تقديرات المستقبل

ضغوط أمريكية:

دلالات إطلاق أديس أبابا مبادرة للمصالحة الوطنية
الخميس، 13 يناير، 2022
ضغوط أمريكية:

أعلنت الحكومة الإثيوبية، في 7 يناير 2022، إطلاق سراح العديد من المعتقلين السياسيين البارزين في البلاد، وفي مقدمتهم قيادات من جبهة تحرير شعب تيجراي، فضلاً عن جوهر محمد، أحد أبرز المعارضين لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد. وتأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من إعلان أديس أبابا إطلاق حوار وطني شامل، تستهدف من خلاله حلحلة الأزمة الراهنة التي تمر بها البلاد.

مؤشرات إيجابية

شهدت الأزمة الإثيوبية خلال الأسابيع الأخيرة عدة مؤشرات إيجابية تتعلق باحتمالات حدوث تهدئة للحرب الأهلية التي اندلعت في البلاد منذ أكثر من أربعة عشر شهراً، ويمكن عرض هذه المؤشرات على النحو التالي:

1- الإفراج عن معتقلين سياسيين: أعلنت الحكومة الإثيوبية، في 7 يناير الجاري، العفو عن العديد من المعتقلين السياسيين، ومن بينهم عناصر قيادية داخل جبهة تحرير تيجراي، فضلاً عن قيادات من إثنية الأورومو والأمهرة، وهو ما يؤشر على سعي أحمد للتوصل لتسوية دائمة للأزمة الراهنة في البلاد من خلال حوار وطني شامل، خاصة أن الإفراج عن المعتقلين جاء عقب إطلاق أحمد، دعوة للسلام والمصالحة الوطنية بمناسبة أعياد الميلاد الأرثوذوكسي. 

وشمل العفو نحو 37 من المعتقليين السياسيين، منهم سبحات نيجا المعروف بـ"أبوي سبحت"، أحد مؤسسي جبهة تحرير التيجراي، والذي اعتقل في الأسابيع الأولى من اندلاع الحرب ضد تيجراي، وعدد من قيادات جبهة تحرير تيجراي، منهم الرئيس السابق للإقليم، آباي ويلدو، والسفير الإثيوبي السابق لدى السودان، أيادي زيمو، فضلاً عن جوهر محمد، زعيم جماعة الأورومو، التي تشكل أكثر من ثلث سكان إثيوبيا، والذي كان حليفاً لآبي أحمد في البداية قبل أن يصبح أحد أبرز معارضيه، بالإضافة إلى زميله في المؤتمر الفيدرالي لأورومو، بيقلي جربا، فضلاً عن أباي ويلدو، وكذلك إسكندر نيغا، رئيس حزب "بالدراس" المعارض، والذي كان قد اعتقل في يوليو 2020.

2- الإعلان عن حوار وطني شامل: وافق مجلس الوزراء الإثيوبي، في 10 ديسمبر 2021، على تشكيل لجنة للحوار الوطني كمؤسسة مستقلة تتولى مسؤولية إدارة الحوار الوطني الشامل، كما وافق البرلمان الإثيوبي في 29 من الشهر ذاته على اقتراح مجلس الوزراء بشأن إنشاء لجنة الحوار.

3- دعم دولي وأممي: رحب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في 10 يناير الجاري، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة الإثيوبية، بخطوة إطلاق سراح زعماء المعارضة، مؤكداً أن واشنطن ملتزمة بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والشركاء الإقليميين لمساعدة الإثيوبيين على التوصل إلى حل سلمي للنزاع، وإن عبر عن قلقه من استمرار الاعمال العدائية في إقليم تيجراي، مطالباً بضرورة وقف إطلاق النار والبدء في عملية التفاوض.

وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، عن ترحيبه بهذا العفو من قبل الحكومة الإثيوبية، مشيراً إلى التزام الأمم المتحدة بمساعدة أديس أبابا في إنهاء القتال واستعادة السلام والاستقرار، داعياً إلى ضرورة بناء الثقة من خلال الاتفاق على وقف الأعمال العدائية ووقف دائم لإطلاق النار، فضلاً عن إطلاق عملية مصالحة شاملة قائمة على الحوار الوطني.

كذلك، أعلن ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في 8 يناير الجاري، أن قيام أديس أبابا بإطلاق سراح بعض قادة المعارضة، فضلاً عن إنشاء لجنة الحوار الوطني، تمثل خطوة إيجابية، مشيراً إلى أن الحوار الوطني يمثل الخيار الوحيد من أجل التوصل إلى حل سلمي ودائم في إثيوبيا، وكذلك أعلن الاتحاد الافريقي عن دعمه للخطوات الأخيرة من قبل الحكومة الاثيوبية.

دوافع متعددة

أثار قرار الحكومة الإثيوبية بإنشاء لجنة للحوار الوطني، وما أعقبها من قرار بالعفو عن عدد من المعتقلين السياسيين، العديد من التساؤلات بشأن دوافع هذه الخطوة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- التجاوب مع الضغوط الأمريكية: رجحت العديد من التقديرات وجود تنسيق إثيوبي مع الولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب الأهلية، وأن قرار العفو عن المعتلقين السياسيين كان أحد مخرجات هذا التنسيق، خاصةً بعد الزيارة التي قام بها المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة القرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، إلى أديس أبابا، في 6 يناير الجاري، وذلك في زيارته الأخيرة للمنطقة قبل مغادرته منصبه.

كما يلاحظ أن الضغوط الأمريكية طالت كذلك جبهة تحرير شعب تيجراي، وهو ما وضح في إعلان الناطق الرسمي باسم الجبهة، غيتاتشو رضا، بأنهم قرروا الانسحاب من منطقتي أمهرة وعفر والتراجع إلى منطقة تيجراي في 21 ديسمبر 2021. 

ويعكس ما سبق أن الولايات المتحدة لاتزال تتمتع بنفوذ قوي في المنطقة، وعلى طرفي الصراع في إثيوبيا، وهو ما جعلها قادرة على إيجاد تسوية سياسية للأزمة، وذلك على الرغم من التصريحات العدائية التي كانت تصدر أحياناً من الحكومة الإثيوبية، والتي يبدو أنها كانت تهدف إلى تعزيز شعبية آبي أحمد عبر تصويره بأنه يتحدي واشنطن.

2- تعزيز شرعية آبي أحمد: عمدت أديس أبابا لإظهار إنفتاحها على عملية التفاوض وعدم تشبثها بالمسار العسكري، وذلك عبر إطلاق عملية الحوار الوطني، لذا جاء قرار أديس أبابا بالإفراج عن عدد من المعتقليين السياسيين في محاولة لتأكيد جديتها في المصالحة، بالإضافة إلى تعزيز شرعية آبي أحمد المتآكلة بسبب الحرب الأهلية، خاصة أن الحرب التي شنّتها الحكومة الإثيوبية ضد جبهة التيجراي قد أثبتت عقم المسار العسكري.

3- تجنب استنزاف الدولة: أفرزت الحرب الأهلية في أديس أبابا العديد من التداعيات السلبية على الداخل الإثيوبي، اقتصادياً وأمنياً، وبالتالي تسعى حكومة آبي أحمد إلى اللجوء إلى المسار التفاوضي، لإتاحة المجال أمام إعادة بناء قواتها التي انهكتها الحرب، فضلاً عن إعادة تنشيط اقتصادها المتدهور بسبب تبعات الحرب الأهلية. 

وأكد ذلك تصريحات وزارة المالية المالية الإثيوبية التي كانت قد أعلنت أن أديس أبابا تحتاج إلى إقرار ميزانية تكميلية بقيمة 2.5 مليار دولار لإعادة بناء المناطق التي تضررت بسبب الحرب، لذا يمكن فهم الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الإثيوبية في إطار مساعيها للحصول على قروض من المؤسسات الدولية، فضلاً عن محاولات إنهاء تجميد المساعدات الغربية التي كانت تحصل عليها، خاصةً من الولايات المتحدة.

انتكاسات محتملة

في إطار المعطيات السابقة، تعكس الخطوات الأخيرة التي أقدمت عليها الحكومة الإثيوبية العديد من الدلالات المهمة، يمكن عرضها فيما يلي:

1- انتهاكات إثيوبية مستمرة: على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي عكستها خطوة الإفراج عن المعتقلين السياسيين، بيد أن احتمالات تعثر مسار المصالحة الوطنية لا يزال قائماً، فبعد يوم واحد فقط من إعلان أديس أبابا قرار العفو عن المعتقلين، نشرت وكالة رويترز، في 8 يناير الجاري، تقريراً عن قيام القوات الإثيوبية بتوجيه ضربة جوية على مخيم للمهجرين في قرية ديدبيت، بشمال غرب التيجراي، المتاخمة للحدود الإريترية، مما تمخض عنها مقتل 56 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 30 آخرين، مما دفع بعض وكالات الإغاثة إلى تعليق عملها في أنحاء التيجراي.

2- فرص الاستجابة لمطالب تيجراي: من غير الواضح مدى استجابة أديس أبابا لمطالب جبهة تحرير تيجراي، خاصة فيما يتعلق بالإفراج عن الآلاف التيجراي المعتقلين، وعدم الاقتصار فقط على القيادات، فضلاً عن شروط أخرى تتعلق بخروج القوات الحكومية وحلفائها من المناطق التي تسيطر عليها في إقليم تيجراي.

3- غضب محتمل من الحلفاء: قد يتمخض عن قرارات العفو الأخيرة غضب من قيادات إثنية الأمهرة، التي تعد ثاني أكبر قومية في البلاد، والتي كانت طرف شريك في حرب آبي أحمد ضد تيجراي، حيث وصف بعض قادة الامهرة، مثل نعيمين زيليكي، خطوة الإفراج عن المعتقلين من التيجراي بالخيانة من قبل الحكومة الإثيوبية.

4- جدية الحكومة في الانفتاح على المعارضة: أفرجت الحكومة الإثيوبية عن عدد من قيادات جبهة الأورومو، وهي أكبر إثنية في البلاد من حيث الحجم السكاني، بيد أنه لا يوجد، حتى الآن، تأكيدات على أن هؤلاء المعتقلين الذين صدرت بحقهم قرارات العفو سوف ينخرطون في مشروع الحوار الوطني، خاصةً أن المتحدث باسم مؤتمر أورومو الفدرالي شكك في جدية الحكومة الإثيوبية في جهود المصالحة.

وفي الختام، تعكس التطورات الأخيرة التي شهدها الملف الإثيوبي جملة من المؤشرات الإيجابية بشأن احتمالية التهدئة، وعلى الرغم من التحديات التي ربما تؤثر سلباً على مسار المصالحة الوطنية، وتجعلها عرضة للانتكاسات، فإنه من المرجح أن تواصل الولايات المتحدة ضغوطها من أجل انخراط الأطراف كافة في الحوار الوطني الشامل، للتوصل لتسوية سياسية للأزمة الراهنة.

الكلمات المفتاحية: إثيوبيا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات