التحليلات - التفاعلات المجتمعية

درس القيادة:

كيف استطاعت الإمارات الخروج من أزمة كورونا؟
الأحد، 17 أكتوبر، 2021
درس القيادة:

يشهد العالم منذ بداية اكتشاف فيروس كوفيد-19 في الصين، جائحة لم تسلم أي دولة من عواقبها، سواء البشرية أو المادية، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى التوصل سريعاً للقاحات يمكنها مواجهة الفيروس والتخفيف من أعراضه. وعلى الرغم من عدم العدالة في توزيع هذه اللقاحات في العالم، فإن التوسع في إنتاجها وما شهدته بعض الدول من إعطاء جرعات معززة منها، أدى إلى نتائج إيجابية أسهمت بشكل كبير في تحجيم معدلات انتشار فيروس كورونا وانخفاض أعداد الوفيات بسببه. وأسفر ذلك عن إعلان بعض الدول خروجها من الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها، وبالتالي يشهد العالم الآن ما يُسمى بـ "موجات الخروج من الجائحة" Exit Wave. 

وجاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة الدول التي أكدت خروجها من الجائحة، حيث أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يوم 6 أكتوبر 2021، خروج الإمارات من أزمة كورونا، وبداية عودة الحياة إلى طبيعتها. ويحمل هذا الإعلان العديد من الدلالات، وكذلك الدروس المستفادة. 

ملامح التجربة الإماراتية:

منذ أن سجلت الإمارات أول حالة إصابة بفيروس كورونا في 29 يناير 2020، عملت على مواجهة الفيروس. وفي حين تتصدر الإمارات دول العالم في التطعيم ضد كورونا، فقد أدى ذلك، إلى جانب عوامل أخرى من بينها جهود الفريق الطبي واستخدام التكنولوجيا الرقمية، إلى لحظة الإعلان عن بداية اتباع إجراءات الخروج من الجائحة في الدولة، تمهيداً لعودة الحياة إلى طبيعتها. وقد جاءت أهم تلك الإجراءات على النحو التالي: 

1- تخفيف الإجراءات الاحترازية: أعلنت وزارة الصحة ووقاية المجتمع، والهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث في الإمارات، يوم 22 سبتمبر 2021، عن السماح بعدم إلزامية ارتداء الكمامة في بعض الأماكن، مع التقيد بتطبيق مبدأ التباعد الجسدي بمسافة مترين. وشمل القرار السماح بعدم ارتداء الكمامة عند ممارسة الرياضة في الأماكن العامة، ووسائل النقل الخاصة للقاطنين في المنزل نفسه، ومرتادي الشواطئ والمسابح المفتوحة، والأشخاص الموجودين بمفردهم في الأماكن المغلقة، ومراكز الحلاقة والتجميل والصالونات، والمراكز الطبية والعيادات عند التشخيص وتلقي العلاج. كما اعتمدت لجنة إدارة الطوارئ والأزمات في أبوظبي وقف استخدام السوار الإلكتروني للحجر المنزلي للقادمين من السفر والمخالطين لحالة إيجابية، واقتصار استخدام السوار الإلكتروني على الحالات الإيجابية، وذلك ابتداءً من 19 سبتمبر الماضي.

2- عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً: قامت الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والطوارئ في الدولة، يوم 8 أغسطس الماضي، بتخفيف القيود المفروضة على بعض القطاعات، حيث تم الإعلان عن إمكانية رفع الطاقة الاستيعابية إلى 80% في مراكز التسوق التجارية والمطاعم والمقاهي، ورفع الطاقة الاستيعابية لأقصاها في المرافق الفندقية مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية، مع السماح برفع نسبة الطاقة الاستيعابية لدور السينما والأماكن الترفيهية والمعارض والمتاحف بنسبة 80%، وزيادة نسبة الطاقة الاستيعابية لجميع الفعاليات بنسبة 60%، وكذلك رفع الطاقة الاستيعابية في وسائل النقل على أن لا تتعدى نسبة 75%.

وفي الوقت ذاته، أعلن مصرف الإمارات المركزي، يوم 23 سبتمبر الماضي، أنه في ظل التحسن التدريجي للنشاط الاقتصادي، سيبدأ في عملية سحب تدريجي ومدروس لحزم الدعم التي قام بإصدارها ضمن خطة الدعم الاقتصادي الشاملة الموجهة، حتى لا تؤثر سلباً على المعاملات الائتمانية والنمو الاقتصادي.

3- تخفيف قيود السفر إلى الدولة: أعادت الإمارات فتح أبوابها للزوار من جميع الدول. واعتباراً من 30 أغسطس الماضي، أصبحت التأشيرات السياحية متاحة للمتقدمين في جميع أنحاء العالم، بشرط أن يتم تطعيمهم بالكامل بأحد لقاحات كوفيد-19 المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، مع إلزامية إجراء اختبار (PCR) سريع في المطار. 


مؤشرات النجاح: 

أسفرت الجهود المتواترة التي تم بذلها على كافة المستويات عن تصدر الإمارات للعديد من المؤشرات والتصنيفات الدولية التي اهتمت بتقييم أوضاع الدول من حيث جهود مواجهة جائحة كورونا، ومدى استعدادها لعودة الحياة إلى طبيعتها. ويمكن استعراض أهم هذه المؤشرات التي تعكس نجاح النموذج الإماراتي في الحد من فيروس كورونا، وذلك على النحو التالي:   

1- تراجع حالات الإصابة بكورونا: نتيجة للتوسع في إجراء الفحوصات واختبارات الكشف عن فيروس كورونا المستجد، فإن الأرقام المُعلنة من جانب وزارة الصحة ووقاية المجتمع في الإمارات تعكس وبدقة المستويات الحقيقية لانتشار الفيروس في الدولة، الأمر الذي ساهم وبشكل كبير في توفير العلاج المناسب للحالات المصابة، وتحجيم انتشار الفيروس. ومن خلال تتبع عدد الحالات المصابة في الدولة، يتضح لنا تقلصها بشكل كبير، حيث تبلغ في المجمل نحو 7.39% من إجمالي السكان، ووصلت يوم 16 أكتوبر الجاري إلى 115 حالة إصابة فقط. ومنذ 3 أكتوبر الجاري، لم تتعد حالات الإصابة اليومية الـ 200 حالة.

2- انخفاض أعداد الوفيات بالفيروس: أدى الاكتشاف المُبكر لحالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد، والمنظومة الصحية ذات درجة الاستعداد العالي، إلى تقلص حالات الوفيات بنسبة كبيرة في الإمارات، بل تعد هي الأدنى على مستوى العالم (0.3%) من إجمالي حالات الإصابة المؤكدة بالفيروس. وعلى مدار الأيام الماضية في شهر أكتوبر الجاري، بلغ متوسط الوفيات اليومية بسبب الفيروس في الدولة حالة واحدة فقط، مع عدم تسجيل وفيات في بعض الأيام مثل 2 و10 و16 أكتوبر الجاري.

3- التوسع في إجراء الاختبارات: تعد الإمارات في مقدمة الدول التي تجري اختبارات وفحوصات الكشف عن فيروس كورونا، وبإجمالي حوالي 88,985,332 فحصاً منذ بداية الجائحة وحتى 16 أكتوبر 2021، وبلغت هذه الفحوصات يوم 16 أكتوبر الجاري فقط 362,508 فحوص. كما أن الأمر لا يتوقف عند إجراء الاختبارات، حيث تعد الإمارات من الدول التي تبنت سياسة تعقب ومتابعة الحالات المصابة حتى اكتمال الشفاء، ما أسهم في تقليص معدلات انتشار الفيروس بين السكان.  

4- معدلات تطعيم مرتفعة للغاية: سعياً إلى الوصول إلى المناعة المجتمعية المكتسبة والناتجة عن التطعيم، نظمت دولة الإمارات برنامج تطعيم قوياً، بالاعتماد على أنواع مختلفة من اللقاحات المتاحة مجاناً من خلال أكثر من 200 مركز تطعيم في جميع أنحاء الدولة، كما يمكن لكبار السن وفئات أخرى حجز مواعيد للتطعيم في المنزل. وتم توفير كذلك جرعات معززة من اللقاحات، ومنذ 20 سبتمبر الماضي أصبح يتعين على الأفراد الذين تلقوا الجرعة الثانية من لقاح "سينوفارم" الصيني قبل أكثر من 6 أشهر تلقي الجرعة الداعمة لتعزيز مناعتهم، والتزاماً بالبروتوكول المعتمد لكل لقاح.

كما وافقت الإمارات على استخدام لقاح "سينوفارم" للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و17 عاماً، وذلك بعد إجراء الدراسات الإكلينيكية اللازمة. وسبق أن وافقت الدولة في مايو الماضي على استخدام لقاح "فايزر- بيونتيك" للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عاماً.

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة ووقاية المجتمع، بلغ مجموع جرعات اللقاح التي تم تطعيم المواطنين والمقيمين بها في الدولة حوالي (20,686,282) جرعة حتى 16 أكتوبر 2021، وبمتوسط بلغ 41271 جرعة يومية. وهذا يعني أن حوالي 96.17% من سكان الإمارات قد تلقوا جرعة واحدة من اللقاح، بينما تلقى حوالي 86.15% من إجمالي السكان جرعتين من اللقاح. 

وحسب مؤشر (Our World in Data)، فإن دولة الإمارات تحتل المرتبة الأولى عالمياً من بين الدول التي لديها أعلى نسبة من الأشخاص الذين تناولوا جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد -19، بينما تسبقها فقط البرتغال وبنسبة محدودة من حيث الأشخاص الذين تناولوا جرعتين من اللقاح. وتتجاوز الإمارات في ذلك نسب التطعيم في الدول الكبرى على مستوى العالم التي أنتجت اللقاح.  

5- القدرة على التعافي من الجائحة: احتلت الإمارات المرتبة الرابعة عالمياً وفقاً لمؤشر "نيكي" للتعافي من الجائحة لشهر سبتمبر 2021 (The Nikkei COVID-19 Recovery Index)، والذي يصنف قدرة أكثر من 120 دولة ومنطقة على التعافي من الجائحة في نهاية كل شهر. ويشير الترتيب الأعلى إلى أن بلداً أو منطقة ما أقرب إلى التعافي مع انخفاض أعداد حالات الإصابة المؤكدة، وتحقيق معدلات تطعيم أفضل، واتباع إجراءات تباعد اجتماعي أقل صرامة.

وأيضاً وفقاً لمؤشر "بلومبرج" للتعافي من الجائحة (Bloomberg Covid Resilience Ranking )، والذي يعد مؤشراً مركباً يتكون من مجموعة من المؤشرات الفرعية التي تتناول نسب الأشخاص الذين تلقوا اللقاح من إجمالي السكان، وجودة الرعاية الصحية، ومعدل الوفيات الإجمالي، ودرجة التقدم نحو استئناف السفر وتخفيف القيود على الحدود؛ فقد صعدت الإمارات 9 مراتب منذ أغسطس الماضي لتحتل المرتبة الـ 6 عالمياً وفقاً لأحدث إصدار من المؤشر بنهاية سبتمبر 2021، وذلك بفضل تخفيف قيود الإغلاق، والقدرة على تحقيق التعافي وسط انخفاض حالات الإصابة والوفيات. 


الدروس المستفادة: 

ثمة دروس مستفادة من النموذج الإماراتي الناجح في مواجهة أزمة كورونا، ومن أهمها ما يلي:

1- فاعلية القيادة: منذ بداية جائحة كورونا، اختارت القيادة الإماراتية الوقوف إلى جانب المواطنين والمقيمين، وبث روح الطمأنينة بينهم بالقدرة على مواجهة الجائحة، والتأكيد على بذل الدولة كل الجهود لتوفير الرعاية الصحية والأدوات اللازمة لتحقيق ذلك، وهو ما عكسه خطاب القادة، وكذلك الإجراءات الفعلية التي تم اتخاذها. ولعل من أبرز العبارات المؤثرة في هذا السياق، خروج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في مارس 2020، بعبارة "لا تشلون هم"، وهذا ما بث الطمأنينة في سكان الإمارات من المواطنين والمقيمين، وشجعهم على الالتزام بالإجراءات التي تستهدف مواجهة الجائحة والحد من انتشارها.

2- التواصل الفعّال مع الجمهور: التزاماً منها بأعلى درجات المهنية والنزاهة، قدمت الإمارات نموذجاً فعالاً في التواصل مع المواطنين والمقيمين بكافة السُبل سواء من خلال الإحاطات الإعلامية المستمرة أو من خلال إصدار الأدلة والبروتوكولات التي تستهدف توفير المعلومات اللازمة للتعامل مع الأوضاع الاستثنائية التي فرضتها الجائحة، وتوفير أقصى درجات الأمان للجميع. ومن ذلك على سبيل المثال، أدلة العودة إلى مقرات العمل، والسفر، والحجر الصحي والتعامل مع المخالطين. 

3- الالتزام المجتمعي: إن نجاح النموذج الإماراتي لم يكن ليتحقق لولا التكامل بين الحكومة والشعب. فالتزام أعضاء المجتمع بشكل تام ببروتوكولات السلامة والتدابير الوقائية، كان هو الدفعة التي كللت جهود الدولة بالنجاح. 

4- الاستعانة بالتكنولوجيا الرقمية: استفادت الدولة من استثماراتها الكبيرة في البنية التحتية الرقمية، ووظفت تطبيقات التكنولوجيا الرقمية في المجال الصحي للسيطرة على وباء كورونا. فعلى سبيل المثال، يتم استخدام تطبيق "الحصن" على الهاتف المحمول لحفظ سجلات الاختبارات والتطعيمات، فضلاً عن تسهيل تتبع المخالطين. ويُظهر النظام المشفر باللون بوضوح حالة التحصين، حيث يتم تشجيع المواطنين على الاستفادة من "بروتوكول المرور الأخضر" الخاص بالتطبيق في دخول الأماكن العامة مثل مراكز التسوق والمطاعم وصالات الألعاب الرياضية والمرافق الترفيهية الأخرى. كما تم إطلاق برنامج "التطبيب عن بُعد" للحصول على استشارات صحية رقمية، وذلك استجابة للإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية، ولمنع العدوى من خلال خفض عدد المراجعين في المستشفيات والمراكز الصحية.

5- الريادة في تقديم المساهمات الإنسانية: تعد الإمارات من أولى الدول التي مدت يد العون لمواجهة الوباء في جميع أنحاء العالم، وذلك مع انطلاق العديد من المبادرات الإنسانية. فحتى يوليو 2021، قدمت الدولة أكثر من 2154 طناً من المساعدات الطبية، بما في ذلك أجهزة التنفس وأدوات الاختبار ومجموعات الحماية الشخصية والإمدادات إلى نحو 135 دولة حول العالم. كما أطلقت الإمارات "ائتلاف الأمل" في نوفمبر 2020 للمساعدة في توزيع أكثر من 6 مليارات جرعة لقاح، وإرسال شحنات صغيرة إلى الدول ذات سعة التخزين الباردة المحدودة.


ختاماً، يمكن القول إن الإمارات قدمت نموذجاً مُضيئاً في مواجهة جائحة كورونا، حيث تضافرت فيها جهود كل المؤسسات، وكللها دور القيادة في طمأنة المجتمع وتوجيه دفته نحو تحقيق الخروج الآمن من الأزمة وبأقل الخسائر البشرية والمادية الممكنة، وتمهيد الطريق للتعافي الاقتصادي والاجتماعي، بل وتقديم العديد من الدروس المستفادة التي يمكن للآخرين الاسترشاد بها في مسار الخروج من أزمة كورونا. 

الكلمات المفتاحية: الإماراتكورونا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات