أخبار المركز
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • هدير طلعت سعيد تكتب: (مشروع ممر TUTIT: محفزات ومعوقات تنفيذ ممر جديد لربط آسيا وأوروبا)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)
  • عادل علي يكتب: (تأمين الجوار: دوافع وقيود تبادل السفراء بين الصين وحكومة طالبان الأفغانية)

تعزيز النفوذ :

دلالات استضافة المغرب اجتماع أفريقيا الأطلسية

15 يونيو، 2022


استضافت المملكة المغربية فعاليات المؤتمر الوزاري الأول للدول الأفريقية الأطلسية "أفريقيا الأطلسية" في 8 يونيو 2022 بالعاصمة الرباط، وذلك بمشاركة 21 دولة، من بينها 15 دولة شاركت على المستوى الوزاري، استجابة لدعوة المغرب. 

وأصدرت وزارة الخارجية المغربية بياناً أشارت فيه إلى أن هذا الاجتماع الأول من نوعه يهدف إلى بلورة رؤية أفريقية مشتركة حول هذا الفضاء الحيوي، والنهوض بهوية أطلسية أفريقية والدفاع بصوت واحد عن المصالح الاستراتيجية للقارة الأفريقية، وتهدف هذه المبادرة المغربية بشكل رئيسي إلى تحقيق الاستفادة المثلى من القيمة الاستراتيجية للمحيط الأطلسي، ورغبة الرباط في توحيد جهود الدول المحاذية للساحل الأطلسي كافة حول مبادئ مشتركة ومصالح متوافقة فيما بينها.

محاور رئيسية:

جاء انعقاد الاجتماع الوزاري الأول للدول الأفريقية الأطلسية لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الدول المشاركة في هذا الاجتماع، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية، وهي كالتالي:

1- تعزيز الحوار السياسي والأمني: يمثل الاجتماع مبادرة مهمة لإطلاق المشاورات السياسية بين دول القارة الأفريقية بما يهدف لتعزيز العلاقات السياسية بين هذه الدول. وفي الوقت نفسه توظيف التقارب السياسي من أجل الحفاظ على المصالح المشتركة للدول الأفريقية. 

ولذلك جاءت دعوة العاهل المغربي محمد السادس للدول الأفريقية الأطلسية بهدف إعادة تفعيل الإطار الجيواستراتيجي للتشاور السياسي بين المغرب وهذه الدول، بما يؤدي في نهاية الأمر إلى تحقيق الاستقرار والسلم داخل هذه الدول في مواجهة المخاطر والتهديدات الأمنية المترتبة على تصاعد أنشطة التنظيمات الإرهابية في بعض الدول الأفريقية.

ويسعى المغرب بذلك إلى تحقيق بعض المصالح الأوروبية، والتي تسعى لتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي وصولاً إلى خليج غينيا، وهو ما يتداخل مع الدول الموجودة في أفريقيا الأطلسية. 

2- الاقتصاد الأزرق: تسعى المملكة المغربية للاعتماد على الاقتصاد الأزرق باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة في البلاد، وذلك بالنظر للإمكانيات والمؤهلات المهمة التي تتوفر عليها الرباط في هذا المجال. 

وفي هذا الإطار، حصلت المغرب على قرض من البنك الدولي في مطلع يونيو الجاري بقيمة 350 مليون دولار، وذلك من أجل دعم إطلاق الخطط الخاصة بهذا القطاع داخل البلاد خلال الفترة القادمة. ويسعى المغرب لتعزيز التعاون مع الدول الأفريقية الأطلسية عبر استغلال إمكانياتها البحرية، حيث تتمتع بسواحل تمتد إلى 3500 كم، وثروات سمكية هائلة. 

3- البيئة والطاقة: ناقش الاجتماع الوزاري الأول لأفريقيا الأطلسية مسألة التعاون المشترك بين الدول المشاركة في قطاعي البيئة والطاقة. وفي هذا الإطار فقد استطاعت المغرب أن تجد لنفسها مكانة متقدمة في مجال الطاقة المتجددة وذلك عبر استغلال مواردها الطبيعية لتوليد الطاقة الشمسية التي تمثل خُمس ما تحتاجه البلاد من طاقة توليد الكهرباء. 

وتقدم المغرب نفسها كنموذج يعتمد على الطاقة المتجددة كبديل للوقود الأحفوري، إلا أن ذلك تواجهه عقبة مهمة، وهي التغيرات المناخية. وفي هذا الإطار يهدف هذا الاجتماع لتعزيز التعاون بين المغرب والدول الأفريقية الأطلسية في هذا المجال.

دلالات مهمة:

تحمل المبادرة المغربية لاستضافة هذا الاجتماع الوزاري لدول أفريقيا الأطلسية الذي اختتم أعماله بإصدار "إعلان الرباط"، والذي تم الاتفاق فيه على عقد الاجتماع الوزاري الثاني في نيويورك على هامش مشاركة هذه الدول في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر القادم، عدداً من الدلالات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومن أبرزها ما يلي:

1- تحالفات استراتيجية: جاءت المبادرة المغربية لعقد الاجتماع الوزاري الأول للدول الأفريقية الأطلسية في إطار التحركات الدبلوماسية المغربية النشطة على المستوى القاري، وذلك من خلال تبني سياسة خارجية تقوم على توسيع شبكة التحالفات الإقليمية والدولية عبر إقامة تحالفات استراتيجية يمكن الاعتماد عليها فيما بعد لخدمة أهداف وتوجهات السياسة الخارجية للنظام السياسي المغربي على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، كان من اللافت أن الاجتماع الوزاري الثاني للمجموعة سوف يعقد في نيويورك، وهو ما يكشف عن وجود دعم أمريكي وأوروبي للمبادرة، خاصة أنها تسعى لتحقيق بعض الأهداف الغربية في منطقة الساحل، وتحديداً مواجهة الإرهاب، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي لهذه الدول، ونقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية، وهو ما يمكن أن يتم توظيفه لمواجهة النفوذ الجزائري والروسي في هذه المنطقة الحيوية للدول الأوروبية. 

2- دعم قضية الصحراء: من شأن نجاح الدبلوماسية المغربية في إقناع هذا العدد الكبير من الدول الأفريقية للمشاركة في الاجتماع الوزاري الأول للدول الأفريقية الأطلسية أن يخدم المساعي المغربية لتوظيف التقارب السياسي والاقتصادي والأمني مع هذه الدول للاعتراف بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. 

ومن المؤشرات الدالة على ذلك افتتاح دولتي توجو والرأس الأخضر قنصليتين لهما بمدينة الداخلة الواقعة في إقليم الصحراء، وذلك على هامش مشاركتهما في الاجتماع الوزاري للدول الأفريقية الأطلسية، وهو ما يؤكد نجاح الدبلوماسية المغربية في توظيف هذه الاجتماعات لتأييد موقفها الرسمي إزاء قضية الصحراء. 

وبلغ عدد الدول التي افتتحت قنصليات لها في إقليم الصحراء 26 دولة منها 14 بمدينة الداخلة، و12 بمدينة العيون، وهو الأمر الذي أثار غضب جبهة البوليساريو التي دعت الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات عملية لوقف ما أطلقت عليه الجبهة "الاستفزازات المغربية"، كما أثار ذلك الأمر أيضاً الجزائر الداعم الرئيسي للبوليساريو وزاد من حدة العداء بينها وبين المغرب.

3- تعظيم المكاسب الاقتصادية: تتمتع الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري للدول الأفريقية الأطلسية بمؤهلات اقتصادية هائلة، حيث تمثل 46% من سكان القارة الأفريقية، وهو ما يعني امتلاكها قوة بشرية هائلة يمكن الاعتماد عليها في تحقيق التنمية الاقتصادية داخل هذه الدول في حال قيامها بتنفيذ اتفاقات التكامل الاقتصادي والتعاون الاقتصادي والتجاري. 

كما أن هذه الدول تساهم بحوالي 57% من حركة التجارة القارية، وحوالي 55% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأفريقية. وعلى الرغم من الإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي تتمتع بها هذه الدول، فإنها لا تستقبل سوى 4% من الاستثمارات الأجنبية الموجهة للدول الأفريقية، وهو ما يدفع هذه الدول لمحاولة تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية فيما بينها واتخاذ مواقف موحدة يمكن من خلالها الترويج لما تمتلكه من إمكانيات اقتصادية جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، ويتقاطع مع ذلك الإعلان عن البدء في تنفيذ مشروع إنشاء أنبوب لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية بطول 5660 كم، ومروراً بـ 15 دولة في غرب أفريقيا، الأمر الذي من شأنه المساهمة في إنعاش اقتصادات هذه الدول خلال الفترة القادمة.

4- مواجهة التحركات الجزائرية: يعكس السعي المغربي لإقامة تحالفات مع أكبر عدد من الدول الأفريقية، الحرص المغربي على منافسة جارتها الجزائر على المستوى الأفريقي، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت تحركات دبلوماسية مكثفة قامت بها الجزائر في محاولة منها لحصار المغرب في ظل انقطاع العلاقات بين الدولتين بناءً على القرار الجزائري بقطعها في أغسطس الماضي، ومن ذلك محاولة استمالة الموقف الموريتاني للصف الجزائري عبر الاتفاق معها على إمدادها باحتياجاتها من الغاز الطبيعي. 

وأعلنت الجزائر كذلك تعليق معاهدة الصداقة مع إسبانيا وتعليق المعاملات التجارية معها بسبب موقفها المؤيد للمغرب إزاء قضية الصحراء، وهو ما دفع الأخيرة لتأكيد قدرتها على منافسة الجزائر على المستوى الأفريقي بدعوة هذا العدد الكبير من الدول الأفريقية التي سارعت ولبت الدعوة المغربية والمشاركة في هذا الاجتماع الأول من نوعه في القارة الأفريقية.

5- مكافحة الإرهاب: جاء اجتماع وزراء الدول الأفريقية الأطلسية ليؤكد اتفاق هذه الدول على ضرورة تعزيز تعاونها الأمني المشترك لمواجهة الإرهاب، خاصة أن للمغرب خبرة تاريخية معتبرة في مجال مواجهة التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة، كما أن المغرب تستضيف مقر مكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب في أفريقيا والذي تم افتتاحه في 25 يونيو 2021. 

وفي الختام، تعكس استضافة المغرب الاجتماع الوزاري الأول لدول أفريقيا الأطلسية، عدة أمور مهمة، ومن أبرزها نجاح الدبلوماسية المغربية في جذب الدول الأفريقية ومحاولة التعاون معها أمنياً واقتصادياً، الأمر الذي يمنح المغرب ثقلاً سياسياً أكبر يساعدها على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية، لاسيما تعزيز نفوذها الإقليمي والدولي وتوظيف ذلك لحسم قضية الصحراء لصالحها، وكذلك تحقيق المصالح الأوروبية.