تقديرات المستقبل

عملية كابول:

دلالات تصفية واشنطن أيمن الظواهري
الجمعة، 05 أغسطس، 2022
عملية كابول:

أعلن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في 2 أغسطس، مقتل زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في عملية جوية دقيقة تمت داخل العاصمة الأفغانية، كابول، في 1 أغسطس، مشيراً إلى أن العدالة قد تحققت بعد أن أصبح هذا الإرهابي غير موجود، نظراً لأنه تسبب في مقتل العديد من الأمريكيين في هجمات مختلفة. ولم يصدر أي بيان نفي، أو تأكيد للحادث من قبل تنظيم القاعدة حتى الآن. كما تُعد هذه العملية أكبر ضربة عسكرية توجهها واشنطن للتنظيم الدولي منذ مقتل زعيمه السابق ومؤسسه أسامة بن لادن في مايو 2011.

دلالات استهداف الظواهري:

تطرح عملية استهداف زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، في كابول عدداً من الدلالات التي يمكن الوقوف عليها على النحو التالي: 

1- قدرة واشنطن على تنفيذ عمليات نوعية: تمت عملية اغتيال الظواهري من قبل وكالة الاستخبارات المركزية، باستخدام طائرة مسيرة أمريكية من طراز "إم كيو 9 ريبر" (MQ-9 Reaper) تحمل صاروخين من طراز "هلفاير آر 9 إكس"، وهي الصواريخ المزودة بست شفرات، قابلة للتمدد، ويمكنها تحطيم هدفها عند الاصطدام به من دون حدوث انفجار، حيث إنها تحوي رأساً غير متفجر، وهو ما يمكن تفسيره على أنه رغبة أمريكية في تحاشي حدوث إصابات بين المدنيين أو تدمير للمبنى الذي كان يقطن فيه الظواهري قبل اغتياله في الحي الدبلوماسي في كابول.

وسبقت عملية الاغتيال عملية رصد ومتابعة قامت بها أجهزة الاستخبارات الأمريكية لتحديد هوية المنزل الآمن الذي انتقل إليه الظواهري في كابول، ويلاحظ أن هذا الجهد غير هيّن، بالنظر إلى أنها كان تعمل في بيئة غير مواتية، لاسيما بعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان. وأخيراً، أصدر بايدن أوامره في 25 يوليو الماضي، بتنفيذ "ضربة جوية دقيقة" ضد زعيم تنظيم القاعدة.

2- تأكيد التعهدات الأمريكية بمكافحة الإرهاب: أدى الانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من أفغانستان في أغسطس 2021، بعد زهاء 20 عاماً من التدخل العسكري، إلى اهتزاز صورة واشنطن لدى الحلفاء والأصدقاء، على أساس أن هذا الانسحاب أدى إلى عودة حركة طالبان إلى الحكم، وذلك في الوقت الذي لاتزال فيه تحتفظ بعلاقات قوية مع التنظيمات الإرهابية.

وتسعى واشنطن من خلال هذه العملية للتأكيد على أنها رغم انسحابها فإنها لن تسمح بأن تكون "أفغانستان ملاذاً آمناً للإرهابيين"، فضلاً عن تأكيد مصداقية ما تعهد به الرئيس بايدن، عقب الانسحاب من أفغانستان، بأن واشنطن ستحتفظ بالقدرة على شن هجمات "عبر الأفق" من أماكن بعيدة ضد العناصر الإرهابية في أفغانستان، وهو ما تم ترجمته في هذه العملية.

3- استمرار علاقة حقاني بالقاعدة: أشارت وكالة أنباء "آماج نيوز" الأفغانية المستقلة إلى مقتل اثنيْن من أقارب وزير الداخلية في حكومة حركة طالبان سراج الدين حقاني خلال عملية استهداف أيمن الظواهري، كما أشارت إلى أن المنزل الذي كان يتواجد به الأخير يعود إلى أحد كبار مساعدي حقاني.

وعلى الرغم من صعوبة التثبت من هذه المعلومة، غير أنها غير مستغربة بالنظر إلى أنه من المعروف أن شبكة حقاني، المتحالفة مع حركة طالبان، وأحد شركائها في حكم أفغانستان منذ الانسحاب الأمريكي في أغسطس 2021، تتمتع بعلاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة، وليس من المعروف إذا كانت حقاني وحدها هي من استضافت الظواهري، أم أن طالبان نفسها دعمت استضافته.

4- شكوك حول تماسك طالبان: يعتقد أن الاستخبارات الأمريكية قد حصلت على دعم أحد المتعاونين في أفغانستان لتحديد مكان تواجد الظواهري في كابول، وقد يكون ذلك قد تم بالتعاون مع أحد المنتمين إلى المعارضة المسلحة لطالبان، والتي لاتزال تتمتع بعناصر لها في الداخل، أو من قبل أحد المنتمين إلى حركة طالبان، والذي قد يكون قد انشق عن الحركة بشكل فردي وتعاون مع واشنطن مقابل الحصول على الأموال، وتهريبه خارج البلاد، أو بموافقة حركة طالبان.

وفي هذه الحالة الأخيرة، فإن طالبان قد تكون توصلت لصفقة مع واشنطن للتخلص من الظواهري، للحصول على الاعتراف الدولي والأموال المجمدة بالخارج، وهو ما قد ينذر بحدوث انقسامات بين طالبان وحقاني، غير أن الاحتمال الأخير يظل مستبعداً في ظل تمسك طالبان بنهجها المتشدد، واحتفاظها بعلاقات قوية مع تنظيم القاعدة، خاصة أن هناك أنباء غير مؤكدة تتحدث عن عودة قيادات لتنظيم القاعدة إلى أفغانستان بعد سيطرة طالبان عليها. 

5- الضغط على إيران: أشار المسؤولون الأمريكيون إلى أنه على إيران الاختيار بين إيواء أحد أبرز المرشحين لخلافة الظواهري وهو محمد صلاح الدين زيدان، المعروف باسم "سيف العدل"، وهو الرجل الثاني في القاعدة، وبين طرده.

ويلاحظ أن العلاقة بين تنظيم القاعدة وإيران تحسنت كثيراً مؤخراً، إذ أدار الظواهري العلاقة مع طهران بنهج قائم على التهدئة، ووقف أي تصعيد ضدها، نظراً لوجود عدد كبير من قيادات القاعدة وأسرهم في إيران، مثل سيف العدل وأبو محمد المصري، والأخير قد تم اغتياله في طهران في أغسطس 2020، وأبو الخير المصري، الذي انتقل للقتال في سوريا منذ عام 2012 وغيرهم.

تداعيات مُحتملة: 

قد تُسفر تصفية الظواهري عن عدد من التداعيات، والتي يمكن استعراض أبرزها على النحو التالي:

1- توتر العلاقة بين واشنطن وطالبان: لم يُشر إعلان الرئيس بايدن عن العملية عن أي تنسيق كان قد جرى مع حركة طالبان بشأن استهداف أيمن الظواهري، بل وأدان المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، القصف الأمريكي لمنزل سكني في منطقة شيربور بالعاصمة كابول، من دون التصريح بمقتل زعيم تنظيم القاعدة، مشيراً إلى قيام الأجهزة الأمنية والاستخبارية بالتحقيق في الحادث، باعتباره انتهاكاً للسيادة الأفغانية.

ولاقت هذه المواقف تنديداً من قبل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، الذي أعلن أن حركة طالبان قد انتهكت "على نحو صارخ" اتفاق الدوحة، من خلال إيواء زعيم تنظيم القاعدة لديها، إذ تمت الإشارة خلال الاتفاق على أن تقطع طالبان علاقتها بالتنظيمات المتطرفة، وهو الأمر الذي يتنافى مع إيواء عائلة الظواهري في أرقى أحياء العاصمة كابول، وهو ما يؤكد استمرارية العلاقة بين الجانبين.

ولكن على الجانب الآخر، فإن خيارات طالبان محدودة في الرد على الولايات المتحدة، نظراً لأنها لم تعترف، حتى الآن، بتصفية الظواهري، كما أنها تسعى للحصول على الاعتراف الدولي بها والحصول على دعم المجتمع الدولي مالياً وسياسياً.

2- تعزيز شرعية "بايدن" الداخلية: قد تُسهم هذه العملية في رفع رصيد الرئيس الأمريكي، جو بايدن في الداخل الأمريكي، لاسيما في الوقت الذي تشهد فيه صورته في الداخل تراجعاً كبيراً، وهو ما عبّر عنه استطلاع رأي أجراه مركز "أسوشيتد برس – نورك" للأبحاث، والذي كشف أن 39% فقط من البالغين في الولايات المتحدة وافقوا على أدائه كرئيس، وهو ما يُنذر بإمكانية فقدان حزبه الأغلبية داخل الكونجرس، خلال انتخابات التجديد النصفي المزمع عقدها في نوفمبر القادم.

كما جاءت تلك العملية قبل أسبوع من الذكرى السنوية الأولى للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وهي الذكرى، التي كانت قد تستغل من قبل الجمهوريين للإساءة للإدارة الديمقراطية، بسبب طريقة انسحابها من أفغانستان، والتي تمت بشكل عشوائي، وبالتالي، فإن هذه العملية سوف تساعد على تجاوز هذا الحدث، وتفتح الباب أمام بايدن لاستثمار تصفية الظواهري لتعزيز شعبيته داخلياً. 

وتكشف تلك العملية كذلك عن نجاح الإدارات الأمريكية المتعاقبة في إكمال انتقامها من القائمين على تنفيذ هجمات 11 سبتمبر، إذ إن أغلب المخططين لهذه العملية، إما أنهم قتلوا، على غرار أسامة بن لادن، أو أنهم محتجزون في سجن جوانتانامو، مثل العقل المدبر للهجمات، خالد الشيخ محمد، ولذلك طالب بايدن أسر الضحايا، في إعلانه عن العملية، بطي صفحة أحزانهم على ذلك الحادث الإرهابي الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، وهو ما قد يكون مؤشراً على أن الولايات المتحدة ستطوي صفحة الإرهاب، وتتفرغ لصراعات القوى الكبرى. 

3- تأثيرات محدودة على تنظيم القاعدة: استهدفت العملية الأمريكية زعيم تنظيم القاعدة، ومع ذلك، فإن تأثير هذه العملية سوف يكون محدوداً على هيكل التنظيم، نظراً لتراجع قوته بالفعل تحت وطأة الضربات الأمريكية على مدار العقدين الماضيين، حتى أن التنظيمات الفرعية المرتبطة به، صارت أكثر قوة، على غرار حركة الشباب في الصومال، أو الجماعات المرتبطة بالقاعدة في منطقة الساحل.

ومن جانب آخر، فإن المهارات القيادية والتنظيمية لأيمن الظواهري تبدو متواضعة عند مقارنتها بقائد التنظيم السابق، أسامة بن لادن، ذلك لأن الظواهري كان أقرب لمفتي التنظيم منه للقائد الحركي المُلهم، وليس أدل على تراجع أداء القاعدة في ظل زعامة الظواهري للتنظيم، من إعلان أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش، وأبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة الانشقاق والتبرؤ من التنظيم الأم.

وفي الختام، يمكن القول إن عملية اغتيال الظواهري، ورغم محدودية تداعياتها على التنظيم وتحركاته، فإن لها قيمة رمزية عالية، لجهة تأكيد واشنطن إصرارها على "الثأر" لمن يتسبب في مقتل الأمريكيين، هذا بالإضافة إلى التأكيد على القدرة على الوصول إلى مصادر التهديد ودحرها من دون تردد، كما أنها قد تكون مؤشراً على أن الولايات المتحدة قد انتهت من حقبة مكافحة الإرهاب، وسوف تتفرغ لحقبة جديدة عمادها الرئيسي الصراع مع القوى الكبرى. 

الكلمات المفتاحية: أمريكا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات