العروض - الكتب

ارتدادات سياسية:

كيف تواجه الحكومات والشركات عدم المساواة الرقمية؟
الخميس، 02 يونيو، 2022
ارتدادات سياسية:

عرض: منى أسامة

يشهد العالم تطوراً سريعاً في الابتكارات التكنولوجية والتقنيات الرقمية والتي تعمل على إعادة تشكيل أسواق المنتجات وتغيير بيئة الأعمال، فتخلق طرقاً وفرصاً جديدة لمستقبل أكثر ازدهاراً لكنها في الوقت نفسه، تفرض تحديات جديدة وتُحدث اضطرابات وضغوطات اجتماعية قد ينتج عنها فائزون وخاسرون.

في هذا الإطار، أصدر معهد بروكينجز بالتعاون مع معهد التنمية الكوري خلال العام 2022 كتاباً حمل عنوان "تغيير النماذج: النمو، والتمويل، والوظائف، وعدم المساواة في الاقتصاد الرقمي" لمجموعة من المؤلفين وتحرير كل من زيا قريشي وتشونسيكوو.

يناقش الكتاب الآثار المترتبة للتحول الرقمي على الاقتصاد وأجندات السياسة العامة، كما يقدم اقتراحات تجعل السياسات العامة أكثر إنتاجية وشمولية من منظور عالمي وآخر فردي، وكذلك يركز الكتاب بشكلٍ خاص على الاقتصاد الكوري الجنوبي.

تداخل التكنولوجيا والسياسة:

بالرغم من أن التكنولوجيا تعد أحد المحددات الرئيسية للإنتاجية والنمو الاقتصادي، فإن ازدهار التقنيات الرقمية واجه تباطؤاً في الإنتاجية وانخفاض في النمو الاقتصادي وتزايد عدم المساواة في الدخل، وهو ما قد ينتج عنه استياء شعبي واستقطاب سياسي. مع هذا، ليست المشكلة في التكنولوجيا، ولكن في صنع سياسات أكثر ذكاءً تهدف إلى الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا، من أجل تحقيق نمو اقتصادي أقوى وأكثر شمولاً.

في هذا الصدد، هناك خمس قضايا لابد أن تشغل صانعي السياسات من أجل تقليص عدم المساواة وانعدام الأمن الاقتصادي بشكل أكثر فعالية:

1) مكافحة الاحتكار وتعزيز المنافسة بين الشركات بما يتناسب مع العصر الرقمي من خلال مراجعة القوانين والمبادئ المتعلقة بعمليات الاندماج والاستحواذ.

2) تحسين النظام الإيكولوجي للابتكار لتحفيز المعرفة والتكنولوجيات الجديدة، ومن ثم تحقيق توازن أفضل بين المصالح القائمة والترويج للابتكار.

3) تقوية البنية التحتية الرقمية لتوسيع الوصول إلى فرص جديدة في الاقتصاد الرقمي، مما يتطلب زيادة الاستثمار في المجال الرقمي.

4) تعزيز الاستثمار في المهارات من خلال تطوير برامج التعليم والتدريب المتعلقة بالتقنيات الجديدة.

5) إصلاح سياسات سوق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية لإعادة مواءمتها مع الاقتصاد المتغير وطبيعة العمل، كتحسين قدرة العمال على الانتقال إلى وظائف جديدة. 

بشكل عام، وتتطلب سياسات الاقتصاد الرقمي وضع أطر جديدة للتعاون الدولي في مجالات تنظيم تدفقات البيانات العابرة للحدود وفرض الضرائب على الأعمال الرقمية عبر الحدود.

متطلبات انتشار التكنولوجيا:

تعد عملية "انتشار التكنولوجيا" نتيجة ديناميكية لاعتماد تقنية جديدة في العمل، لكن ثمة حقائق أساسية بشأن تلك العملية، أولها أنها تستغرق وقتاً وتتم بشكل تدريجي، والثانية، أن انتشار التقنيات، خاصة التقنيات الرقمية، لا يتم بالوتيرة نفسها عبر الدول والمناطق والقطاعات والشركات المختلفة، فكلما تباطأ انتشار التكنولوجيا، اتسعت فجوة الإنتاجية بين الشركات. وثالثاً، أن العوامل والتحديات المادية وغير المادية المرتبطة بالتحول إلى الاقتصاد الرقمي القائم على المعرفة تؤثر على انتشار التكنولوجيا.

في هذا السياق، يمكن للحكومات أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز انتشار التكنولوجيا في العصر الرقمي، من خلال الإجراءات التي تزيل الحواجز أمام الانتشار وتساعد على تعزيز القدرة الاستيعابية للشركات كتحسين بيئة السوق وتعزيز المنافسة وتحسين إنتاج المعرفة وتطوير مهارات العمال والاهتمام بالبنية التحتية الرقمية. 

أما بالنسبة للشركات، فيتطلب دورها في انتشار التكنولوجيا مجموعة خطوات، أولاها، "وجود التقنية" التي ستتبناها الشركة. أما الخطوة الثانية، فهي إدراك الشركة لوجود هذه التقنية وإمكانياتها، وتحديد الأنسب لإنتاج السلع أو الخدمات المعنية. فيما تتمثل الخطوة الثالثة في "قرار تبني التقنية"، وعادة ما يكون القرار مقيداً لأسباب مالية وغير مالية كتدريب العاملين. وآخر خطوة هي القدرة على الاستخدام الفعَّال للتقنية المعتمدة، فيما يتعلق بمنتجاتها أو عمليات الإنتاج، ويتطلب ذلك استيعاب الشركة للمعرفة الجديدة واستغلالها تجارياً.

استثمار وتمويل رقمي:

يتطلب دعم انتشار التكنولوجيا توسيع الاستثمارات غير الملموسة، أي الاستثمار في الأصول، كالبحوث والتطوير وتكنولوجيا المعلومات، ورأس المال البشري ورأس المال التنظيمي وتصميم المنتجات والتسويق. وبناءً على تحليل بيانات 11000 شركة كورية جنوبية، يُلاحظ أن هناك علاقة بين الاعتماد على التقنيات الرقمية ورأس المال غير الملموس وقوة إنتاجية الشركة. كما أن هناك علاقة تكميلية بين الأصول غير الملموسة وممارسات إدارة الحوافز للشركات. 

وعلى الرغم من أن كوريا تعد واحدة من الدول الرائدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإن معدل تبني التقنيات الرقمية بين الشركات يبدو منخفضاً نسبياً. كما أوضحت النتائج أيضاً تأثير حجم الشركة على تبني التكنولوجيا، فهناك انخفاض في معدل التبني داخل الشركات الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالشركات الكبيرة. بالإضافة إلى اختلاف تأثير التقنيات الرقمية على الإنتاجية باختلاف أنواع التكنولوجيا وعبر الشركات ذات الخصائص المختلفة.

بجانب الاستثمارات غير الملموسة، فإن التمويل الرقمي Fintech يلعب دوراً أساسياً في رفع الإنتاجية الرقمية، وهو يعني الابتكارات الرقمية في القطاع المالي كاستخدام الهواتف الذكية والمنصات الرقمية من أجل الخدمات المصرفية والمالية، والاكتتاب التقني، والعقود الذكية، والاستشارات الآلية.

في هذا الإطار، هناك ثلاث مجموعات في صناعة التمويل: الوسطاء التقليديون كالبنوك وشركات التأمين، والتي تعمل على توسيع إنفاقها على تكنولوجيا المعلومات؛ وشركات التكنولوجيا المالية، والتي تحاول توسيع نطاقها إلى ما بعد أسواقها المتخصصة؛ وشركات التكنولوجيا الكبيرة التي أصبحت أكثر انخراطاً في التمويل، مثل: Alipay في الصين، وApplePay وAmazonPay في الولايات المتحدة.

وأحدث التمويل الرقمي ثورة في كيفية إنشاء الشركات وطرق تقديم المنتجات والخدمات بالإضافة إلى الطابع الديمقراطي في الوصول إلى الخدمات المالية. كما أسهم أيضاً في انخفاض تكلفة الخدمات المالية، وتحسين الشمول المالي، وتقليل التمييز، لكنه في الوقت نفسه خلق تحديات فيما يتعلق بالخصوصية، والتنظيم، وإنفاذ القانون، وحماية المستهلك، ومكافحة الاحتكار. 

وبالرغم من أن الصين هي الدولة الأكثر تقدماً وابتكاراً في التمويل الرقمي في العالم، فإن ابتكاراتها الرقمية ما زالت محلية، ويتوقف اندماج بكين في تطوير صناعة التمويل العالمية على الإرادة السياسة وإدراكها للمصالح الاقتصادية.

عدم المساواة الرقمية:

تعد التكنولوجيا من أهم هواجس العمال عبر الزمن، حيث يتخوف العامل عادة من استبداله بالآلة والتقنيات الحديثة، كما ساهمت جائحة كوفيد - 19 في ترسيخ ذلك التخوف من خلال زيادة التسوق عبر الإنترنت والعمل عن بُعد في العديد من الصناعات. لكن، يبدو أن تأثير التحول الرقمي والأتمتة غامض، إذ إن الروبوتات على سبيل المثال لها تأثير سلبي مباشر وغير مباشر على العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة بينما على العكس لها تأثير إيجابي على العمالة ذات المهارات العالية، بالتالي، يتضمن تأثير التحول الرقمي والأتمتة على التوظيف وعدم المساواة، ما يلي:

1) إلغاء بعض المهام أو الوظائف مما يساهم في مزيد من عدم المساواة.

2) ظهور وظائف جديدة تُعاون الأتمتة وتقدم السلع والخدمات الرقمية الجديدة، مما يساهم في زيادة تفاوت الدخل بسبب زيادة الطلب على المهارات المرتفعة.

3) خلق فرص عمل لمواجهة الزيادة في إجمالي الطلب بسبب زيادة الإنتاجية الإجمالية.

نظراً للتحديات التي يواجهها العديد من العمال مع التطور التكنولوجي، لاسيما ممن ليست لديهم شهادات جامعية، تحتاج الدول الاقتصادية الكبرى إلى أجندة سياسية قوية لمساعدة هؤلاء العمال على التكيف مع الواقع، بحيث تتضمن تطوير أنظمة التعليم والتدريب، وتشجيع أصحاب العمل على استخدام التكنولوجيا لخلق وظائف جيدة، وأيضاً دعم الأجور والاهتمام بقوانين الهجرة والتقاعد، بالإضافة إلى إصلاح النظام الضريبي (من خلال فرض ضرائب أعلى على رأس المال الملموس وغير الملموس أو ضرائب أقل على العمالة). 

تساهم تلك الاستراتيجية في تحقيق الاستقرار من خلال التأثير على وتيرة الابتكار واتجاهه؛ ودعم سياسات تعويض العمال الذين تركوا وظائفهم ومنع زيادة عدم المساواة في الدخل. كما يمكن أيضاً إعادة توزيع الدخل الناتج عن التغير التكنولوجي بين السكان من خلال أدوات ضريبية وشبكات أمان مناسبة.

وفي سياق متصل، توفر التقنيات الرقمية الجديدة ميزة تنافسية إضافية للشركات في السوق، لكن تختلف الشركات فيما بينها بشأن السير قدماً نحو إنترنت الأشياء والاستثمار في تلك التقنيات الرقمية. ونظراً لأن بيئة العمل متغيرة، فعلى الشركات الراغبة في تسريع التحول الرقمي تكثيف الاهتمام بتعليم وتطوير المهارات للعمال داخل الشركات، وليس فقط استقطاب عمال جدد. فالتعليم لا يقتصر على دور الحكومات والمؤسسات التعليمية التقليدية فقط، ولكن على الشركات الحالية المساهمة في تطوير التعليم وتعزيز العنصر البشري.

الحالة الكورية:

 يتأثر الاقتصاد الكوري الجنوبي بشدة بالتغيرات التكنولوجية الحديثة نظراً لأن دولة رائدة في التحول الرقمي. وبناءً على البيانات الواردة من أكثر من 33000 مؤسسة، فلوحظ ارتفاع عدم المساواة في كوريا خلال العقدين الماضيين، كما ساهم اتساع فجوة الأجور بين الشركات ذات الأحجام المختلفة في زيادة عدم المساواة في الدخل. فالشركات الأكبر حجماً هي ذات قدرة أعلى برأس مال بشري أفضل، واستثمارات رأسمالية أكبر، ونشاط ابتكاري أعلى. مع ذلك، فإن الشركات الصغيرة تهيمن على معظم الصناعات الكورية. وعليه، يساهم الأداء غير المتجانس بين الشركات ذات الأحجام المختلفة في تفاوت الأجور. 

من ناحية أخرى، هناك دلائل على أن التغيير التكنولوجي في كوريا ساهم في زيادة عدم المساواة في الدخل، وبالتالي ارتفاع تفاوت الدخل الأسري، خاصة خلال الفترة 1996-2006. ومن المثير للاهتمام أن حجم العمالة داخل الاقتصاد الكوري مستقر، وذلك نتيجة اعتبار رأس المال البشري مكمل للتكنولوجيا. مع العلم أن الطلب على العمالة ذات المهارات عالية المستوى آخذ في ازدياد، حتى وإن انخفض إجمالي الطلب على العمالة، مما يترتب عليه زيادة التفاوت في الأجور. وأخيراً، فإن أحد أسباب تفاوت الدخل الأسري هو العدد المتزايد للأسر ذات الدخل المزدوج الناتج عن زيادة مشاركة المرأة في العمل.

من أجل تخفيف التفاوت في الأجور وعدم المساواة لابد من مراجعة النظام وتغيير نهج السياسة لتحقيق القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة عن طريق استهداف النمو المحتمل والربحية. كما يجب على الحكومة الكورية إعادة النظر في الإطار التنظيمي وتطوير استراتيجية طويلة المدى لتحديث قطاع الخدمات، وإعادة توجيه السياسات من أجل حث العمالة على التحول إلى أنماط الإنتاج ذات القيمة المضافة العالية والأوسع نطاقاً. وكذلك، لابد من تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لدعم الانتقال الوظيفي.

ختاماً، بالرغم من الفوائد المتوقعة من التغيير التكنولوجي والتحول الرقمي على الشركات والمستهلكين، فإن ذلك التغيير قد يصاحبه اضطراب وضغوط أبرزها عدم المساواة في الدخل أو تقليل الوظائف. ويقترح الكتاب بعض الإجراءات التي يمكن تبنيها من قبل الحكومات والشركات من أجل تخفيف الآثار المصاحبة للتحول الرقمي والأتمتة كرفع كفاءة العمال عن طريق الاستثمار في تعليمهم وتدريبهم لتعلم مهارات جديدة تواكب التطور، وتعزيز أنظمة الضرائب والتأمين الاجتماعي وغيرها.

المصدر:

Zia Qureshi and Cheonsik Woo, eds. Shifting Paradigms: Growth, Finance, Jobs, and Inequality in the Digital Economy. (Brookings Institution Press, 2022).

الكلمات المفتاحية: المساواة الرقمية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات