أخبار المركز
  • برنامج الاستشراف الاستراتيجي بمركز المستقبل ينشر دراسة بعنوان (أكثر شباباً في عالم أكثر شيخوخة: مستقبل نمو السكان في الشرق الأوسط)
  • متاح ملف جديد بعنوان (توقعات 2024: الاتجاهات المستقبلية لـ12 قضية في العالم والشرق الأوسط)
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)

معضلة الرئيس:

جهود تشكيل الحكومة العراقية بعد استبعاد هوشيار زيباري

16 فبراير، 2022


أعلن الإطار التنسيقي في العراق، في 10 فبراير عن مبادرة لاحتواء أزمة تشكيل الحكومة العراقية، وذلك بالتزامن مع استمرار رفض الحزبين الكرديين التوافق على مرشح مشترك لمنصب رئيس العراق، حتى بعد إعلان المحكمة الاتحادية العليا، في 13 فبراير، استبعاد مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري من السباق الرئاسي، على خلفية اتهامات سابقة له بالفساد. 

تطورات تشكيل الحكومة: 

شهدت الساحة العراقية تطورين مهمين في إطار الجهود المبذولة لتشكيل حكومة جديدة. ويمكن توضيحهما على النحو التالي: 

1- مبادرة الإطار التنسيقي: طرح التنسيقي مبادرة على الصدر في محاولة منه للضغط عليه لقبوله كطرف في الحكومة العراقية القادمة. وجاءت أبرز بنود المبادرة في تحقيق الإجماع السياسي، أي تشكيل حكومة توافقية تضم القوى كافة الفائزة في الانتخابات، فضلاً عن الاتفاق بين الإطار التنسيقي والصدر على تحديد الكتلة الأكبر في البرلمان، أي أن التنسيقي لايزال يراهن على وحدة البيت الشيعي، وأن يتحالف هو والصدر ليشكلا معاً الكتلة الأكبر. وكذلك الاتفاق على معايير لاختيار رئيس الوزراء الجديد، وهو ما يمثل إصراراً من الإطار التنسيقي على إقصاء رئيس الوزراء العراقي الحالي، مصطفى الكاظمي. 

ويلاحظ أن المبادرة هذه المرة تجاهلت عدداً من الملفات الخلافية بين الصدر والتنسيقي، والمتعلقة بحصر السلاح في يد الدولة ومحاكمة الفاسدين، في إشارة إلى نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق. وبمراجعة البنود السابقة، نجد أن الإطار التنسيقي لم يقدم أي تنازلات حقيقة للصدر، إذ إنه لايزال يصر على أغلب مطالبه، بل إن القضايا التي لم تشر إليها المبادرة لا تعني أن التنسيقي سوف يتنازل عنها، خاصة فيما يتعلق بسلاح الميليشيات. 

2- إقصاء هوشيار زيباري من سباق الرئاسة: أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً في 13 فبراير الجاري، باستبعاد وزير الخارجية الأسبق، هوشيار زيباري، من سباق الرئاسة، سواء حالياً أو مستقبلاً، استناداً إلى دعاوى قضائية تتعلق بالفساد وهدر المال العام. كما قررت المحكمة الاتحادية الإبقاء على الرئيس برهم صالح بمنصبه حتى انتخاب رئيس جديد.

وأكدت المحكمة أن الحكم صدر بالأكثرية وباتاً وملزماً للسلطات كافة استناداً لأحكام المواد (68 و93/ ثالثاً و94) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005. وجاء قرار المحكمة في وقت يحتدم فيه الخلاف على منصب رئاسة العراق بين الحزبين الرئيسين "الحزب الديمقراطي" و"الاتحاد الوطني"، على خلفية عدم توافقهما على ترشيح شخصية توافقية واحدة للمنصب.

تشدد الصدر وبارزاني:

يلاحظ أن التطورين السابقين قد لاقا ردود فعل عكست إصرار الصدر على مواصلة جهوده لتشكيل حكومة الأغلبية، فضلاً عن تصميم البارزاني على أن يكون مرشح رئيس الدولة من نصيب حزبه، وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

1- طرح الديمقراطي مرشحاً جديداً: أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، في 14 فبراير، ترشيح وزير داخلية إقليم كردستان العراق، ريبر أحمد برزاني، لمنصب رئيس جمهورية العراق، إثر استبعاد هوشيار زيباري. 

ويعكس طرح الديمقراطي مرشحاً جديداً إصراره على منافسة الاتحاد الوطني على المنصب، الذي لطالما كان من نصيب الأخير بناء على اتفاق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، والذي كان يقضي بأن تؤول رئاسة إقليم كردستان العراق إلى الديمقراطي، مقابل حصول الاتحاد الوطني الكردستاني على رئاسة العراق، قبل أن يطالب الديمقراطي بتغيير هذا الاتفاق، وأن يكون الحزب الذي يرشح الرئيس هو الحزب الكردي الفائز بأغلب أصوات الأكراد، أي الديمقراطي الكردستاني. 

2- رفض الصدر مبادرة التنسيقي: لم يكشف الصدر عن موقف واضح من مبادرة التنسيقي، غير أنه كان من الواضح أن مآلها الرفض، خاصة بعد رفض الصدر في 8 فبراير الاستجابة لوساطة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، والتي كانت تطالب بنفس بنود التنسيقي، خاصة فيما يتعلق بتشكيل حكومة توافقية، كما كان يسعى لإقناع الصدر بقبول المالكي. 

ويلاحظ أن الصدر عرض على تحالف الفتح، وليس الإطار التنسيقي، أربع وزارات يقوم التحالف باختيار وزرائها، مستبعداً انضمام زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى الحكومة، وهو الموقف الذي يرفض الصدر التراجع عنه. 

دلالات التطورات السابقة:

يلاحظ أنه من مراجعة التطورات السابقة كافة، يمكن استخلاص عدد من الملاحظات، والتي يمكن توضيحها على النحو التالي:  

1- تراجع فرص الاتحاد الوطني: يصر الديمقراطي الكردستاني على طرح مرشح لرئاسة العراق، وفي المقابل، اتجه بافل طالباني، نجل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، والرئيس الفعلي للاتحاد الوطني، إلى لقاء قادة الإطار التنسيقي في بغداد في محاولة للحصول على دعمهم لمرشحه لرئاسة العراق، غير أن الأخير أخفق في تحقيق مبتغاه. 

فقد طالب التنسيقي طالباني بضرورة التوافق على مرشح تسوية مع بارزاني، وهو ما يكشف عن تراجع وزن التنسيقي، وإخفاقه في التأثير على المشهد السياسي، خاصة أن مقاعد التنسيقي والاتحاد الوطني مجتمعين لا تؤهلهما للوصول إلى الثلث المعطل، والتي تحتاج إلى حشد أصوات لا تقل عن 110 مقاعد.

2- اتجاه الصدر لترشيح الكاظمي: خطى الصدر خطوة إضافية في اتجاه تثبيت حكومة الأغلبية التي ينادي بها، وهو ما وضح في اجتماع الصدر مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في مقر إقامة الأول في الحنانة، وإعلان حساب تابع للصدر تعقيباً على اللقاء بعبارة "لا شرقية ولا غربية .. حكومة أغلبية وطنية"، وهو مؤشر على أن الصدر ماضٍ في اختيار الكاظمي كمرشحه لرئاسة وزراء العراق، خاصة بعد أن كشفت مصادر سياسية أن هناك توافقاً بين أطراف الاتفاق الثلاثي على الكاظمي، وهو بذلك يكون الصدر قد تجاوز مطالب التنسيقي، والتي كانت تعترض على الكاظمي. 

3- تراجع نسبي لخيار العنف: شهدت محافظة ميسان، جنوب العراق، وهي إحدى القواعد الجماهيرية للتيار الصدري، مواجهات عسكرية في فبراير 2022 بين التيار الصدري وفصائل عصائب أهل الحق المنضوية ضمن تحالف الفتح الذي ينتمي للإطار التنسيقي. 

وتجدر الإشارة إلى أن العصائب ما هي إلا حركة كانت في السابق جزءاً من التيار الصدري، قبل أن ينشق قائدها، قيس الخزعلي، عن الصدر، بدعم من إيران في 2006. ولذا، فإن المواجهات الأخيرة بينهما تحمل العديد من الدلالات السياسية، خاصة أنها جاءت مع تعثر المفاوضات حول تشكيل الحكومة، حيث شهدت المدينة عمليات اغتيال متبادلة بين التيار الصدري والعصائب. 

ومع تصاعد الأحداث اتفق الجانبان على تهدئة التوتر الأمني في المحافظة، والاتفاق على دعم ومساندة القضاء والأجهزة الأمنية من أجل أخذ الدور في فرض القانون والحد من الجريمة، وهو ما يؤشر على تراجع خيار العنف لدى القوى المقربة من إيران، ولو على الأقل مرحلياً.

وفي الختام، تكشف التطورات السابقة كافة عن إخفاق الإطار التنسيقي المرتبط بإيران في الضغط على الصدر للعدول عن تشكيل حكومة أغلبية في العراق، وعلى الرغم من أن إشكالية اختيار رئيس جديد للعراق قد أبطأت من جهود تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وفتحت فرصة للتنسيقي للضغط على الصدر للنظر في قبول مطالبه، غير إن انحسار مقاعد الأخير، وتراجع خيار العنف، ولو مرحلياً، يجعله من دون خيارات حقيقة أمام الصدر، وهو ما يعني اتجاه الصدر إلى تشكيل حكومة أغلبية بالتحالف مع السيادة والديمقراطي الكردستاني، في حالة تجاوز مسألة اختيار رئيس الدولة، والتي يرغب الصدر، حتى الآن، في أن تتم تسويتها داخل إطار البيت الكردي، أي بالتوافق مع الاتحاد الوطني الكردستاني.