "المستقبل" كتاباً جديداً بعنوان (الحرب الروسية – الأوكرانية.. عودة الصراعات الكبرى بين القوى الدولية)

المعايير والاختلالات:

مسارات "القوة" من منظور جيوسياسي في القرن الـ 21

22 سبتمبر، 2022

image

عرض: دينا محمود

يعيد "فريدريك إنسل" في كتابه المعنون "مسارات القوة" التفكير في الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين، إذ يتناول المسارات التي تؤدي إليها القوة، والمعايير التي تميزها والشروط المطلوبة لتحقيقها والقدرات التي تمنحها والتخوف الضروري من نسبيتها واختلالاتها، مشيراً إلى القوى الدولية القائمة وتلك المتوقع صعودها وفقًا لمعايير القوة، والتي من شأنها أن تقلب ميزان القوى سواء كان عسكريًا أو اقتصاديًا أو ديموجرافيًا، كما يتناول الفاعلين من غير الدول في محاولة لفهم نوع القوة الأكبر والأكثر فعالية بين سلطة الدول وسلطة الجهات الفاعلة الأخرى.

أدوات القوة:

تعبِّر القوة بالأساس عن فكرة السيادة، بمعنى القدرة على التصرف بطريقة سيادية، سواء من خلال الإكراه أو الدبلوماسية، دون إحباطها من قبل قوة أخرى، بعبارة أخرى، فالقوة هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، في هذا السياق يمكن تناول أبرز أدوات ووسائل القوة على النحو التالي:

1) الديموغرافيا والجغرافيا: حيث يعد البعد الديموغرافي للدولة أحد أدوات قوتها، إلا أنه لا يمكن الحكم ببساطة على قوة الدولة بناء على عدد سكانها فقط، بل على العكس ربما لا تمثل الكتلة الديموغرافية الكبيرة ومعدل المواليد المتزايد محفزان للقوة بل قد يكبحانها، فالعبرة هي مدى كفاءة هذه الكتلة الديموغرافية بالأساس، لكن من ناحية أخرى، يجب الأخذ في الاعتبار أن قلة الكتلة الديموغرافية قد يتمخض عنها قلة في عدد المزارعين والعاملين وكذا الجنود.  

ولا يقتصر البعد الديموغرافي في قوة الدولة على الكتلة السكانية الداخلية، بل يجب الأخذ في الاعتبار الشتات الموجود خارج حدود الدولة، والذي يلعبون أحيانًا دورًا أساسيًا، إما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي عن طريق تحويل الأموال إلى البلاد، أو على المستوى السياسي من خلال دعم أو معارضة السلطة في بلدهم الأصلي، على غرار الدور الذي يلعبه الشتات التركي في أوروبا، أما بالنسبة للعامل الجغرافي، فإنه يمثل أداة مهمة في قوة الدولة، فقد لعبت فكرة العزلة الجغرافية على سبيل المثال بالنسبة للمملكة المتحدة دوراً حاسماً في تعزيز قوتها، حيث هربت من الغزوات الإسبانية والفرنسية والألمانية المتعاقبة. 

2) القوة العسكرية: بالنسبة للمستشار الألماني بسمارك، فإن: "الدبلوماسية بدون أسلحة هي موسيقى بدون آلات"، ومن ثم فبدون توافر قوة عسكرية لا يمكن للدولة أن تكتسب السيادة والسيطرة، والأمر هنا لا يتعلق بالضرورة باستخدام القوة، لكن على الأقل امتلاكها بكمية ونوعية معينة من أجل الردع، وقد قدمت الحرب الباردة مثالاً لذلك حيث تميزت بغياب الحرب المفتوحة بين قوتين عظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي آنذاك) كان من الممكن أن تؤدي قوتهما النووية إلى نهاية العالم.

في هذا السياق، يجب الإشارة إلى مفهوم "أوهام القوة"، والتي تعني تصور غير دقيق لقوة الخصم، فأحد الأخطاء المتكررة في التاريخ السياسي والعسكري هو اعتبار الخصم المحتمل أو الفعلي أحمق، ففي فيتنام، على سبيل المثال، افترض الأمريكيون تصورًا خاطئًا بشأن الخصم ومحدودية قوته في مواجهة قوتهم.

3) القوة الدبلوماسية: إذا كانت القوة لا تخلو من الأسلحة، فهي لا تكتفي بها أيضًا، وعلى الرغم من وجود اعتقاد بأن البعد الدبلوماسي قد فقد أهميته، إلا أنه لا يزال عامل قوة حقيقي، وبقدر ما يرى البعض أن استخدام القوة المسلحة لا يحقق انتصارات خاطئة، فالدبلوماسية هي محاولة لتنظيم توازن القوى وتجنب النزاعات، ولتعزيز المكتسبات التي حققتها القوة العسكرية. 

4) البعد الاقتصادي: إذ لا توجد قوة بدون تمويل، فحتى الآلية الدبلوماسية واسعة النطاق تحتاج إلى تكاليف لا محالة، حيث إن بناء ونشر نظام عسكري موثوق به دون تخصيص ميزانيات كبيرة له لن يكون أمرًا ناجحًا، وقد تتضمن التكاليف الاقتصادية أيضاً تكاليف غير مباشرة، فعلى سبيل المثال، نجح لويس الحادي عشر في تمويل أعداء منافسه دوق بورغوندي -تشارلز ذا بولد- من أجل إضعاف قوة الأخير.

خريطة موازين القوى:

خلال أكثر من قرن من الزمان بقيت القوى الرئيسية في النظام الدولي قائمة، حتى وإن اختلفت موازين القوى بينهم، وفي هذا السياق، يمكن استعرض الكاتب ملامح موازين القوى الدولية الحالية على النحو التالي:

1) الولايات المتحدة الأمريكية: وهي عانت نكسات خطيرة في أقل من قرن من الزمان، وعلى الرغم من القوة الاقتصادية والعسكرية والبشرية الهائلة التي لا تزال تتمتع بها، فضلاً عن تمتعها بعزلة استراتيجية استثنائية، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة لن تكون الدولة الأولى في تاريخ الدول التي تسعى لتجنب الهبوط من قمة النظام العالمي، ولعل هذا ما يتسق مع "فخ ثيوسيديدس" المرتبط بـالحرب البيلوبونية، والذي يشير إلى أنه بينما تسعى القوة المهيمنة إلى البقاء، هناك قوة أخرى تسعى للصعود إلى قمة النظام الدولي، وإذا سعى كل منهما إلى هدفه الخاص، فإننا ننتقل تلقائيًا إلى المواجهة العسكرية، إما بشكلٍ مباشر، أو بعد المرور بمراحل من المواجهات الاقتصادية والدبلوماسية، وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الوقت ينفد لأن وتيرة صعود الصين إلى السلطة متعددة الأبعاد، ومقترنة برغبة بكين في الإطاحة بها؛ لذلك تحاول واشنطن مواجهة التحدي.

2) روسيا: لم تعد موسكو، وربما لن تصبح مرة أخرى، أبدًا القوة العالمية الأولى ولا الثانية إلا أن ذلك لا يمنع ذلك من أن تظل حاضرة في عدد من الملفات الجيوسياسية أو القطاعية أو الإقليمية في النظام الدولي، وتجسد روسيا، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، قوة عظمى فقيرة، وإن كانت بطريقة مختلفة حيث يعتمد اقتصادها بشكلٍ أساسي على الإنتاج المربح للنفط والغاز وكذلك على أسلحة معينة، إلا أن قوتها المالية والنقدية هامشية، وصناعات التكنولوجيا العالية نادرة والبحث والتطوير ضعيفان، إضافة إلى معضلتها الديموغرافية، خاصة أن معدل الخصوبة في روسيا يقل عن 1.5 لأكثر من نصف قرن، وعلى الرغم من أن روسيا المعاصرة قوة فقيرة اقتصاديًا لكنها "غنية" في استراتيجيتها الانتقامية، حيث يسعى بوتين إلى استعادة العديد من مناطق النفوذ التي حاذها الاتحاد السوفيتي السابق بقدر الإمكان، بدون وسائل مالية أو حتى دبلوماسية كبيرة، ويمكن لروسيا أن تتصرف بقوة دون المخاطرة بالصراع مع الغرب، حيث تسعى لكسب قوى ذات وزن أهمها، الصين.

3) الصين: حيث تسعى على مدى نصف قرن كي تصبح القوة الرائدة في العالم مهما كانت التكلفة أو العقبات أو طبيعة الشركاء أو الخصوم، وهي تقدم خصائص قوة هجينة في تطور سريع للغاية نحو وضع القوة العظمى الغنية لتلحق بالولايات المتحدة ليس فقط على صعيد المجالات الاقتصادية والتكنولوجية بل والعسكرية أيضًا، إلا أن الصين لا تزال تعاني ثلاثة نقاط ضعف هيكلية، أول نقاط الضعف الجيوستراتيجية هي أن معظم الدول المجاورة للصين إما معادية أو نووية، أو كلاهما في نفس الوقت، وبالتالي فإن الانعزالية الاستراتيجية التي طالما أفادت الولايات المتحدة أو فرنسا أو المملكة المتحدة غير موجودة في الحالة الصينية، والنقطة الثانية هي الاعتمادية في مجال الطاقة، فالصين تعتمد بالأساس على مصادر الطاقة التي تستوردها من الخارج. ثالثًا وأخيراً التحديات الديموغرافية، إذ لا يزال أكثر من نصف مليار صيني يعيشون بعيدًا عن مناطق الازدهار، فضلاً عن التداعيات التي أفرزتها سياسة الطفل الواحد فيما يتعلق بالشيخوخة.

4) أوروبا: إن الادعاء بأن أوروبا لا تمتلك الوسائل اللازمة لتصبح قوة عالمية عظمى يمثل قصوراً كبيراً، خاصةً أنها تعد ثالث أكبر كتلة ديموغرافية في العالم بها فضلاً عن امتلاكها قوة معرفية وعلمية ومالية كبيرة على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكذلك قوة نووية مدنية وعسكرية، حيث تملك بعض دول أوروبا أساطيل جوية وبحرية هائلة، وشبكة دبلوماسية كثيفة للغاية، وتشترك فرنسا وبريطانيا في كونهما يمثلان قوى عظمى فقيرة، فبرغم امتلاكهما للكثير من مقومات القوى العسكرية والتقنية، لكنهما لا يمتلكان اقتصاديات قادرة على تعزيز هذه القدرات وضمان استمراريتها، أما بالنسبة لألمانيا فعلى الرغم مما تتمتع به من قوة اقتصادية وصناعية كبيرة، لكن ستمتنع لفترة طويلة عن تجسيد قوة عالمية لأسباب تاريخية وسياسية عديدة ترتبط بذاكرة حقبة الحرب العالمية الثانية، كما أن هناك اعتقادًا سائدًا لدى الرأي العام الألماني بضرورة التركيز على الأبعاد الاقتصادية والتوقف عن اتخاذ أي خطوات نحو تشكيل قوة عسكرية منخرطة في الخارج.

5) قوى إقليمية صاعدة: هناك العديد من القوى الأخرى الصاعدة في النظام الدولي، لكنها لا تمتلك تطلعات لتكون قوة رئيسة في النظام الدولي، وتبدو راغبة فقط في الاحتفاظ بمكانة القوة الإقليمية الفاعلة، حتى وإن كانت تتطلع لدور أكبر، وربما ينطبق ذلك على كل من كندا واستراليا، واليابان، كذلك ففي الوقت الذي تسعى بعض القوى الدولية الإقليمية لتعزيز قوتها لكن هذه التطلعات موجهة نحو خصم إقليمي محدد، على غرار التنافس الهندي- الباكستاني، والتنافس السعودي- الإيراني.

الفواعل من غير الدول:

لم تعد العلاقات الدولية حصرية على الدول فقط، حيث برز أيضا عدد من الفاعلين الدوليين من غير الدول في توازنات القوى في العالم، يمكن عرضها على النحو التالي:

1) منظمة الأمم المتحدة والتي تجسد بشكل أساسي منتدى للدول، حيث تمارس المنظمة نوعاً من القوة التي تفوق أحياناً قوة الدول، وذلك عبر جهازها التنفيذي المتمثل في مجلس الأمن، لكن هذا لا يعني أننا قد نتخلص من أسبقية الدولة كعنصر فاعل بفضل هذه المنظمة.

2) التجمعات الإقليمية: على غرار جامعة الدول العربية، الاتحاد من أجل المتوسط (UPM)، منظمة الدول التركية. فهناك عشرات من الاتحادات من الدول ذات الابعاد السياسية أو الدبلوماسية أو الدينية، والتي تم يجمعها معًا إما السعي لحل نزاع معين، أو ممارسة تأثير دائم في منطقة مشتركة، أو توحيد قدراتها في المستقبل.

3) التجمعات الاقتصادية: بالنسبة لدولة ما، فإن تعزيز قدراتها الاقتصادية والمالية من خلال تحسين التعاون أو المشاركة مع الشركاء يزيد من إمكاناتها من حيث القوة السياسية وحتى العسكرية، على غرار رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS).

4) الشركات متعدية الجنسيات: حيث يتميز العالم المعاصر بوجود شركات عالمية ذات ثروة هائلة، على غرار شركات النفط الكبرى، وشركات التسوق عبر الإنترنت (أمازون)، وعمالقة التكنولوجيا الفائقة، وعدد قليل من الشركات في القطاعات التقليدية مثل التوزيع الشامل، والرفاهية، والسيارات أو الفضاء، وتتجاوز كل شركة في الأصول إجمالي الناتج المحلي للعديد من الدول مجتمعة.

5) المافيا والمنظمات الارهابية: والتي تشكل تهديدات كبيرة بالنسبة للدول، وبينما تمثل عصابات المافيا آفة تكتيكية أكثر من كونها استراتيجية بالنسبة للدول، يسعى الإرهاب إلى تعديل أوضاع توازن القوى مع نظام أو حكومة، أحيانًا لإسقاط الأخير، ولكن نادرًا ما يقضي على الدولة.

في الختام، يمكن توظيف الظواهر الطبيعية أحياناً كأدوات للقوة، فلا يمكن استبعاد هذا الأمر بالنسبة لـجائحة كورونا (Covid-19)، فحتى تفشي هذا الوباء كان الخطاب والنهج الصيني متوازناً نسبيًا، قبل أن يكشف هذا الوباء عن الدبلوماسية الصينية الجديدة الأكثر تأثيرا في العديد من دول العالم.

المصدر:

Frédéric Encel, Les voies de la puissance, ODILE JACOB, mars 2022.