التحليلات - التغيرات السياسية

توظيف يميني:

حدود تصاعد التوتر الفرنسي - المغاربي بعد أزمة التأشيرات
السبت، 16 أكتوبر، 2021
توظيف يميني:

قال وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، في 29 سبتمبر الماضي، إنه "إذا لم تستعيدوا مواطنيكم المُرحلين من فرنسا، فإننا لن نستقبل مواطنيكم الذين يودون المجيء إلى فرنسا"، معلناً عن قرار اتخذته الحكومة الفرنسية يقتضي خفضاً جذرياً لنسبة التأشيرات الممنوحة إلى دولتي الجزائر والمغرب بنسبة 50%، وتلك الممنوحة إلى تونس بنسبة 33%. وقد أثار هذا القرار موجة من ردود الفعل، وصلت إلى حد استحضار الماضي "الكولونيالي" للدولة الفرنسية.

أبعاد مختلفة:

يبدو أن الحكومة الفرنسية كانت تتوقع أن يؤدي اتخاذ مثل هذا القرار إلى زيادة منسوب التوتر في علاقاتها الثنائية مع الدول الثلاث (الجزائر، والمغرب، وتونس). ولكن يبقى التساؤل حول أبعاد اتخاذ مثل هذا القرار في هذا التوقيت بالذات، خاصة أن السياسة الخارجية الفرنسية عرفت عدة انتكاسات في الفترة القريبة الماضية. ولتفسير أبعاد اتخاذ مثل هذا القرار يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:

1- تزايد أعداد المُجبرين على ترك الأراضي الفرنسية: تظهر أرقام وزارة الداخلية الفرنسية أنه بالمقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2020، ارتفع عدد الذين صدر بحقهم بلاغ مُلزم بضرورة مغادرة الأراضي الفرنسية (OQTF) في عام 2021 بنسبة 47% لدى الجزائريين، و25% لدى المغربيين، و43% لدى التونسيين (7731 جزائرياً، و3301 مغربي، و3424 تونسياً). فيما نفى الرئيس الجزائري، عبدالعزيز تبون، في 10 أكتوبر الجاري، أن تكون فرنسا قد أبلغت الجزائر بالـ 7 آلاف جزائري المطلوب ترحيلهم، حيث تم عرض 3 لوائح من 94 شخصاً فقط على الجزائر خلال عام 2021، معتبراً أن وزير الداخلية الفرنسي "يكذب" فيما يخص عدد الجزائريين الذين هم في وضع غير قانوني.  

2- تنفيذ نسبة ضئيلة جداً من عمليات الترحيل: لا يمكن إتمام عملية الترحيل من دون الحصول على تصاريح قنصلية LPC من سلطات الدول التي يحمل المُرحلون جنسياتها، والتي تتلكأ أو تماطل في إصدار مثل هذه التصاريح، حسب وجهة النظر الفرنسية. فمثلاً تم إنجاز 22 عملية ترحيل إلى الجزائر في عام 2021 وهي نسبة ضئيلة جداً لا تتعدى 0.3% من المطلوب ترحيلهم. فيما تعتبر أوساط دول المغرب العربي أن معظم المطلوب ترحيلهم لا يملكون وثائق تثبت هويتهم بعد أن أتلفوها، وفي أوقات كثيرة تتم الاستعانة بخبراء لتمييز "لكنة" المطلوب ترحيلهم لمعرفة جنسياتهم الحقيقية. كما أن نسبة كبيرة من المجرمين الخطرين أو المتشددين تكون من ضمن المُرحلين، مما يستوجب المزيد من التحري والتدقيق، خصوصاً أن أرقام وزارة الداخلية الفرنسية أظهرت وجود 231 أجنبياً مهيئين للترحيل ومصنفين كمتطرفين.

3- تأثيرات جائحة كورونا: أمام الواقع المتمثل في نقص التعاون، قررت فرنسا خفض التأشيرات الممنوحة إلى دول المغرب العربي، فبالنسبة للجزائر انخفض العدد بنسبة 50% بين العامين 2019 (200 ألف تأشيرة) و2017 (420 ألف تأشيرة)، كما دفعت أزمة فيروس كورونا إلى وصول هذا العدد إلى عتبة 100 ألف تأشيرة في عام 2020. واستمرت السلطات الفرنسية في إصدار بلاغات المغادرة مع علمها المسبق بأنها لن تُنفذ، خصوصاً أن أغلب الدول كانت قد أغلقت أجواءها الجوية أمام الرحلات، بالإضافة إلى أن الاختلاف في الإجراءات المُصاحبة للسفر بعد مرحلة فتح المطارات واستئناف الرحلات الجوية قد أثّر على مستوى التعاون لإتمام عمليات الترحيل. فمثلاً، تُحتم إجراءات المملكة المغربية على كل شخص مُرحل إليها على متن طائرة، أن يكون حائزاً على فحص pcr لفيروس كورونا تكون نتيجته سلبية، فيما يجعل القانون الفرنسي من إجراء هذا الفحص اختيارياً قبل السفر.

4- انعكاسات الانتخابات الرئاسية الفرنسية: تزامن صدور القرار الفرنسي بخفض عدد التأشيرات لدول المغرب العربي مع بداية الاستعدادات لإطلاق الحملات الانتخابية لرئاسيات فرنسا والمقررة في أبريل 2022، حيث تحتل الهجرة حيزاً واسعاً في هذه الانتخابات مع تحولها إلى قضية أساسية للنقاش، خصوصاً أن العديد من قادة "أقصى اليمين" تناوبوا في الفترة الاخيرة تباعاً في اللعب على وتر التقصير الحكومي في مواجهة هذا الملف، والتركيز على عدد عمليات الترحيل المنخفض. إذ اعتبر رئيس حزب التجمع الوطني (RN)، جوردان بارديلا، وهو نائب في البرلمان الاوروبي أيضاً، في أكتوبر الجاري، أن "الدخول إلى فرنسا سهل جداً، والخروج منها صعب جداً، وأنه فقط 12% ممن تصدر بحقهم قرارات ترحيل يخرجون، حيث يكفي للمطلوب ترحيلهم رفض إجراء فحص pcr كي يبقوا في فرنسا".

فيما اعتبرت مارين لوبان، مرشحة التجمع الوطني (RN) للرئاسة، في سبتمبر الماضي، أنه "يجب التعامل بيد من حديد مع الدول التي لا تريد استرجاع مواطنيها الذين يعيشون بشكل غير شرعي في فرنسا، كالحد مثلاً من إرسال الأموال إلى هذه الدول التي تفوق بكثير مستويات المساعدة من أجل دعم التنمية". ثم كررت لوبان بعد ذلك في 4 أكتوبر 2021 أن "الحكومة الفرنسية لم تفعل شيئاً لمواجهة الهجرة خلال 4 سنوات، وتحاول الآن أن تظهر بمظهر الحازم". 

فيما يحاول المرشح الرئاسي إيريك زيمور، الطامح لمنافسة مارين لوبان في ملعبها، أن يبدو أكثر حزماً وتشدداً حيال ملف الهجرة، جاعلاً من شعار "هجرة صفر" Immigration zero أحد شعارات حملته الانتخابية. وفي هذا الإطار، أظهر استطلاع للرأي أجرته CNEWS، في 30 سبتمبر الماضي، أن 87% من الفرنسيين يؤيدون قرار الحكومة الفرنسية بخفض عدد التأشيرات.