أخبار المركز
  • مركز "المستقبل" يُطلق نسخة جديدة لموقعه الإلكتروني
  • تنظيم حلقة نقاش عن العلاقات الأمريكية - الصينية بحضور د. كريم القاضي، باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية في كلية فليتشر الأمريكية
  • كتاب جديد صادر عن مركز المستقبل بعنوان (جيوبوليتيك الغاز: مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في القرن الحادي والعشرين)
  • مركز المستقبل يصدر العدد 34 من دورية "اتجاهات الأحداث"
  • أصدر مركز "المستقبل" كتاباً جديداً بعنوان (الحرب الروسية – الأوكرانية.. عودة الصراعات الكبرى بين القوى الدولية)

من شنغهاي إلى سان بطرسبرغ:

روسيا تتجه من أوروبا إلى آسيا العظمى

06 مايو، 2015

image

إعداد: محمد أحمد عبدالنبي

أظهرت الأزمة الأوكرانية الأخيرة أن ثمة تغيراً في توجهات السياسة الخارجية الروسية التي باتت أكثر ميلاً للاقتراب من القارة الآسيوية، وعلى وجه التحديد "الصين"، وأكثر تفضيلاً للابتعاد عن الولايات المتحدة وأوروبا عما كانت عليه في الماضي ، وهو ما يعني أن عصر التكامل الروسي مع الغرب قد انتهى، وأن موسكو سوف تسعى في العصر الجديد إلى توسيع علاقتها مع القوة غير الغربية.

هذا ما تؤكده دراسة نشرها "معهد كارنيجي للسلام الدولي ـ موسكو"، تحت عنوان "من أوروبا العظمى إلى آسيا العظمى.. التقارب الروسي - الصيني"، حيث تناول من خلالها "ديمتري ترينين"Dmitri Trenin  مدير مركز "كارنيجي موسكو"، ملامح التوجه الروسي نحو الصين في الآونة الأخيرة، ودوافعه السياسية والاقتصادية، ونتائج هذا التقارب على صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين من ناحية، وعلى تشكيل نظام عالمي جديد من ناحية أخرى.

الاهتمام الروسي بآسيا

أوضح الكاتب أن الاهتمام الروسي بآسيا سابق للأزمة الأوكرانية، حيث يقع جزء من دول القارة على حدود روسيا، وهو ما حدا بالرئيس "بوتين" خلال إلقاء خطابه السنوي بالبرلمان الروسي عام 2013، إلى التركيز على تطوير مناطق "سيبيريا والشرق الأقصى الروسي" تنموياً، مشيراً إلى السعي الروسي لتحقيق التوازن في علاقتها الخارجية مع كافة الفاعلين حول العالم (الولايات المتحدة والصين وأوروبا).

وأكد الكاتب على أن الأزمة الأوكرانية التي نشبت في فبراير 2014، والدعم الأوروبي للتمرد في منطقة دونباس الشرقية، قد غيَّر من السياسة الروسية؛ إذ جعلها تتحرر من الهيمنة الأمريكية وتتحدى واشنطن، الأمر الذي أدى إلى فرض عقوبات أوروبية وأمريكية عليها على الرغم من وجو د مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة بين الجانبين الأوروبي والروسي.

وأوضحت الدراسة أن ثمة آمالاً أمريكية كانت منعقدة على الموقف الصيني، وهو أن تدين بكين "الغزو الروسي" لشبه جزيرة القرم، وهو ما لم يحدث، حيث رفضت بكين إدانة السلوك الروسي، وامتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة المتعلق بهذه الأزمة.

المصالح الصينية

أكد الكاتب أن الدعم الأوروبي للثورة الأوكرانية مثَّل تهديداً واضحاً للمصالح الصينية بدرجة أكبر مما ممثله لروسيا نفسها، وهو ما جعل تعامل الرئيس "بوتين" مع شبه جزيرة القرم يحظى باحترام صيني، فضلاً عن أن المواجهة بين موسكو وواشنطن قد خففت من القلق الصيني بشأن إمكانية عقد اتفاق روسي - أمريكي، وسهلت من إمكانية تحقيق شراكة روسية - صينية.

هذا بالاضافة إلى استفادة الصين التجارية، حيث تم توقيع اتفاق لتوفير الغاز الروسي للصين بقيمة 400 مليار دولار على مدار 30 عاماً، كما استفادت بكين من الأزمة الأوكرانية من خلال وضع الصين في موقع المنتصف بين موسكو وواشنطن، حيث أصبحت تتمتع بعلاقات جيدة مع البلدين أكثر مما يتمتعا بعلاقات جيدة مع بعضهما البعض.

من جانب آخر أصبحت السياسة الخارجية الصينية في عهد الرئيس "أكسي جيبينغ" أكثر نشاطاً، حيث باتت العلاقات الصينية - الأمريكية أكثر تنافسية، وذلك بعد أن أصبح التوسع الصيني في الشرق صعباً، بينما أصبح الطريق للغرب مُحفزاً للصين لكي تحصل على الموارد والأسواق، وتبسط نفوذها في القارة الآسيوية، وهو ما تحقق بصفة رئيسية من خلال توطيد العلاقات مع روسيا.

الفاعلون الآسيويون الآخرون

اعتبرت الدراسة أن التحول الروسي نحو آسيا، لاسيما الصين، عقب الأزمة الأوكرانية، جاء نتاجاً لغياب الشركاء الآسيويين في المنطقة؛ فاليابان وافقت على العقوبات المفروضة ضد روسيا في ظل تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا تم تأجيل زيارة "بوتين" لليابان في أواخر عام 2014.

أما العلاقات الروسية - الكورية الجنوبية، فهي أفضل حالاً من الروسية – اليابانية، بسبب الحاجة الروسية للتكنولوجيا والاستثمارات الكورية، وإن كان التقارب الروسي مع كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان يتوقف على القدر الذي تسمح به واشنطن، والذي لا يثير غضبها.

وفيما يتعلق بالهند، فقد سعت روسيا لعدم تطوير العلاقات معها، وكذلك مع فيتنام، إلى مستوى نوعي جديد بسبب عدم استجابة روسيا للتطلع الهندي للتنمية الاقتصادية، إضافة لعدم تصدر الهند قائمة أولويات السياسة الخارجية الروسية. وبالنسبة لفيتنام، فعلى الرغم من أهميتها لروسيا كونها البوابة الرئيسية للانضمام لتجمع دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، بيد أن علاقة موسكو بدول جنوب شرق آسيا تتسم بالضعف بسبب التراجع الروسي الاقتصادي والمالي.

ورأت الدراسة أن الأزمة الأوكرانية والصعوبات الاقتصادية الروسية قد غيَّرت من طبيعة العلاقات بين روسيا ودول وسط آسيا، فبينما سعت كازاخستان قبل هذه الأوضاع للانضمام للاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، بيد أن الأزمة أدت إلى تحفظ كازاخستان على العلاقات مع روسيا.

العلاقات الروسية ـ الصينية

أكدت الدراسة على عمق التعاون الروسي - الصيني، بسبب المصالح المشتركة بين البلدين فيما يتعلق بالشؤون العالمية؛ فالبلدان يشتركان في توافر الرغبة لديهما لكي تصبحا قوتين تتمتعان بحرية الحركة عالمياً، كما يرفض قادتهما الحملات الغربية الأمريكية ضد قضايا حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي وهيمنة الولايات المتحدة على الإنترنت وغيرها من القضايا الأخرى، حيث يرى الطرفان أن كل ذلك يعتبر بمثابة أدوات أمريكية لانتقاص سيادتهما وإشعال الثورات ببلدانهما.

كما تشترك موسكو وبكين منذ أواخر التسعينيات في أن نظام "التعددية القطبية" هو الشكل الأمثل للمجتمع الدولي؛ وحتى عام 2014 كانت روسيا تسعى لإيجاد مكان لنفسها من خلال العضوية في مجموعة الدول الثماني الكبرى، والشراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما لا يبدو أنه يتحقق في ظل التداعيات المستمرة للأزمة الأوكرانية.

وقد نظرت الصين بارتياح لانتهاء الشراكة الروسية - الغربية بعد هذه الأزمة، وإن لم تصرح بكين بذلك علانية، فقد حدث تلاقٍ روسي – صيني، خاصةً فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية التي برها الطرفان تهدف إلى نشر الفوضى في الشرق الأوسط، وخلق عدم استقرار في المحيط الصيني (هونج كونج، والتبت) لعزل الصين وتقويضها، ونقل تحالف "الناتو" بالقرب من روسيا لإحباط خطط التكامل الروسية في أوراسيا.

وعلى هذا الأساس، قامت الصين بدعم روسيا فيما يتعلق بالأزمة في أوكرانيا؛ حيث رأت أنه ليس من مصالحها الأمنية والاقتصادية والجيواستراتيجية أن ترى موسكو مهزومة من قِبل واشنطن، أو أن يسودها الفوضى لأن ذلك يمثل خطراً على بكين. وعليه، فقد اعتبرت الضغط الأمريكي على روسيا وعقابها بمثابة إنذار للقوى غير الغربية خاصةً الصين.

وفي هذا الصدد، أكد الكاتب أن الصين وروسيا يعقدان أن الهيمنة الأمريكية على العالم بدأت تضعف، وأن العالم يتجه نحو نظام عالمي أكثر حرية يعطي كلا من بكين وموسكو حرية حركة أكبر. وغني عن البيان العلاقات الطيبة التي تجمع بين الرئيسين الصيني والروسي الحاليين، وهو ما يوفر مُحفزات جديدة لتطوير العلاقات بين البلدين.

الطريق إلى آسيا العظمى

أوضحت الدراسة أن مستويات التعاون الصيني - الروسي مُرشحة لكي تتطور في عدد من القضايا الرئيسية، وأن تصبح آسيا العظمى من شنغهاي إلى سانت بطرسبرغ، وهو ما سيحدث في مجال الطاقة من خلال تطور التعاون الثنائي بين البلدين، لأن الصين سوف تصبح أكبر مستهلك للبترول الروسي، بعد أن يسمح لها بالوصول إلى المصادر الهيدروكربونية الروسية، كما سيحدث تطوير هائل في مجال البنية التحتية عن طريق استثمار الصين في تطوير البنية الروسية البرية والبحرية.

أما في مجال التمويل، فقد أعلنت بكين عن رغبتها في أن تتوسع في منح القروض لموسكو، كما سيؤدي التوسع الروسي في استخدام "اليوان" الصيني إلى فتح طريق للعملة الصينية لكي تحتل مكانة بارزة، وأن تصبح العملة الاحتياطية الإقليمية المحتملة في منطقة أوراسيا.

وعلاوة على ذلك، يتوقع أن تصر الصين على تحويل التكنولوجيا العسكرية الروسية المتقدمة إليها "صواريخ الدفاعية والجوية"، خاصة أن البلدين عقدا منذ عام 2005 تدريبات عسكرية مشتركة، ونجحا في تحقيق مستوى مقبول من التوافق بين قوتهما.

أيضاً، وفيما يخص الشرق الأوسط، فإن الصين وروسيا مرشحتان للتعاون في قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني، والتوافق بشأن قضايا الإقليم المختلفة في مجلس الأمن، وإطلاق مبادرات واستراتيجيات حول قضايا محددة مثل الأوضاع في سوريا.

وعالمياً، من المتوقع أن تلجأ الصين وروسيا إلى تقوية المؤسسات الدولية غير الغربية مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، ومجموعة البريكس (BRICS) التي تمثل الأحرف الأولى من أسماء دول (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا).

معالجة مشاكل العلاقات الروسية - الصينية

أكدت الدراسة أن علاقات روسيا والصين تحوي بعض المشاكل المتوارثة؛ فموسكو لا تريد أن تكون تابعة لبكين، كما ترفض روسيا أن تصبح شريكاً صغيراً لأي دولة بما فيها الصين، وذلك على الرغم مما فرضه وجوب الانضمام للقطب الصيني منذ الأزمة الأوكرانية عام 2014. وتتعهد الصين في المقابل بأن تسود علاقات قوامها المساواة والثقة المتبادلة وليس العلاقة الهيراركية، وهو ما سيتم اختباره مستقبلاً.

وثمة خلاف حدودي بين البلدين، والذي تم الإعداد لتسويته خلال الفترة من عام 1991 وحتى عام 2004، وهو ما يفترض أن يكون ذو أهمية، وإلا فإن حالة الاغتراب بين البلدين ستتزايد.

وفي وسط آسيا، ثمة احتمال لحدوث احتكاك أو نزاع روسي- صيني، خاصة في ظل المساعي الروسية للاندماج مع الجمهوريات السوفيتية السابقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من خلال الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، غير أن الصين قد أظهرت ذكاءً في التعامل مع هذه القضية، حيث تحترم الخطوط الحمراء الخاصة بتأسيس تحالفات سياسية وقواعد عسكرية في الفضاء السوفيتي السابق.

وأوضحت الدراسة أنه في ظل إدراك روسيا لحجم ضعفها، فإنها ستسعى لإحداث توازن مع الدول الآسيوية العملاقة "الصين والهند"، وأنها سوف تسعى  لتطوير العلاقات معهما لتحقيق هدفين، أولهما أن تحتفظ بموقعها كمُوفر للمعدات العسكرية للقوات المسلحة الهندية، وأن تعطي بكين أسلحة تكنولوجية أكثر تطوراً، وهو ما لا تفضله الهند.

الآثار المستقبلية للتحالف الصيني ـ الروسي

ذكرت الدراسة أن التقارب الروسي ـ الصيني سيجعل بكين لاعباً رئيسيأ في منطقة أوراسيا، وسيجعلها تستفيد من الموارد الروسية "الهيدروكربونية والمياه"، إضافة إلى اكتسابها لعمق استراتيجي، وتحقيقها تقدماً ملحوظاً في تفوقها القاري، فضلاً عن تخفيف العزلة الأمريكية على روسيا.

وأكدت أن ذلك يوف يؤثر على منطقة أوراسيا، خاصةً أفغانستان ووسط آسيا، ويقلل من التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط في مقابل زيادة اهتمامها بالساحل الآسيوي من اليابان وحتى سنغافورة، لمنع الهيمنة الصينية عليه.

كما يواجه الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل العزلة عن روسيا، وكذلك الأمر للكيانات الأوروبية التي تقودها روسيا مثل الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، حيث أصبح الاتحاد الأوروبي وروسيا متنافسين في عدد من القضايا الجيوسياسية، وهو ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الاعتماد على الناتو والولايات المتحدة.

أما اليابان، فنتيجة لفقدان الخيار الروسي بعد أن انضمت الأولى للعقوبات الغربية ضد موسكو، فإنه يتحتم عليها تقوية تحالفها العسكري والسياسي بالولايات المتحدة، خاصة في ضوء احتمال عدم حياد روسيا مستقبلا فيما يخص النزاع بين اليابان والصين حول جزيرة سينكاكو.

وسوف يؤثر التقارب الصيني - الروسي على الهند أيضاً، بما يدفعها إلى لعب دور أكثر نشاطاً في مثلث القوى الآسيوية الكبرى خاصة في منظمات مثل شنغهاي وغيرها.

أما فيما يتعلق بشبه الجزيرة الكورية، فإن روسيا والصين سيعملان بالتوازي مع بعضهما البعض، وفي حالة نشوب أزمة بين الكوريتين، فإن بكين وموسكو سينسقان سياستهما، وسيتم تفويض الصين - بحكم مصلحتها - للتصرف.

وفيما يتعلق بقضايا الحكم العالمي، فإن الصين وروسيا سوف يأخذان زمام المبادرة وليس فقط اتباع الولايات المتحدة أو معارضتها.

مجمل القول، سوف تتمكن روسيا مع الصين من تحقيق توازن في مواجهة الغرب، لكن من غير المحتمل أن تُشكل موسكو وبكين تكتلاً لمعارضة الغرب عسكرياً، كما ستكون العلاقات الروسية ـ الصينية أكبر من الشراكة الاستراتيجية الموجودة بينهما منذ تسعينيات القرن الماضي.

* عرض مُوجز لدراسة نشرت تحت عنوان: "من أوروبا العظمى إلى آسيا العظمى.. التقارب الروسي - الصيني"، المنشورة في أبريل 2015، عن "معهد كارنيجي ـ موسكو" التابع لمعهد كارنيجي للسلام الدولي.

المصدر:

Dmitri Trenin, From Greater Europe To Greater Asia? The Sino-Russian Entente (Moscow, Carnegie Moscow Center, April 2015).