أخبار المركز
  • برنامج الاستشراف الاستراتيجي بمركز المستقبل ينشر دراسة بعنوان (أكثر شباباً في عالم أكثر شيخوخة: مستقبل نمو السكان في الشرق الأوسط)
  • متاح ملف جديد بعنوان (توقعات 2024: الاتجاهات المستقبلية لـ12 قضية في العالم والشرق الأوسط)
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)

فرصة للمماطلة:

تداعيات الأزمة الأوكرانية على المفاوضات النووية في فيينا

11 مارس، 2022


كشفت مصادر إيرانية لم تُحدد، في 28 فبراير الماضي، عن عودة كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني، إلى المحادثات في فيينا، مضيفة أنه تقدم بمطالب جديدة لبلاده، مع الاستمرار في المطالب الحالية، ومنها إلغاء إدراج "الحرس الثوري الإيراني" على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية الأجنبية.

وجاءت عودة باقري كني عقب اندلاع الأزمة الروسية – الأوكرانية على خلفية إقدام موسكو على الاعتراف بجمهوريتي لوجانسك ودونتيسك في إقليم الدونباس شرق أوكرانيا، وهو ما أعقبه اجتياح عسكري روسي للأراضي الأوكرانية وصل إلى مشارف العاصمة كييف.

ارتدادات مباشرة:

أعربت إيران عن دعمها للموقف الروسي في مقابل توجيهها اللوم للغرب بأنه هو المتسبب في الأزمة الأوكرانية، وهو ما صرّح به المرشد الأعلى علي خامنئي، في الأول من مارس الجاري، وكان لهذه الأزمة ارتدادات واضحة على موقف إيران من المفاوضات في فيينا، والذي يمكن استعراضه على النحو التالي:

1- التشدد في المطالب: تستغل إيران انشغال المجتمع الدولي بالصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا والذي بدأ، في 24 فبراير الماضي، في مواصلة المماطلة والتعنت ووضع العراقيل أمام المفاوضات النووية، والتي يُفترض أنها وصلت إلى مراحلها النهائية. إذ أعربت طهران عن رفضها "موعد نهائي" لإتمام المباحثات، في اعتراض صريح للمحاولات الأمريكية والأوروبية لوضع سقف زمني لانتهاء المفاوضات.

كما أعلنت طهران، غداة عودة باقري كني إلى فيينا، تأكيدها أن القضايا الرئيسية بالمفاوضات لم يتم التوصل إلى حلول لها بعد، وأبرزها مسألة إلغاء العقوبات وتقديم الضمانات بعدم انسحاب واشنطن مستقبلاً من الاتفاق، وهي المطالب التي أكدت واشنطن استحالة تقديمها ليس فقط سياسياً، وإنما أيضاً لأسباب دستورية تتعلق بموافقة الكونجرس الأمريكي الذي يعارض مقاربة إدارة بايدن في التعامل مع طهران من الأساس ويرى أنها غير حازمة.

وقد أدت تلك المواقف من جانب إيران إلى توجيه الأطراف الأوروبية التحذير لها، بأنها "تلعب بالنار"، مثلما حذر المفاوض الفرنسي في فيينا فيليب إيريرا، مؤكداً ضرورة عدم ذهاب إيران "أبعد مما يجب" في المطالب.

2- استمرار التصعيد النووي: أعلنت طهران، في اليوم التالي لبدء العمليات العسكرية الروسية تجاه أوكرانيا، عن الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بمستويات 60%، مؤكدة أن ذلك هو الضمانة الحقيقية للاتفاق المزمع توقيعه مع الغرب، إي أنه في حال أخل الأخير ببنود الاتفاق ستقوم إيران بالعودة مباشرة إلى تسريع وتيرة تخصيبها اليورانيوم والوصول بها لمستويات تسمح لها بصنع السلاح النووي.

هذا إلى جانب، تمسك إيران بما توصلت إليه من خبرة نووية جراء انتهاكها بنود الاتفاق الموقع في 2015، إذ أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، عقب اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حول مناقشة تطورات المفاوضات في فيينا، أنه من غير المقبول أن تتم إزالة البنية التحتية النووية.

ويضاف إلى ما سبق رفض إيران تقديم تفسيرات بشأن وجود آثار يورانيوم تم العثور عليها في أربعة مواقع شهدت أنشطة نووية سرية لم تبلغ عنها إيران في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 2015، وهو ما طالبتها به الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون رد من قبل إيران، ويُعد هذا الأمر من القضايا الرئيسية العالقة في المفاوضات بفيينا.

3- مواصلة تطوير البرنامج الصاروخي: تواصل إيران تطوير قدراتها الصاروخية في محاولة منها لإيصال رسائل ضغط لواشنطن والأطراف الأوروبية، وذلك بالتزامن مع بلوغ المفاوضات في فيينا مراحل حاسمة، إذ تم الكشف، في 2 مارس الجاري، عن محاولة فاشلة قامت بها إيران، بشأن إطلاق صاروخ "ذو الجناح" الذي كان يحمل أقماراً صناعية إلى الفضاء، والذي يعمل بالوقود الصلب في مرحلتيه الأولى والثانية، إلى جانب الوقود السائل في المرحلة الثالثة.

وتأتي هذه المحاولة من جانب إيران للتغطية على إخفاق الصاروخ "سيمرغ" في وضع قمر صناعي في المدار بعد إطلاقه، في 31 ديسمبر الماضي، وهي محاولات يعتبرها الغرب تجارب تهدف إلى حمل أسلحة نووية، وهو ما يُعد، من وجه نظر واشنطن والغرب، خرقاً للقرار الدولي رقم 2231 بشأن منع إيران من القيام بأنشطة تتعلق بتطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما تنفيه الأخيرة بدعوى أن تلك الصواريخ غير مخصصة لهذا الغرض.

4- تعزيز النفوذ الإقليمي: تسعى إيران إلى توظيف الانشغال الروسي بالأزمة الأوكرانية في محاولة لتعزيز هيمنتها على سوريا، خاصة أن هذه الهيمنة كانت تواجه بتحد روسي، سواء على المستوى الاقتصادي، عبر محاولة موسكو تقليص التمدد الاقتصادي الإيراني في سوريا، أو على المستوى العسكري، عبر التفاهمات بين روسيا وإسرائيل على توجيه الأخيرة ضربات ضد النفوذ الإيراني في سوريا.

وتأتي زيارة رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك، إلى طهران ولقاؤه علي شمخاني في 27 فبراير الماضي، وهو اللقاء الأول المعلن منذ عامين بين أبرز مسؤولين أمنيين في البلدين الحليفين لروسيا، للتعبير عن رغبة طهران في فتح آفاق جديدة للتعاون مع موسكو في سوريا، استغلالاً للتطورات الدولية الأخيرة، وانشغال موسكو المحتمل بأوكرانيا.

تداعيات مُحتملة: 

قد يُسفر هذا الموقف المتشدد من جانب إيران، بالإضافة لتطورات الأزمة بين روسيا وأوكرانيا عن عدد من التبعات على مسار فيينا والتي يمكن إلقاء الضوء على أبرزها كالتالي:

1- فشل المفاوضات: قد يفضي الموقف الإيراني والذي أضحى أكثر تشدداً عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية وعودة كبير مفاوضيها من طهران، ومطالبتها بشروط جديدة، وتأكيدها أن تلك الشروط هي خطوط حمراء لا يمكن الحيد عنها، إلى مزيد من التعقيد في المفاوضات، والذي قد يُنذر بفشل مسار المفاوضات أو تأجيل توقيع الاتفاق إلى أجل غير مسمى. 

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة "كيهان" التابعة للمرشد الأعلى في إيران، أن "عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من الاتفاق السيئ"، كما أوضحت صحيفة "وطن امروز" المقربة من الحرس الثوري أن البلاد لن تبقى في انتظار المفاوضات، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره تمهيداً للإعلان عن فشل المفاوضات.

ومن جانب آخر، قد تلقي الأزمة بين روسيا والولايات المتحدة حول أوكرانيا بظلالها على مسار التفاوض في فيينا مع إيران، إذ قد تؤدي إلى خلط الأوراق بين روسيا وأمريكا، وعدم فصل خلافاتهما وانهيار الوفاق والتنسيق بينهما في المفاوضات.

2- إبرام اتفاق مرحلي مع إيران: قد تسفر مواصلة إصرار إيران على تنفيذ كامل مطالبها كشرط مبدئي للعودة للاتفاق النووي، إلى التوجه نحو التركيز على توقيع اتفاق مرحلي بين الجانبين في الوقت الحالي، إذ قد يدفع ضغط الأزمة الأوكرانية الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية، إلى توقيع اتفاق متعجل مع إيران، لتهدئة الجبهة معها، والتفرغ للأزمة مع روسيا. 

كما قد تدفع الأزمة الأوكرانية إيران نفسها إلى محاولة استغلال الأزمة من أجل تسريع جهودها إلى تهريب نفطها، خاصة أن الأزمة الأوكرانية ساهمت في ارتفاع أسعار النفط، وأثارت مخاوف الدول من إمكانية وجود نقص في المعروض، فضلاً عن الانشغال الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا.

3- إطالة أمد المفاوضات: ربما تؤدي الأزمة بين روسيا وأوكرانيا إلى انشغال الولايات المتحدة عن توقيع الاتفاق، خاصة أن الإدارة الأمريكية تتحاشى تبني مواقف حاسمة ضد إيران، خوفاً من انهيار الاتفاق، خاصة أنها، فيما يبدو، لا تملك أي بدائل أخرى، وهو الأمر الذي قد يساعد إيران على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي، وإسقاط التوقيتات الزمنية التي وضعها الغرب لإبرام الاتفاق. 

وفي الختام، لا شك أن تداعيات الأزمة الأوكرانية قد أثرت سلباً على مسار مفاوضات البرنامج النووي، غير أنها لم تؤثر، حتى الآن، على التحالفات الإقليمية القائمة، إذ إنها لم تدفع طهران وموسكو معاً، بسبب التباين المصلحي بين الجانبين حول سوريا، كما أنها لم تنجح في تحسين العلاقات بين طهران من جانب، والدول الغربية من جانب آخر، نظراً لأن مستويات إنتاج إيران من الغاز الطبيعي الحالية يستهلك أغلبها داخلياً، ولا يمكن أن تشكل صادراتها المحدودة منه بديلاً، ولو بشكل جزئي للغاز الروسي الذي تعتمد عليه الدول الأوروبية.